أحمد السعداوي (أبوظبي) ارتبط راشد حجّي الكعبي، أحد أبناء مدينة العين بالخيل منذ نعومة أظفاره، كونه نشأ في بيئة تزينت بهذه الهواية العربية الأصيلة التي ورث عشقها عن الوالد الذي كان له باع طويل في عالم الخيول محتفظاً بعد منها، وحريصاً على غرسها في نفوس أبنائه، ومنهم راشد الذي لم يزل على حبه لهذه الرياضة، وعمل على تنميتها بداخله حتى أصبح الآن واحداً من فرسان الإمارات الذين يشار لهم بالبنان، وصاحب ناد للفروسية بمدينة العين يرتاده كثير من المواطنين والوافدين عشاق البيئة العربية ومفرداتها الجميلة التي تمثل الفروسية أحد أبرز ملامحها عبر الزمن. سرقة الحصان يقول الكعبي: «حين كنت في السادسة بدأت علاقتي بالخيل التي كان يحضرها الوالد من المزرعة إلى المنزل في العطلة الصيفية، ويعطينا أساسيات التعامل معها، وكيف نطعمها ونمتطيها ونعرفها في حالات الفرح والغضب، وكنت أنهض من الصباح الباكر، وأقوم بإعداد العلف وغذاء الخيل وأقضي معها بعد الوقت حتى تقترب الساعة من العاشرة، ثم أدخلها إلى مكان المبيت، إلى أن يأتي العصر، فأقوم بتنظيفها، والاطمئنان على صحتها، والأكل الذي تتناوله، وإبلاغ والدي إذا حدث أي تغيير». ويذكر أن اسطبل المغفور له بإذن الله تعالى، الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان طيب الله ثراه، كان قريباً من دارهم، والطبيب البيطري الخاص بخيول المغفور له، كان متعاوناً إلى أقصى درجة ويساعد في علاج أي إصابات، أو أمراض تتعرض لها أي من الخيول التي يمتلكها الوالد، مبيناً أنه استمر في هذا الحال، والاقتراب من الخيل، والتعرف على عالمها الجميل حتى وصل إلى المرحلة الثانوية، وتمت سرقة الحصان المتبقى من خيول الوالد من أمام المنزل، ولكن بعد يومين عُثر عليه، غير أن الشخص الذي عثر عليه، أعجب به وأصر على شرائه، وكان ذلك بنحو 8500 درهم عام 1997 تقريباً، وبعد ذلك التحقت بالجامعة، واكتفيت بممارسة هواية ركوب الخيل في أحد نوادي الفروسية بالعين. وبعد الانتهاء من المرحلة الجامعية، شارك الكعبي أحد مدربي الخيل المحترفين وهو الصديق محمد الشامسي، تأسيس اسطبل خاص للمساهمة في سباقات القدرة، وكان ذلك عام 2001، وبدأ حينها بـ »18« حصاناً، وكانت جميعاً تشارك في سباقات القدرة في الإمارات، وعديد من الدول الأخرى، منها المملكة العربية السعودية، وقطر، والأردن، وحصلت الجياد على مراكز متقدمة في كثير من تلك السباقات، ما مثل دافعاً على بذل المزيد من الجهد لتحقيق نجاحات أخرى. نادي الفروسية وفي عام 2009- 2010، تطورت فكرة الاسطبل إلى إنشاء ناد للفروسية ملحق بنادي العين للهواة، وزاد عدد الخيل إلى 50 حصاناً، واستقبال أعداد متزايدة من الفرسان الجدد والمبتدئين وتأهيلهم لسباقات القدرة، بالتالي استطعنا إفراز أبطال شاركوا، وفازوا في مسابقات كثيرة في الدولة وخارجها، وكان هذا أكبر تكريم لنا أن ننجح في مساعدة شباب الإمارات على رفع اسم دولتنا في المحافل المختلفة، خاصة المتعلقة بالهوايات والرياضات العربية. ويلفت إلى أن نجاح فكرة نادي الفروسية يرجع الفضل الأكبر فيها إلى خليفة بن ثاني النعيمي، أحد كبار عشاق الهجن والخيول في الإمارات، الذي لم يبخل بدعم مادي ومعنوي حتى صار النادي مقصداً رياضياً، وترفيهياً كبيراً في مدينة العين. ويورد الكعبي، أن اهتمامه بالخيل ناتج عن جهد الوالد، وحرصه على تأصيل قيمة الخيل في نفوس كل أفراد الأسرة، وهو ما نجح فيه إلى حد كبير حيث كان لا يرانا فترات طويلة نكون فيها داخل الاسطبل، ما كان يجعله يشعر بالقلق علينا أقصد أبناءه، ولكن بعد نجاحي أنا وأشقائي في عالم الخيل، كان هذا دافعاً له لتشجيعنا على تقديم مزيد من الوقت والجهد لتعزيز هذه الهواية في نفوس الأجيال الجديدة من أبناء الإمارات، لافتاً إلى أنه يبقى مع الخيل يوميا من 4 إلى 5 ساعات يقوم فيها بتدريب المبتدئين، ويتابع الخيول، ويشرف عليها. وعن الصعوبات التي يواجهها المبتدئون في عالم الفروسية، يوضح، أن أهم ما يواجهه المبتدئ هو الشعور بالمجهود إذا لم يكن يتمتع بلياقة بدنية طيبة، ولكن بعد فترة قصيرة لا تتجاوز أسبوعين، أو ثلاثة تكون النتائج جيدة، خاصة إذا كان حاضراً مع الخيل بكل تركيزه، ومستمعاً لتعليمات المدرب وتوجيهاته. ومن الأمور الطريفة في هذا المقام، يذكر الكعبي أن كثيراً من أولياء الأمور يحضرون أبناءهم حتى تكون ممارستهم الفروسية دافعاً لهم على النجاح والتفوق الدراسي كون هذه الهواية تنشط الذهن والبدن، وساحة محمودة لإخراج طاقات الشباب والطلاب، وهي حقيقة أثبتها الواقع من خلال خبرة كثير من أولياء الأمور. سلالات الخيول إلى ذلك، يتحدث عاشق الخيل عن أفضل سلالاتها، مبيناً أنها تنقسم إلى سلالات عربية أصيلة، ومهجنة أصيلة. العربية الأصيلة تضم أنواعاً عدة، منها سلالات خاصة بالجمال، سلالات خاصة بالسرعة، سلالات خاصة بالمسافات الطويلة (القدرة) التي يصل طول بعضها إلى 160 كيلو متراً يقطعها الحصان في فترة من 6 إلى 7 ساعات يتخللها فترات راحة. أما الخيول المهجنة الأصيلة، وتسمى «سلالات الثربريد»، هي خيول انجليزية بها دماء عربية بنسبة 10 إلى 15 في المائة، وتستخدم فقط في سباقات السرعة. ومن المواقف الغريبة في عالم الخيول التي يذكرها: ذات يوم عدت إلى المنزل ليلاً، ونمت ناسياً أن أطعم أحد الأحصنة الموجودة لدي، وقمت فجرا وتذكرت ذلك، وذهبت بالعلف إليه، رأيت الحصان غاضبا بشدة، ومتخذاً وضعية عدائية، وبالفعل جرى ورائي، وحاول مهاجمتي، فسارعت بإلقاء ما في يدي من طعام، وجريت من أمامه، وحين ذهبت إليه بعدها بساعات عدة وجدته نسي الأمر، وتعاملت معه بشكل طبيعي، غير أن ذلك كان جرس إنذار لي أن لا أنسى أبداً موعد طعام أي من الخيول الموجودة لدي، سواء في البيت، أو الاسطبل أو النادي». وحول ما استفاده من السنوات الطويلة التي قضاها في دنيا الخيول، قال الكعبي، إن هناك أشياء كثيرة اكتسبها من دخول هذا العالم الثري بالمواقف والأحداث والتجارب، غير أن أبرزها هو الهدوء والتوازن النفسي كون تدريب الخيل يحتاج صبراً وفترات طويلة ، كما تعلم الرفق بالحيوان وفهم الكثير من سلوكياته والقدرة على تفسيرها، وهذا نتيجة طبيعية لفترات زمنية طويلة تعامل فيها مع هذه الكائنات الجميلة. إضاءة بعض أولياء الأمور يكون لديهم أبناء ذوو إعاقات خفيفة، يأتون بهم إلى النادي، ونعطيهم نبذة بسيطة عن عالم الخيل وركوبها، ونجعلهم يخوضون هذه التجربة الممتعة بصحبة مشرفين متخصصين. درس العمر من المواقف المليئة بالأحاسيس التي عايشها راشد حجّي الكعبي في عالم الخيول، أن أخيه قام بإهداء مهرة صغيرة لأحد الأصدقاء، وفي اليوم نفسه بدأت الدموع تنهمر من عين الأم، ودخلت في نوبة حزن استمرت يومين، وماتت بعدها بشكل مفاجئ للجميع، فكان هذا درس العمر لنا ألا نبعد أي حصان صغير لم يتجاوز 6 أشهر عن أمه أبداً مهما كانت الأسباب.