الاتحاد

تقارير

تونس الجديدة... تجاذبات ما بعد الربيع

في الطابق العلوي، يتحلق إبراهيم عمارة، 27 عاماً، وأصدقاؤه حول الحاسوب لمشاهدة الوعاظ الدينيين على موقع يوتيوب وهم يقدمون رؤية للإسلام ترفض الديمقراطية والانتخابات. ويقول إبراهيم: "إن الحرية التي تأتي بها الديمقراطية مطلقة ونحن لا نقبل ذلك، لأن الحرية، في ديننا، تقتصر على الحرية التي منحنا إياها الله".
وفي الطابق الأرضي، يشعر والد إبراهيم، صالح عمارة، بالإحباط من شغف ابنه وبعض توجهاته الجديدة في مرحلة ما بعد الثورة. فقد ساير صالح وزوجته بعض قيود ابنه الجديدة -حسناً، إنهم سيكفون عن مشاهدة المسلسلات الدرامية و"الأوبرا" على التلفزيون، لأنها تحتوي على الكثير من المحتوى الجنسي- ولكن صالح يقول إن ابنه يغالي كثيراً. فلا بأس من إرخاء لحية طويلة، وإن كان ذلك سيحد ربما من فرص حصوله على وظيفة. وإذا ألح إبراهيم على أن تقوم زوجته التي تلقت تعليماً جامعيّاً وتربت تربية علمانية بتغطية شعرها وارتداء قفازات، فذلك شأنه. ولكن كيف يمكنه أن يرفض الانتخابات الحرة، أحلى ثمار الثورة التونسية؟
بعد عام على الانتفاضة التي أسقطت نظام بن علي، تقف تونس اليوم منقسمة بين رؤيتين مختلفتين لمستقبلها. فاشتباكات الشارع التي وقعت العام الماضي في هذه المدينة المشمسة المطلة على البحر تحولت إلى معركة من نوع خاص -مواجهات تتعارك فيها العديد من العائلات مع أسئلة أساسية تتعلق بالهوية.
فالآباء العلمانيون، الذين يفاجَأون بقيام ابنتهم بتغطية شعرها خارج البيت، يشعرون بالقلق ويخشون أن يكونوا بصدد فقدان ابنتهم أمام التطرف. والعائلات المتدينة بشكل معتدل تتجادل حول قرار أحد أبنائها بإطلاق اللحية والمشاركة في مظاهرات ضد جوانب من الحياة التونسية كانوا يعتبرونها دائماً من المسلمات: بعض مظاهر السلوك المتحرر كثيراً، وأفلام هوليود على التلفزيون. وفي أماكن العمل والمطابخ والمقاهي على الرصيف، هناك سؤال واحد يطغى على الحوارات: هل يمكن أو ينبغي الحفاظ على خليط تونس من القيم والممارسات الغربية والإسلامية تحت حرية هذا العهد الجديد، أم أن تلك الحرية أطلقت تطرفاً دينيّاً يهدد بدفع هذه البلاد التي يبلغ عدد سكانها 10 ملايين نسمة نحو نوع جديد من الحكم الديكتاتوري؟
بعد ستة عشر شهراً من قيام بائع فواكه تونسي يدعى محمد البوعزيزي بإحراق نفسه احتجاجاً على تعرضه للإهانة والإذلال، مفجراً بذلك موجة من الثورات عبر العالم العربي، يعتبر مهد الربيع العربي، من عدة نواح، أفضل حالاً من البلدان الأخرى التي تم فيها إسقاط حكامها. ذلك أن السياح بدأوا يعودون إلى شواطئ تونس المتوسطية، وهناك سلم نسبي في الشوارع، كما تم إجراء انتخابات نزيهة أوصلت إلى السلطة ائتلافاً من الأحزاب الإسلامية والعلمانية بقيادة حزب النهضة، وهو حركة إسلامية تؤكد على اعتدالها في كل حين حتى في وقت لا تصدق فيه عائلات علمانية عديدة كلمة منها.
ولكن التونسيين أبعد ما يكونون عن الرخاء؛ ذلك أن الوظائف قليلة، والشعور باليأس الذي أدى إلى الانتفاضة أصلاً لم يتراجع إلا قليلاً، ولا يكاد يمر يوم بدون نوع من المواجهات الجديدة بين الإسلاميين والتونسيين العلمانيين. وفي بلد حيث 100 في المئة من السكان تقريباً مسلمون، فإن انقساماً متناميّاً حول الدين يهدد بانزلاق تونس إلى "الفوضى"، حسب مصطفى بن جعفر الرئيس العلماني للبرلمان الجديد. ويقول بن جعفر، الذي يرأس المجلس الوطني التأسيسي للبلاد، الكائن في المكتب الذي كانت تحكم منه الإمبراطورية العثمانية تونس ذات يوم: "على مدى 30 عاماً، لم تكن لدينا حرية أو ديمقراطية"، مضيفاً "واليوم، فإن وضعنا جد هش وحساس لأننا عالقون بين قوتين -واحدة ترغب في التقدم والأخرى ترغب في العودة زمنيّاً إلى الوراء".
بن جعفر -الذي فاز بمنصبه عندما سعى حزب النهضة إلى إظهار أنه يقبل باقتسام السلطة مع الأحزاب العلمانية- يجادل بأن "الحرية لديها دائماً تكلفتها. فقبل الثورة، كانت هذه الحركات المتطرفة موجودة ولكنها كانت مرغمة على العمل سراً. أما اليوم، فقد صار كل شيء في العلن، والحمد لله على ذلك".
ولكن أتباع التيار السلفي، ومنهم إبراهيم عمارة، غير مقتنعين فقط بممارسة حقهم الجديد في التظاهر، بل يريدون ما هو أكثر من ذلك. وفي هذا الإطار، يقول إبراهيم لعائلته في منزلهم في ضاحية "لكرم" التي تقطنها الطبقة العاملة: "لابد من تطبيق الشريعة"، وجعل القرآن دستور البلاد. وإذا حاولت الدولة "إسكاتنا، فإننا سنستعمل أي وسيلة -والعنف أيضاً".
شقيق إبراهيم الأكبر، أحمد، الذي يبلغ 29 عاماً، يشعر بالامتعاض من غضب أخيه إذ يقول: "لقد كان إبراهيم إنساناً عاديّاً -يذهب إلى النوادي، وإلى الحفلات، ولا يقضي كل وقته في الصلاة"، مضيفاً "إنني أكثر انفتاحاً منه. وما زلت أعتقد أننا نستطيع تحقيق ذلك التوازن، أن يكون المرء غربي الثقافة وإسلاميّاً في الوقت نفسه".
وسبب لجوء إبراهيم -وهو شاب متعلم من أسرة تنتمي إلى الطبقة الوسطى- إلى السلفية ليس واضحاً بالنسبة لعائلته. ولكن ما يعرفونه هو أن إبراهيم، وعلى غرار العديد من التونسيين المتعلمين تعليماً جيداً ممن وجدوا صعوبة في إيجاد عمل خلال السنوات الأخيرة، وجد الهدف في حركة ترى أن بقية المجتمع لا تسعى إلا وراء الملذات وباتت تفتقر إلى البوصلة.
ولذلك فإن أخاه أحمد يشعر بالغضب لرؤية تعابير وجه شقيقه المتجهمة وهو يحدق إلى الأرضية خلال جداله مع والده، الذي يصف نفسه بأنه "مسلم عادٍي ومعتدل". ويقول أحمد: "الأشخاص مثل إبراهيم -إنهم جد… لا أعرف. إنهم ينغلقون على أنفسهم"، مضيفاً "أقصد، إبراهيم لا يملك ولو صورة واحدة من زفافه. إنه لا يسمح بأي صور لأنه يقول إنها مخالفة للإسلام".

مارك فيشر
تونس

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفيس»

اقرأ أيضا