الاتحاد

دنيا

الطريق إلى الموت

أحمد محمد (القاهرة) - تشاجر «ناصر» مع صديقه أثناء اللعب في مقهى الأنترنت وكان الخلاف لسبب تافه، فقد انتهت بينهما المباراة وتبادلا المزاح كل منهما يهون من قدر الآخر في اللعب وإمكاناته لتظهر الحقيقة أن صداقتهما وهمية واهية بالقدر الذي لا يحتمل أي منهما كلمة من الثاني، وعندما أمسكا بتلابيب بعضهما أخرج المطواة التي اعتاد الاحتفاظ بها في جيبه باستمرار في السنوات الأخيرة وأصابه بجروح لم تكن خطيرة، لكنها تسببت في نزيف وتدخل الحاضرون وتمكنوا من فض الاشتباك واحتواء الموقف، لكن لم يمر على خير وألقي القبض عليه وقضت المحكمة بحبسه سنة.
كان السجن عالماً جديداً وغريباً يختلف تماماً عن الدنيا الفسيحة، وهناك كل شيء بمواعيد وأوامر صارمة، لا راحة في نوم، ولا يقظة وكل حركة وسكنة محسوبة ولا اختيار في شيء، الحرية مقيدة والوقت في الظلام داخل الزنزانة أكثر مما هو في النور وشاهد أشخاصاً كلهم تجمعهم صفة الإجرام وجميعهم مذنبون، وصحيح أن بعضهم ارتكب جريمته بالصدفة أو في لحظة طيش وفقدان للعقل، ولكن هناك عتاة في الإجرام ارتكبوا كل أنواع الجرائم من قتل وسرقة ونصب واحتيال واتجار في المخدرات عن عمد، وسمع قصصاً عجيبة منها ما يشيب منه الولدان، كلهم يحسدونه؛ لأنه الوحيد الذي جاء بأخف عقوبة، أحدهم كان يتندر عليه عندما رآه مهموماً بأنه يستطيع أن يقضي السنة المحكوم عليه بها واقفاً على رجل واحدة وكثيرون أيضاً لا أمل عندهم في العودة إلى الحرية مرة أخرى، فالأحكام عليهم لمدد أطول من عمر الإنسان وهؤلاء ربما يكونون أحسن حالاً من الذين قضي عليهم بالإعدام وينتظرون التنفيذ والموت في أي لحظة.
كل ذلك لم يهون عليه ما هو فيه، لكنه تعلم القسوة من التعامل معهم وأصبح مثلهم لا يهتم بغيره وكل واحد هناك يقول نفسي ومن بعدي الطوفان ولم يسمع كلمة ندم من أي منهم، بل رآهم يتباهون ويتفاخرون بما اقترفت أيديهم وحولوا ما فعلوه إلى إنجازات وأحياناً يبالغون فيها وهم يعيدون روايتها، واستقى منهم كل ذلك، وعلموه أن الحياة سواء داخل السجن أو خارجه يحكمهما منطق القوة وأن البقاء للأقوى وإن لم تكن ذئباً أكلتك الذئاب، وتشرب كل هذه المفاهيم والأفكار وأصبح مشحوناً بها حتى أنه لا مانع من أن يتباهى بفعلته الصغيرة بينهم ويهول في وصفها.
مرَّت الأيام بطولها وعرضها وخرج إلى الحرية غير نادم على ما حدث، ولا ما لقي خلال السنة الكبيسة الطويلة التي هي الأطول على الإطلاق في عمره كله، وهو قد تجاوز العشرين بقليل، واستغل هذا الحدث ليثير الرعب في نفوس الناس ويهدد ويتوعد لأقل سبب، وخاصة أنه وجد فيهم خوفاً منه وابتعاداً عنه وتعلم الدرس الخطأ الذي علمه له النزلاء بضرورة أن يكون قوياً مخيفاً، وها هو اليوم يكتشف سر اختفاء أخيه وأن أمه قد أعطته معلومات خاطئة عنه عندما عللت سبب غيابه بأنه سافر للعمل في الخارج ولا تعرف إلى أين، بينما الحقيقة أنه قتل وأن قاتله لم يقدم للمحاكمة لعدم كفاية الأدلة ويمرح حراً طليقاً، بينما يرى ناصر أنه تم حبسه سنة كاملة لمجرد جرح بسيط لم يمكث صاحبه إلا لحظات بالمستشفى وخرج على الفور، بينما القاتل الذي أزهق نفساً لم يحبس ولو ليوم.
لم يكن مضى على خروجه من السجن سوى أسبوعين فقط وأعلن الحرب على قاتل أخيه وتربص به وقتله ليتم القبض عليه للمرة الثانية وتتم المحاكمة سريعاً وتقضي المحكمة بمعاقبته بالسجن لمدة عشر سنوات، ويعود إلى محبسه ونفس «الجناح» الذي كان فيه وما زالت آثاره باقية على كل شيء داخل الزنزانة، الوجوه هي نفسها لم تتغير يعرفونه ويعرفهم واحداً واحداً، وكذلك يحفظ عنهم جرائمهم، فالحديث بينهم في هذا الوقت الذي لا يمر يتطرق إلى كل شيء وأدق التفاصيل في الحياة والغريب أنهم استقبلوه بالترحاب والتهليل وأقاموا له حفل استقبال على طريقتهم، ولو كان الأمر بأيديهم لأحضروا الدفوف والطبول وزينوا المكان بالورود وقد اعتادوا تلك الاستقبالات ولا يراعون الحالة النفسية لمن جاء إليهم كسيراً وفي حالة سيئة لا يحسد عليها.
مدة العقوبة هذه المرة عشرة أضعاف المرة السابقة يعني يجب عليه أن ينسى وألا يفكر في مسألة الخروج الآن فهي سنون وشهور كثيرة وأسابيع وأيام أكثر، وقد كان في الماضي يحسب بالساعة والدقيقة، لكن تلك الحسابات لا تنفع ينظر في الأفق، فلا يجد بادرة أمل ولا طاقة نور في نهاية النفق المظلم ولا مفر من النسيان وعليه أن يتأقلم مع الوضع الجديد والتعامل مثل بقية النزلاء وإلا مات كمداً، المهم أن يبحث له عن موقف زعامة وقوة كي يعيش بينهم وافتعل المشاجرات ووقعت عليه الجزاءات ويتم حبسه في زنزانات انفرادية حتى أصبح من أصحاب السطوة والسيطرة والكلمة المسموعة.
لم يجد «ناصر» من يزوره في السجن إلا أمه العجوز التي تتكبد عناء السفر والترحال وهي في ظروف مادية وصحية صعبة وأشفق عليها وطلب منها أن تستريح، لكن قلب الأم لا يطاوعها فتأتي إليه مرة كل عدة أشهر، بينما الآخرون يجدون من يزورهم كل عدة أسابيع وعلى الأكثر كل شهر يحضرون إليهم محملين بالأطعمة والمشروبات التي يحبونها والأهم الحالة النفسية، فكان كل ذلك يؤثر فيه وبينه وبين نفسه يبدي كل الندم على ما آلت إليه أحواله ويتمنى لو عادت به الأيام ليستقيم.
اقتربت الأيام الصعبة من الانتهاء وهو يعاهد نفسه على أن يسير على الصراط المستقيم وكفى ما ضاع من عمره وراء القضبان وقد تخطى الثلاثين ولم يتزوج بعد، لذلك فور خروجه قرر أن يرتحل من المنطقة التي يقيم فيها ويتركها نهائياً كي ينسى الماضي ويتخلص منه إلى الأبد ويبدأ حياة جديدة، واصطحب أمه إلى مدينة صغيرة واستأجر مسكناً، لكن المشكلة التي لم يتوقعها أنه لم يجد عملاً يعيش منه وإذا وجد فإنه يتم طرده منه بسرعة عندما يعرف صاحب العمل أنه «خريج» سجون، وعانى كثيراً وسخط على المجتمع وعلى كل من فيه بسبب قسوتهم عليه وعدم مراعاتهم لظروفه.
تحمل كثيراً وهو يتنقل هنا وهناك وأعياه الترحال بين الأعمال وهو يفكر في الزواج، لكنه بين نارين فلا يملك مالا ليتزوج ولا يجد من ترتضيه زوجاً وهو بتلك المواصفات، ومع ذلك وجد امرأة أرملة ولديها طفلان مات زوجها في حادث وتعمل بائعة ورد في الشارع، ارتضت به لتجد رجلاً تحتمي به ويساعدها في تربية ولديها، وهو وجدها الوحيدة المناسبة مع أنها ليست مغرية، وبأقل تكلفة تم الزواج وأصبحت الأسرة تضم أربعة أشخاص وكبرت قليلاً بعد ذلك عندما رزق بطفلين هو الآخر، لكن هذا العدد الكثير له مطالبه واحتياجاته وهو ما زال عند نفس الظروف التي لم تتحسن واضطر للموافقة على عودة زوجته إلى عملها في بيع الورود لمساعدته.
لاحظ «ناصر» تغيراً في زوجته، فهي تحاول ألا تعمل في هذه المهنة وتحاول أن تبحث عن غيرها، وارتضت أن تعمل خادمة في البيوت أفضل لها من هذا العمل، لكنه رفض هذه المهنة ولم يقبل أن تذهب إلى المنازل، لكن في النهاية أصرت على ترك العمل مما جعله يلح عليها في معرفة السبب، وهي تحاول أن تخفيه عنه؛ لأنها تعلم أنه النتيجة ستكون سيئة على الجميع ووضع العقدة في المنشار وهددها بالطلاق إذا لم تخبره، فاضطرت أن تقول له إنها تتعرَّض للمعاكسات والمضايقات من الباعة الآخرين خاصة أن أحدهم يتتبعها في كل مكان تذهب إليه.
لم يكن أمامه اختيار غير أن يعرف هذا الذي يتعرض لزوجته ولم يكن هناك مجال للعتاب وتوجه إليه وقتله واستولى على الأموال التي كانت معه، وأفاق بعد الجريمة على النتيجة التي يعرفها تماماً، وها هو قد اصبح خبيراً في «السجون» المشاكل تجمعت على رأسه وهو يترك وراءه أمه العجوز وزوجته وابنيها وابنيه، لقد كان الأمر في الماضي أخف كثيراً من الآن وأيضاً كان الحكم على غير ما توقع، فقد قضت الحكمة بأقصى عقوبة وهي الإعدام شنقاً، وقالت إن المتهم أصبح مثل الجراثيم ينشر الوباء في المجتمع ولا أمل في إصلاحه فهو يخرج من السجن ليعود إليه في جريمة أكبر.
وانتهت رحلة الإجرام بالإعدام، وعاد ناصر إلى السجن لا ليعد الأيام الباقية ليخرج إلى الحرية، وإنما ينتظر هل تعاد محاكمته ويتم تخفيف الحكم أم أنه يفاجأ بمن يقوده إلى «المشنقة».

اقرأ أيضا