الاتحاد

دنيا

العلماء: الإسلام منهج متكامل والعيب في الفهم والتطبيق

منذ فترة طويلة والكثير من العلماء ينادون بتطبيق النظرية الإسلامية في شتى نواحي الحياة باعتبارها المنفذ الوحيد لبناء مجتمعات إسلامية متطورة وناهضة والإسلام لديه مبادئ وأسس تصلح في حال تطبيقها لبناء المجتمع الفاضل المنشود. وبعد وصول تيار الإسلام السياسي إلى قمة هرم السلطة في بعض الدول، تخيل البعض أن تنفيذ المشروع أصبح قاب قوسين أو أدنى، ولكن الأحداث كشفت عن فشل من يطلق عليهم الإسلاميين في بناء الدولة المنشودة، وهو ما يطرح السؤال لماذا فشل المشروع، وهل الأزمة في المؤهلين لوضع تلك الأسس وتفسير نصوص الإسلام تفسيراً صحيحاً؟

حسام محمد (القاهرة) - حول رؤية الإسلام في بناء المجتمعات، قال وزير الأوقاف المصري الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء الدكتور الأحمدي أبو النور، إن الإسلام قدم رؤية متكاملة لبناء مجتمع قوي اقتصادياً ومتماسك اجتماعياً، لكن المشكلة أن بعض المتحدثين باسم الإسلام تسببوا بتشددهم أو تساهلهم في وضع الرؤية الإسلامية في امتحان صعب بين الإسلام الشامل لكل جوانب الحياة ومدى الفهم والاستيعاب للإسلام وأصبح أحد التيارات يردد أن المشروع الإسلامي فشل رغم أن المشروع الإسلامي موجود، لكنه لم يجد من ينفذونه بحق، أما ما يتم تنفيذه على أرض الواقع فهو تفسير خاطئ لآليات ومفاهيم المشروع.
ويرى مفتي مصر الأسبق وعضو هيئة كبار العلماء، الدكتور نصر فريد واصل أن أصحاب التجربة الإسلامية في امتحان أكثر صعوبة اليوم لأنهم مطالبون بتقديم نموذج حي للإسلام يقنع الجميع بمدى قدرة هذا الدين على إعطاء نموذج إنساني مشرف يستمد شرعيته من تشريعات السماء.
أصول الفقه
وقال: إن تطبيق النظرية الإسلامية يعني وجود مشروع متكامل يسعى لمعايشة الناس في مشاكلهم المتجددة وفق فقه الكتاب والسنة واستيعاب أصول الفقه ومعرفة أحكام الشريعة، ثم محاولة فهم الحياة ومشاكل الناس بالمواءمة بين الحكم الشرعي وواقع الحياة، وقضية تجديد الفقه لها مفهوم أساسي لإعادة الناس إلى حقائق الدين واستنهاض واقع الأفراد والأمم ليكون ملائماً لمنهج الله، فليس التجديد اختراع أحكام أو انفلاتاً من القيم، إنما التجديد الحقيقي بالعودة إلى منابع الشريعة الإسلامية، ولهذا السبب وجد فقه استقراء الواقع أثناء الاجتهاد لمراعاة مقتضى الحال وفق الضوابط الشرعية، وقد راعى الصحابة رضوان الله عليهم مقتضى الحال في اجتهادهم، فعلى سبيل المثال أخذ معاذ بن جبل رضي الله عنه الثياب من أهل المدينة بدلاً من زكاة الحبوب والثمار، فقال ائتوني بخمس لبيس آخذه منكم مكان الصدقة، فإنه أهون عليكم وخير للمهاجرين بالمدينة، حيث اشتهروا بصناعة الثياب، وكان المهاجرون في حاجة إليها، ومن أروع الأمثلة في استقراء الواقع لمراعاة مقتضى الحال ما قام به سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه حينما جعل الجندية لا تزيد على 6 أشهر، وذلك عندما سمع امرأة تشكو غياب زوجها الذي طال في الجهاد، فتقول:
تطاول هذا الليل واسود جانبه
فأرقني ألا خليل ألاعبه

فسأل عمر ابنته حفصة كم أكثر ما تصبر المرأة عن زوجها، فقالت ستة أشهر أو أربعة أشهر، فقال لا أحبس أحداً في الجهاد أكثر من ذلك واجتهادات الصحابة هذه خضعت لقواعد وأصول الفقه والاجتهاد بمراعاة أن درء المفاسد مقدم على جلب المصالح ولا ضرر ولا ضرار وسد الذرائع، فالدين ليس قيداً كما يتوهم البعض يمنع الناس من حرياتهم، بل هو إخراج لهم من الظلمات إلى النور فهو يراعي حال السائل ويجيب عن سؤاله بما يتناسب مع حاله.
النظرية والتطبيق
ويرى عضو مجمع البحوث الإسلامية بالأزهر الدكتور الشحات الجندي، أن الشريعة الإسلامية هي ما جاء به الوحي من الخالق العظيم وهو القرآن الكريم مقروناً بالسنة النبوية المطهرة المتكاملة مع التشريع القرآني، وتطبيقنا لهذه النظرية لا بد أن يكون مقتبسا من التطبيق الذي أرساه رسولنا الكريم الذي جاء مثالياً من حيث التناغم بين النظرية والتطبيق، فكلاهما وحي والرسول الكريم لا ينطق عن الهوى إن هو إلا وحي يوحى، وهنا يمكن الإشارة إلى أن النظرية والتطبيق وقت الرسول صلى الله عليه وسلم مصدرهما واحد فلا فرق ولا تباين مما أحالهما إلى نظرية واحدة، ثم جاءت فترة الخلفاء الراشدين، حيث كانت أشكال التطبيق المتصلة تستقي وجهتها من القرآن والسنة باعتبارهما من مصدر واحد وهنا نشير إلى تشريعات سنها الخلفاء رضوان الله عليهم قد يبدو وكأنها تختلف عن سابقتها إلا أنها في سياقها أخذت بعين الاعتبار الوقائع اللازمة من حيث لا تناقض بين التشريعات الجديدة والقرآن والسنة وهي إشارة واحدة إلى ضرورة التحديث في إطار الكتاب والسنة.
النموذج الإسلامي
ويستطرد: أن المشكلة القائمة حالياً في معظم المجتمعات الإسلامية أن الساعين لتطبيق النموذج الإسلامي منهم متشددون ويرفضون أي تجديد في الفقه الإسلامي، وهناك جهل المسلمين عموماً بحقيقة الإسلام لبعدهم الطويل عن معايشة الإسلام الحقيقي، الذي يظهر من خلال التطبيق الصحيح والنقي، المتمثل بالدولة الإسلامية مما جعل صورة الإسلام النقية الصحيحة باهتة في أدمغة المسلمين وجعل لديهم نوعاً من الإحساس باستحالة رجوع الإسلام إلى معترك الحياة.
ويرى وكيل وزارة الأوقاف المصرية السابق الدكتور سالم عبدالجليل أن الإسلام نظرية تحتاج إلى تطبيق.. فالله سبحانه وتعالى لم يرسل للناس هذا الدين آيات قرآنية ومواعظ إلهية مكتوبة على الورق. بل أرسل معه أيضاً النموذج البشري لهذه النظرية، ألا وهو الرسول الأكرم - صلى الله عليه وآله وسلم - بمعنى أن الله أرسل للناس النظرية مع النموذج التطبيقي المثالي لها، لكي لا تكون نظرية خيالية مجردة ويبقى الإسلام - اليوم - متمثلاً ومجسداً في المسلمين فهم يمثلون النموذج التطبيقي لهذه النظرية، لكي يكونوا امتداداً للنموذج التطبيقي الأول وهو الرسول وصحابته الكرام.
ويقول إن مهمة المسلمين اليوم على جانبين الأول: الدعوة إلى الإسلام بين مختلف طبقات المجتمع والثاني: التطبيق العملي للنظرية الإسلامية، ليكونوا بذلك قدوة لغيرهم يجسدوا - قدر الإمكان - هذا الدين على أرض الواقع والتطبيق الصحيح للجانب الثاني قد يغني عن الجانب الأول، فمجرد التطبيق الصحيح للإسلام - حتى من بدون الدعوة إليه بألسنتنا - يكفي في إعطاء النموذج المشرق لهذا الدين.

اقرأ أيضا