الاتحاد

دنيا

المتقاعدون ··حياة أجمل بعد التقاعد

إلى متى يظل التقاعد مثل بحر مجهول لا نعد العدة لخوضه؟

إلى متى يظل التقاعد مثل بحر مجهول لا نعد العدة لخوضه؟

يحمل ''التقاعد''، حسب الثقافة العربية، الأسى والألم لمن يصل إليه، فدائما ما يُشبه المتقاعدون بـ ''خيل الحكومة'' الذي يرمى بالرصاص حين يكبر في السن، ولا تصبح هناك فائدة مرجوة منه؛ في حين يعتبر آخرون أن قرار التقاعد فرصة لإطلاق خيله بعد أن لجمه العمل لسنوات طويلة· وبين هذا وذاك، ركن البعض إلى ترك خيولهم للعرض العام، لا هم قتلوها ولا هم تركوها تنطلق في سبق الحياة·
غير أن الإنسان ميز عن الخيل بالتفكير والتخطيط، مما يجعل عطاءه غير مرتبط إطلاقا بعمر أو توقف عن مهنة ما يعمل بها، أو بمكتب ودوام في عمل رسمي، العطاء طاقة خاصة يستمر الإنسان في توليدها، ما دامت هناك أنفاس تتردد في صدره· فكيف ينظر أبناؤنا لتلك الفترة من حياتهم؟


تقول ''عالية الشامسي'' - موظفة في وزارة التربية-: ''لم أكن أبالي بهذا الأمر على الإطلاق، أما الآن وبعد اثني عشر عاما من العمل، بدأت أدرك أهمية أن أخطط لشكل حياتي بعد تركي العمل، خاصة بعد أن زارتنا في مقر عملنا زميلة كانت قد تقاعدت منذ أشهر، وأخبرتنا عن الفراغ القاتل الذي تعيشه''· ورغم ذلك لا تزال ''عالية'' حتى اللحظة لم تحدد النشاط الذي ستشغل به حياتها مستقبلا، ولكنها قررت الإعداد لتلك السنوات من الآن على الأقل بالتفكير·
فخ الفراغ
ويشبه حال تلك الزميلة التي زارت ''عالية'' بعد تقاعدها، حال ''موزة الزعابي'' - مديرة مدرسة سابقة-، فبعد عطاء في حقل التعليم والإدارة استمر ثلاثة وعشرين عاما، كان التقاعد ولأسباب صحية - منذ سنوات- بمثابة المفاجأة لها، فهي ما تزال في سن قادر على العطاء، كما أن عدم قدرتها على الدخول في مشروع خاص، حد من طموحها بالاشتغال بعد التقاعد؛ تقول ''موزة'': ''لم يخطر ببالي قبل التقاعد أن أفكر بالمستقبل، وأعتقد لو أنني فكرت بذلك مبكرا لكان وضعي مختلف الآن تماما، فأنا أعيش فراغاً كبيراً، وإن كانت التزاماتي مع والديَّ تشغلني لبعض الوقت، غير أن الوقت المتبقي أكبر بكثير''· وتشير ''موزة'' إلى أنها حاولت المشاركة في الفعاليات الثقافية والأعمال التطوعية، غير أنها لم تستطع إكمال تلك المحاولات، وتؤكد: ''غلطتي كانت أنني لم أبدأ بهذه الأنشطة في سن مبكر، وعندما حاولت الاعتياد، لم استطع التأقلم''· وتضيف: ''أنصح أختي وصديقاتي بالتخطيط مبكرا لهذه المرحلة وأخذ الأمر بالجدية اللازمة''·
ويؤكد الباحثون في دراسات مختلفة على ما قالته ''موزة الزعابي''، ويلفتون إلى أهمية أن يسعى الأفراد دوما إلى تطوير وتنمية اهتمامهم خارج ميدان العمل، لكي يتسنى لهم استثمار ذلك بعد التقاعد· في حين يقول الدكتور ''اردمان بالمور'' - أستاذ الطب النفسي بمركز دراسات الأسرة بجامعة ''روك'' بأميركا-: ''عندما يتوقف الفرد عن العمل، تتعطل كميات الطاقة الكبيرة التي كان يبذلها يومياً ولا تجد مخرجاً لها، غير أنها لا تندثر أو تتوارى، فإذا عجز الإنسان عن استثمارها، فإن تلك الطاقة المعطلة تؤدي إلى اضطرابات عصبية ونفسية وعاطفية، فتصبح الحياة مملة''· ويضيف: ''إن الذين يقضون فترة تقاعدهم من دون عمل يجدون أجسادهم قد بدأت في الضمور وبدأت صحتهم بالتدهور، يعزز ذلك إحساسهم بعدم الفائدة بعد أن كانت لهم وظائفهم''·
تخطيط مبكر
استطاعت ''مريم'' تجاوز غلطة ''موزة'' فوضعت خططها مبكرا، ونضجت فكرتها على عكس ''عالية'' لتأخذ جانبها التطبيقي سريعا، فـ ''مريم عبدالله - الموظفة في الهيئة الاتحادية للبيئة- بالكاد أكملت عامها التاسع في عملها، إذ بدأت بمشروع تجاري صغير، ورغم أنه -مكتبة- صغيرة جدا بمقاييس سوق المكتبات، وما يعود منها بالكاد يكفي مصاريف المشروع من إيجار المكان وأجر العامل، إلا أن ''مريم'' تصر - وبفرحة خجولة- أنه سيكبر، وتقول: ''سيصبح مشروعا كبيرا، إذا تفرغت لإدارته، ولكنني لست على عجلة من أمري''، مضيفة أنها تحب عملها جدا في الوزارة، غير أن سنوات العمر ستمضي سريعا، ولذا فهي لا تريد أن تبدأ من الصفر بعد تقاعدها، سواء من ناحية خبرتها، أو من ناحية حجم عملها في السوق·
وعلى عكس ''مريم''، كان لـ ''إسماعيل الحوسني'' -موظف في شركة الحفر الوطنية- رأي آخر، فهو يعتقد أن من حقه، بعد سنوات العمل الطويلة هذه، أن يرتاح وينعم براتب التقاعد، مع أهمية أن يكون قد أمن مسبقا وضعه المالي بضمان مداخيل أخرى· وهو يفكر بالسفر لغرض السياحة والتعرف على ثقافات جديدة، والاستمتاع أكثر بساعات الهدوء والاسترخاء، ويقول لنا ''اسماعيل'': ''عندما نتقدم في العمر نصبح أقل احتمالا لضغوط العمل واستمرارنا فيه يزيد من احتمال تعرضنا للأمراض؛ ففي الدول المتقدمة يدركون هذا جيدا، ولذا متوسط عمر الفرد عندهم هو الأفضل على مستوى العالم''·
ميلاد حقيقي
وإن كان الحفاظ على الصحة والتعرف إلى عالم جديد سبب ركون ''الحوسني'' لراتب التقاعد والتوجه للاسترخاء، فإن لـ ''عبد الله المزروعي'' سببا آخر؛ إذ يرى أن يوم تقاعده سيكون يوم ميلاده الحقيقي· ذلك أن وظيفته ظلت وستظل -إلى أن يتقاعد- حجر عثر في طريق تحقيق حلمه الإبداعي، إذ يهوى ''عبد الله'' العمل المسرحي، ويأمل أن يملك الوقت الكافي لكي يكرس جل وقته لهذا الفن، وهي أمنية لن تتحقق قبل أن يتفرغ لها تماما، ويقول: ''بعد تقاعدي سأضمن أن يقوم الراتب بتسديد التزاماتي المادية، فيما أضمن لنفسي الوقت للتفرغ لمشروعي المسرحي''·
ومن المشروع الإبداعي المنتظر، إلى مشروع آخر اقتصادي حقق بالفعل نجاحا باهرا لرجل قرر أن يبدأ بعد التقاعد بانطلاقة عملية مختلفة؛ كنت قد قرأت عنه في مجلة ''الاقتصاد اليوم·· المستقبل الآن'' الصادر عن غرفة تجارة وصناعة أبوظبي في عددها 39 (سبتمبر 2005)، فقد استطاع ''حسن الأحبابي'' بعد خدمة دامت 25 عاما في القوات المسلحة، أن يسلك درب الصناعة، فأقام معملا لإنتاج العوازل الحرارية، وبعد فترة بدأ بصناعة الآلات التي تنتج هذه العوازل، وحقق نجاحا على صعيد السوق الداخلي والخارجي؛ المثير أنه بدأ ذلك من الصفر، وعبر الشبكة الدولية وتردده على المعارض الصناعية الدولية المتخصصة بالآلات والمعدات كانت خطواته الأولى، فاستطاع أن يكتسب معرفة جديدة فتحت له أفقاً مختلفاً تماما عن ما كان يصنعه طوال حياته·
إذا هناك دائما حياة أخرى بعد التقاعد، ولنا أن نرسم خطوطها مبكرا،، حتى لا نتحول إلى خيول حان وقت إطلاق الرصاص عليها·

اقرأ أيضا