الاتحاد

دنيا

ضحية الغرور والغباء

نورا محمد (القاهرة) - من الصعب أن يعترف الإنسان بما يكنه في نفسه من أسرار عميقة إذ أنه يحاول أن يخفيها ولا يستطيع أن يجهر بها، بل يسعى دائماً إلى عدم إظهارها والاستمرار في الحفاظ على سريتها إما أنه لا يريد لأحد أن يطلع عليها أو لأنه يخجل من البوح بها، وإما أنه لا يجد من يسر بها إليه، وأنا يجتمع كل هذا عندي وإن كنت قادرة على أن أخفي الحقيقة عن الناس، فلا يمكن أن أخفيها عن نفسي.
أصابني الغرور مبكراً ومنذ الطفولة وأنا أسمع كلمات الإطراء على جمالي، فالذين حولي جميعاً من الأقارب والأغراب هم السبب في ذلك، علموني لغة العيون التي يمكن أن تعبر عن ذلك بلا كلام وأصبحت أفهمها وأعيها جيداً وجعلوني أشعر بأنني أجمل واحدة في الدنيا وزرعوا في داخلي الأحلام والأمنيات التي تفوق ظروفي وظروف أسرتي الفقيرة وطموحاتي كانت فوق السحاب وأرى أن لديَّ إمكانات تستحق ذلك رغم أنني تركت الدراسة مضطرة عند المرحلة الإعدادية لأن أبي لم يكن قادراً على نفقات الدراسة لي ولأخوتي وأخواتي، فتوقفت البنات عن الدراسة واستمر الأولاد باعتبار أن الفتاة مصيرها إلى الزواج وستجد من يتحمل مسؤوليتها، بينما الولد هو الذي يجب أن يتعلم لأنه سيتحمل مسؤولية أسرته.
ازداد غروري أكثر بعدما تناهى إلى مسامعي أن الكثير من الشباب يتقاتلون في الحديث عني أيهم يستطيع أن يفوز بالزواج مني، وقد شعرت بميل إلى واحد في مثل عمري، لكن لم نتحدث في مسألة الزواج لأننا نعرف أننا ما زلنا صغيرين، وهو ما زال تلميذاً وانقطعت اللقاءات بيننا لأن هذا ليس متاحاً، وكنت أنتظر إلى أن يأتي اليوم الذي يتمكن فيه من التقدم لأبي ليطلب يدي، لكن مع هذا كنت في غمرة السعادة، وأنا أجدني محور الحديث، وأنني ملكة جمال متوجة وأرى الغيرة الواضحة في عيون البنات من حولي، وهذا أيضاً يجعلني أتيه وأفتخر سراً وعلانية وأفصحت عن رغبتي في مواصفات الرجل الذي يمكن أن يتقدم لي وأضع الشروط التي أراها عادية وطبيعية، بينما يراها الآخرون تعجيزية ومبالغاً فيها وربما أصبح عانساً ولا أتزوج لأنني لن أجد من يقبل بذلك.
كنت واهمة بأنني قادرة على اتخاذ القرار وأن الأمر بيدي أقبل أو أرفض ومن حقي أن أختار شريك حياتي كما يحلو لي، وبما يتناسب مع أميرة مثلي تفوق نجمات السينما لا ينقصها إلا بعض المكياج والمساحيق والملابس لأتفوق عليهن جميعاً، بل ربما من غير ذلك أراني أكثر جمالاً وجاذبية من الفاتنات منهن، لكن عندما جاء أول رجل يطرق باب أبي ليخطبني حضر بلا مقدمات ودخل البيت من بابه مباشرة يكبرني بخمسة عشرة عاماً، فأنا في العشرين، بينما هو تخطى الخامسة والثلاثين حصل على موافقة أسرتي في نفس اليوم وتم الاتفاق على التفاصيل بسرعة البرق.
شعرت بانكسار وتحطمت كل أحلامي وأمنياتي ولا أستطيع أن أرفض واكتشفت ضعفي وقلة حيلتي، فأبي يريد أن يتخلَّص منا نحن الفتيات ليتخفف من المصاريف التي تثقل كاهله وأمي - حسب تعبيرها - تريد أن ترانا في بيوت الستر مع أزواجنا وأصابتني الكآبة والبؤس، فلن أكون أحسن حالاً في بيت زوجي .. أفيق الآن من الخيال على الواقع المرير المؤلم ولا أتقبله ولا أستطيع التخلص منه حتى هؤلاء الذين يتغنون بجمالي ما زالوا بعيدين واكتفوا بالكلام ولم يتقدم أي منهم ليطلب يدي، فكلهم من ذوي الأيدي القصيرة والألسنة الطويلة.
وجدتني وصلت إلى نهاية العالم وأنا في بيت زوج لا أطيقه ولم أختره ولم أوافق عليه، أعلنت التحدي من أول يوم ولن أستسلم لهذا الوضع والطغيان حتى وإن لم يكن أمامي بديل ولا بد من المواجهة ولن أقبل الأمر الواقع الذي فرضوه عليَّ ولديّ أسلحة حان وقت استخدامها حتى لو كان بعضها مباحاً وأكثرها محرماً وممنوعاً ومحظوراً ليس لديَّ ما أبكي عليه ولا ما أخسره أكثر من ذلك وإن كانت أسلحته المضادة قوية، لكنها لم تردعني فبكل أمانة وهذا هو مربط الفرس كان الرجل نعم الزوج وأحبني وأكرمني ويعاملني بكل احترام ويلبي كل مطالبي حتى المبالغ فيه منها وما يفوق إمكاناته ويفيض عطاء وحناناً وهنا كانت العقدة، كنت أريد أن أتخلص منه وألقيت الكرة في ملعبه ليتخذ الخطوة التي أتمناها وأريدها وأخطط لها بأن يطلقني.
استجمعت مكر كل النساء وكيدهن العظيم وشوهت صورته أمام الناس وأمام أسرتي بالباطل واختلقت فيه عيوباً هو منها براء ووصفته بكل نعوت النقيصة والبخل افتراء، ولم أترك عيباً إلا ألصقته به وهو يعلم كل ذلك ولا أتوقف عن الشكوى لكل قريب وغريب وأموت غيظاً، وهو يتحمل ويسكت وإن تكلم فبعتاب رقيق لا يقابله مني إلا الصراخ والعويل وعادت لي السعادة المفقودة وأنا أحقق هدفي والناس يصدقون ما أقول وأسرتي تتعاطف معي ويرون أنهم ظلموني بتلك الزيجة حتى عندما أنجبت طفلين واحداً تلو الآخر لم ينظر أحد إلى أنهما سيكونان ضحية للطلاق الذي أنشده وأريده، وأنا نفسي لم أضع ذلك في الحسبان ولا أقيم له وزناً، فقط أفكر في نفسي والغرور ما زال يملأ كياني كله.
حاول الزوج الكريم أن يثنيني عن قراري وأن يصلح من أسلوبي وأنا تأخذني العزة بالإثم ويزيدني ضعفه تمادياً وأتوهم أنني أحقق الانتصار وأشعر بسعادة وهو يستسلم ويتوسل ويزيدني إصراراً الكلام الذي ما زال مستمراً عن جمالي وأحدهم يصفني بأنني فاتنة ويستنكر كيف أتزوج شخصاً مثل هذا، ويرى أنني أستحق أن أكون ملكة أسير فوق الحرير ولم أع الدرس بأن هذا كله مجرد كلام في الهواء لا قيمة له ولا يرقى إلى الواقع ولا يمت للحقيقة بصلة.
خمس سنوات كاملة مضت لم أكلّ ولم أملّ خلالها ولم أفوت فرصة أو لحظة إلا وجعلتها نكداً وجحيماً وأتحجج بأي كلمة يتفوه بها لأصب جام غضبي عليه، تخيلوا حتى لو ألقى عليّ تحية في الصباح أو المساء، فإنني أستنكر منه ذلك وأرده على وجهه بالتكشيرة المصطنعة التي لا تفارق وجهي، حتى أصبحت من سماتي واعتدتها بعد أن كنت استدعيها في وجوده فقط وأهملت الصغيرين ولا أهتم بهما وهما في أشد الحاجة إلى الرعاية والعناية، فكان يقوم بما تقوم به كل أم، فكانوا ثلاثتهم أقرب لبعضهم وتباعدت المسافات بيني وبينهم، فأنا زاهدة فيهم ولا أريدهم وأنتظر اللحظة التي أفارقهم فيها ولم أشعر بالأمومة ولم أحن إليها وتحجر قلبي وتجمدت مشاعري ولم يبق عندي أي إحساس نحوهم.
حتى متعتي بالنكد قلّت ولم أعد أستمتع وأنا أراه يتذلل لي وكل مرة يظهر ضعفه وشخصيته التي كنت أراها من طينة خاصة واستنكر احتماله وعدم إقدامه على إجابة طلبي بالطلاق والناس من حولي قد صدقوا أكاذيبي كلها لأنه من جانبه لا يتحدث في هذا الأمر ويكتفي بالسكوت، أو أنه يجيب بكلمات مقتضبة يكررها كل مرة بما مفاده أنه لا يريد أن يتحدث عن أم أولاده مع أحد بسوء، وفي نفس الوقت لا يريد أن يكذّب ما أقول ويحرص على تحسين صورتي بالرغم مما فعلته من تسويد لصورته حتى جعلته مسخاً مشوهاً بما فيه الكفاية.
وجاءت اللحظة التي كنت أنتظرها وأتمناها بعد واحدة من محاولاتي المستمرة وجدت أمامي شخصاً آخر يعرف كيف يتكلم، وكيف يدافع عن نفسه، ولكن نفد صبره إلى هنا قال إنه كان يستطيع أن يعاملني بمثل أسلوبي، لكنه لم يرد أن يتدنى وينزل إليَّ وحاول أن يجعلني أرتفع إليه وهذا ما جعله يصبر كل هذه السنين، علاوة على أنه لم يكن ضعيفاً، كما أتوهم ولم يكن غارقاً في غرامي إلى تلك الدرجة التي تجعله يتحمل كل ذلك، ولكن منحني الفرصة وفتح الباب أمامي، وقال تفضلي بلا رجعة هنا فقط شعرت بشيء غريب أحسست بالخطأ والمفاجأة عقدت لساني ولا أعرف إن كنت سعيدة بالنتيجة التي وصلت إليها أم حزينة لأنني لم أكن أتوقع ما حدث في تلك اللحظة، والأعجب من ذلك فقد خيرني في رعاية الصغيرين، فتنازلت له عنهما وكان كريماً حتى في هذه اللحظات القاسية وأعطاني كل مستحقاتي.
عدت إلى بيت أبي أتوهم أيضا أنني ما زلت مرغوبة كما كنت وأنني سأجد من يتزاحمون ويطلبون يدي بعد فترة العدة فلم أبلغ الثلاثين بعد، لكن الحقيقة المرة أن ابنة الثلاثين ليست مثل ابنة العشرين وأن المطلقة ليست كالعذراء وتناسيت أن السنين تمر والأيام تتوالى وأن آثار الزمن تترك بصماتها على الوجوه وأنا التي كنت أتوقع أن هذا كله لا ينطبق عليَّ وأنني مستثناة منه، فما زال الغرور يخيم في رأسي، فقد كانت البداية أن تزوج طليقي بعد شهرين فقط من انفصالنا وعاش - كما علمت - حياة هانئة هادئة وقد أحب ابناي زوجة أبيهما ووجدا فيها ما كانا يفتقدانه عندي.
أما أنا فقد مرت ست سنوات ولم يطرق بابي واحد من الكثيرين الذين أفسدوا حياتي وكانوا سبباً بكلامهم في إصابتي بالغرور والتكبر، وتحولوا إلى النقيض وهم يفرون مني فرارهم من الأسد أو الطاعون، ويستنكرون كيف لهم أن يقترنوا بواحدة في مثل أخلاقياتي وتعاملاتي وصرت مثلا للقسوة والكيد والنكد وازدادت أحقادي على الجميع، ومع ذلك لا أريد أن أعترف بكل هذه الحقائق الواضحة وضوح الشمس في رابعة النهار وأكابر أمامهم، لكن بيني وبين نفسي أعترف بالخطأ والضعف.

اقرأ أيضا