الاتحاد

تقارير

انتخابات 2009 في السودان··· فرصة للسلام الموعود

انتخابات 2009 في السودان··· فرصة للسلام الموعود

انتخابات 2009 في السودان··· فرصة للسلام الموعود

لقد أصابت منظمة ''هيومان رايتس ووتش'' في وصفها لتعيين الحكومة السودانية لأحد قادة مليشيا الجنجويد سيئة الصيت، في منصب حكومي قيادي، بأنه بمثابة صدمة مذهلة لضحايا جرائم العنف في إقليم دارفور· لكن وعلى رغم ردة الفعل هذه من قبل المنظمة المذكورة، إلا أنه ليس في هذا السلوك ما يثير الدهشة أو العجب، فمن بين أعضاء حكومة الخرطوم وزير دولة للشؤون الإنسانية، وهو أحد اثنين فحسب من الذين وجهت إليهم اتهامات من قبل محكمة الجزاء الدولية، لها صلة بالجرائم المرتكبة في إقليم دارفور·
هكذا تشير جميع المؤشرات إلى استخفاف مستفز بما يجري في دارفور وبالإرادة الدولية معاً، والدليل هو ترسانة العراقيل المعيقة لمهمة حفظ السلام الدولية التابعة للأمم المتحدة هناك، مع العلم أنها مهمة لا تزال تفتقر إلى القوة البشرية اللازمة، وإلى المؤن والإمدادات، إضافة إلى نقص حيلتها ووسائل تنفيذ مهمتها· وقد أصاب تحالف عدد من المنظمات غير الحكومية في وصفها خلال الشهر الماضي، بأنها مهمة قصد لها أن تفشل أصلاً·
من جانبها كان رد فعل واشنطن وحلفائها في دارفور على تلك العراقيل، بإثارة الشكوى وتأكيد الالتزام المستمر إزاء مهمة حفظ السلام الدولية في الإقليم، وعلى رغم حسن النوايا التي يصدر عنها هذا السلوك، إلا أنها لم تغير في واقع الحال شيئاً، وفي الوقت الذي تضاءل فيه اهتمام واشنطن بهذه المهمة الدولية، وانصرفت فيه أنظارها بعض الشيء عن الإقليم، بسبب انشغالها بعدة قضايا ونزاعات أخرى في أنحاء متفرقة من العالم، فقد تواصلت عرقلة عمل هذه المهمة، مما يعني تبديد أكبر فرصة لإبرام صفقة سلام دائم في الإقليم· لكن وعلى إثر اكتمال إجراءات ومراسم تعيين ''ريتش ويليامسون'' -مندوباً أميركياً خاصاً جديداً للسودان- ففي اعتقادنا أن هذا هو الوقت المناسب، لأن تراجع واشنطن مجمل سياساتها إزاء السودان، بحيث لا ينحصر اهتمامها به على مهمة قوة حفظ السلام الدولية في دارفور وحدها·
وكما يشير هذا الاستفزاز الأخير، بتعيين ''موسى هلال'' -قائد الجنجويد المذكور في منصب قيادي حكومي- فإن حل مشكلة دارفور لم يعد ممكناً عبر مهام حفظ السلام هذه، والسبب الذي يدعونا إلى هذا الاعتقاد، هو أن جذور المشكلة ليست نابعة من تظلمات أو صراعات عرقية محلية في الإقليم نفسه -على رغم ما لهما من أهمية في تأجيج نيران النزاع- وإنما بسبب الدور الذي تلعبه فيه الحكومة المركزية· وعلى رغم ما لمهمة حفظ السلام الدولية من دور لا يمكن الانتقاص من أهميته في مجال التحسين الفوري للوضع الأمني في الإقليم، وهو أشد ما تحتاجه دارفور الآن، إلا أن المؤكد أن إحلال السلام الدائم في دارفور، بل وفي السودان كله، لن يتأتى إلا حين تجعل حكومة الخرطوم منه هدفاً رئيسياً لها؛ وهذا ما دعا أحد كبار مسؤولي الأمم المتحدة هناك، إلى القول غير العلني، إن مشكلة دارفور ستحل مباشرة ما إن يبتعد الحزب الحاكم عن السلطة·
وعلى الرغم من أن الحديث عن ''تغيير النظام'' في الكثير من الدول التي يسودها سوء الحكم، ليس سوى أضغاث أحلام، إلا أن الخرطوم تختلف في الوقت الراهن عن كثير من هذه الدول، بحكم توفر فرصة مواتية فيها لإحداث تغيير من هذا النوع، ليس عبر التدخل الأجنبي ولا الدبابات الغازية، وإنما عبر صناديق الاقتراع والممارسة الديمقراطية؛ فوفقاً لنصوص اتفاقية السلام المبرمة عام 2005 بين طرفي الحكم في السودان -المؤتمر الوطني والجيش الشعبي لتحرير السودان- فإن على حكومة الخرطوم، إجراء انتخابات عامة في يوليو من عام ·2009 كما تنص صفقة السلام هذه، المعروفة باسم ''اتفاقية السلام الشامل'' على إجراء استفتاء شعبي عام في الجنوب، بشأن تقرير مصيره بحلول عام 2011؛ وعليه فإن انتخابات العام المقبل تعد فرصة أخيرة لتفادي ما يمكن أن يكون بمثابة استفتاء شعبي على انفصال الجنوب في واقع الأمر؛ والسبيل الوحيد لتفادي مصير كهذا، هو أن يثبت للجنوبيين من خلال الممارسة الديمقراطية العملية، أنه يحق لهم التنافس الحر النزيه مع أقرانهم في الشمال، على مناصب السلطة القومية، في ظل سودان موحد وديمقراطي·
هذا ما يجب أن تنصبّ عليه أنظار العالم واهتمامه، وفي مقدمته الولايات المتحدة الأميركية، بالنظر إلى تراث الخرطوم في الحنث بالوعود والتراجع عن الالتزامات والتحايل عليها بشتى الطرق· لكن ومع ما نرى من انصباب الاهتمام العالمي كله على مهمة حفظ السلام الدولية في إقليم دارفور، فإن مثل هذه الاستفزازات الصادرة عن الخرطوم، لم تقابل بما يلزم من مواقف واحتجاجات دولية قوية عليها، وللتدليل على مدى هذا الضعف العالمي، نذكر أن البيت الأبيض قد أصدر بياناً في مطلع هذا الشهر، بمناسبة حلول الذكرى الثالثة لإبرام اتفاقية السلام الشامل في السودان، تألف من فقرتين فحسب، أكد في إحداهما التزام الولايات المتحدة إزاء مهمة حفظ السلام الدارفوري·
والواجب -كما سبق القول- هو أن تتجه الأنظار الدبلوماسية كلها إلى فرصة انتخابات العام المقبل في السودان، كي لا تهدر أو تتحول إلى أمل آخر من الآمال المهزومة، وهذا ما يجب أن تضع عينها عليه واشنطن، إن كانت ملتزمة حقاً بإحلال السلام الدائم في السودان·

ناتانيل مايرز
كاتب ومحلل سياسي أميركي، عاد لتوه من زيارة للسودان
ينشر بترتيب خاص مع خدمة كريستيان ساينس مونيتور

اقرأ أيضا