تقارير

الاتحاد

الاقتصاد الأميركي والأمن القومي

تروج فكرة تقليدية في الانتخابات التمهيدية الأميركية، مفادها أن المرشح الجمهوري ''جون ماكين'' هو أفضل المرشحين وأقدرهم على مواجهة مرشحي الحزب الديمقراطي عندما يحل شهر نوفمبر المقبل· والواقع أنها فكرة أتحمس لها شخصياً، لكن مع استمرار متاعب الاقتصاد الأميركي تتقلص حظوظ ''ماكين'' في الفوز بالرئاسة وسط المتاعب المرتقبة التي ستواجهها حملته الانتخابية·
فـ''ماكين'' الودود أقر في أكثر من مناسبة، بصراحته المعهودة، بأن الاقتصاد ليس نقطة قوته، وهو الاعتراف الذي لا يمكن الجهر به إلا إذا كان المرشح واثقاً من أن إنجازاته على صعيد الأمن القومي ستغطي على سوءاته الاقتصادية· ومع أن الثقة المطلوبة لا يخلو منها خطاب ''ماكين'' السياسي ورؤيته للعالم ولنفسه، حيث أوضح منذ البداية في خطاب له أن ''التحدي الأسمى'' في وقتنا الحاضر يكمن في ''الإرهاب الإسلامي الراديكالي''، إلا أن هواجس الأمن القومي ليست بهذه البساطة·
لعل الثغرة الأولى في حزمة الحوافز التي اقترحها ''ماكين'' للنهوض بالاقتصاد ومعالجة مصاعبه، والتي درج على التشديد عليها منذ وقت طويل، هي كبح الإنفاق الفدرالي على المشاريع المدرجة ضمن المخصصات المالية للكونجرس؛ ومهما كانت الإيجابيات التي ينطوي عليها اقتراح ''ماكين'' الرامي إلى إنقاذ الاقتصاد وانتشاله من كبوته، إلا أن آثاره على أرض الواقع ستعمق حالة الركود فيما يواصل الاقتصاد تراجعه·
الواقع أن ما اقترحه ''ماكين'' ينافي مفهوم الحوافز الاقتصادية أصلاً، وهو شبيه إلى حد كبير بالدفاع عن خطة الرفع من عدد القوات الأميركية في العراق لكن من دون تسليح الجنود؛ ففي الوقت الذي تراجع فيه الإقراض بسبب الأزمة المالية للبنوك ينصح ''ماكين''، بعبثية واضحة، بالتقليص من الإنفاق، وهو ما سيغرق الاقتصاد أكثر في مستنقع الأزمة· ولعل ما يزعج الأميركيين أكثر من غيره هو أنه في الوقت الذي وصل فيه الاقتصاد الأميركي إلى القمة وحقق طيلة العقود السابقة نمواً كبيراً، صدَّرت بنوكنا وشركاتنا الكبرى قدراتنا الإنتاجية إلى الصين، كما صدَّرت الإمكانات الاستهلاكية الضخمة إلى الشرق الأوسط·
هنا يتضح الخلل في الاقتراح الذي تقدم به ''ماكين''، وباقي المرشحين الجمهوريين الذين يسعون إلى معالجة مصاعب الاقتصاد الأميركي، فعلى غرار زملائه في الحزب الجمهوري يشدد ''ماكين'' على ضرورة مساعدة الشركات الأميركية ومد يد العون لها لإعادة الاقتصاد إلى سابق عهده وتلافي ركود بات على الأبواب؛ وبالطبع لا يمكن اعتبار هذا الاقتراح بأنه خارج المألوف لو لم تكن عمليات نقل الوحدات الإنتاجية إلى الخارج التي انخرطت فيها الشركات الأميركية هي السبب الرئيسي في ورطتنا الاقتصادية· لذا فإن أي خفض للضرائب تستفيد منه الشركات، عليه أن يكون مشروطاً بتخصيص تلك الأموال لتنمية مناطق ومدن أميركية وليس المدن الصينية· ولو ركزنا اهتمامنا على إحداث مشاريع كبرى صديقة للبيئة كتلك التي ينادي بها مرشحو الحزب الديمقراطي، لأدى ذلك إلى خلق المزيد من الوظائف، بدل خفض الضرائب على الشركات الذي يشدد عليه الجمهوريون في كل وقت وحين·
والأسئلة الجوهرية، التي تجاهلها الأميركيون في الآونة الأخيرة، هي هل المرشح الذي يتبنى قضايا الأمن القومي هو ذلك الشخص الذي يريد إبقاءنا في العراق بينما نتخلف في مجالات دعم البحوث وتطوير مصادر الطاقة البديلة؟ وهل في مصلحة أمننا القومي السكوت على الشركات الأميركية التي تستثمر في الصين وترفض منح العمال الصينيين حقوقهم، علماً بأنه لو منحت الحقوق كان ذلك سيحدث شقوقاً في جدار الحزب الشيوعي الحاكم؟ والحال أنه لغاية هذه اللحظة يتعامل الأميركيون، في نقاشاتهم الوطنية، مع قوة بلادهم الاقتصادية على أنها معطى ثابت؛ لكن ما لم يدركه صقور الحزب الجمهوري في الأمن القومي، أن ''وول ستريت'' والعديد من الشركات متعددة الجنسيات التي تتخذ من الأراضي الأميركي مقراً لها قد اغتنت وأغنت معها خصوم أميركا على حسابنا، إنهم لا يستحقون لقب صقور الأمن القومي·

هارولد مايرسون
كاتب ومحلل سياسي أميركي
ينشر بترتيب خاص مع خدمة لوس أنجلوس تايمز وواشنطن بوست

اقرأ أيضا