صحيفة الاتحاد

دنيا

المقاهي الشعبية.. مجالس للسمر والإبداع في رمضان والعيد

أحمد النجار (دبي)

تنتعش المقاهي الشعبية في ليالي شهر رمضان والعيد، وتفتح ذراعيها لاستقبال روادها اليوميين، تتباين اهتماماتهم وتتعدد هواياتهم، ويجمعهم حب التراث وروح التقاليد وبساطة المكان وأجواء الألفة التي تبث بخور العراقة ورائحة ذكرى الأولين ونفحات الزمن الجميل، بأهله الطيبين وحنين «السوالف» التي تستقر في القلب. المقهى، بوصفه مكاناً للسمر والترفيه والإبداع ومجالسة الأصدقاء والوجهاء والملهمين والمؤثرين والشعراء والأدباء والبسطاء، يعد ملاذاً للهروب من ضغوط الحياة، حيث تعيش وتنمو على طاولاته قصص نابضة بالأفراح تارة والهموم تارات.

ليالي الأنس
يتصدر المقهى الشعبي، قائمة اهتمامات الكثيرين في رمضان، لإحياء ليالي الأنس ضمن توليفة غنية من عناصر الضيافة وروح الصحبة وبهجة الأحاديث الودية على نكهات القهوة العربية وفوح رائحة الهال والزعفران من شاي الكرك، وخيارات التسلية مثل ألعاب الورق والنرد، وتوفر الإنترنت والتلفاز إلى جانب خيارات الطعام والحلوى التراثية التي تجتذب الكثير من العائلات لتجربتها وقضاء أمسيات رمضانية مفعمة بالمتعة والتواصل، ومواعدة الأصدقاء بجلسات شائقة قد تطول لساعات لمتعتها وعفويتها وجوهر فائدتها في إنجاز أمور مهمة تتعلق بإتمام تخطيط مشروعات، أو فتح نافذة أمل جديدة للمستقبل، ونسج قصص إيجابية لإطلاق مبادرات تحاكي الواقع تكون مبعثاً للإلهام والإبداع في دراما الحياة.

أصالة ولمّة
وخلال زيارة ميدانية، إلى عدد من المقاهي الشعبية في الإمارات، لرصد آراء بعض الرواد والزوار، حول تجاربهم في المقهى الشعبي، وعلاقتهم بأجوائه الروحانية في ليالي رمضان، ذكرت نعمات حمود، إعلامية سودانية، أن المقاهي الشعبية تعد منصة للتواصل وتحقيق اللمة العائلية والاجتماعية، وهو مكان له قيمة روحية، ترتبط في وجداننا بذكريات جميلة من شخصيات وأكلات شعبية تشكل طقساً محبباً في رمضان، وتهتم نعمات عقب صلاة التراويح بارتياد أحد المقاهي الشعبية، لتناول بعض أصناف الحلويات الخفيفة، ومسامرة بعض أصدقائها القدامى من الزمن الجميل، معتبرة أن المقهى الشعبي، لا يزال محتفظاً بأصالته ويحافظ على قيم الاحترام في كل ما يدور بداخله، وأشارت إلى أن غالبية مرتاديها هم من قدامى المجتمع الملتزمين بطيب القيم والأخلاق، حتى أن بعض الأشخاص أصبح ملازماً للمكان ومرتبطاً بحضوره وغيابه، ويحفظ البعض أماكنهم التي يجلسون عليها بشكل شبه يومي، وقالت إن المقهى مكان ملهم بامتياز بالنسبة لها، حيث تنسج بعض أفكارها لخاطرة أو مقالة خلال تواجدها به، ففي أجوائه استدعاء لكثير من الإبداع الذي يشكل مرفأ للأفكار ومرسى للخيال والترويح عن النفس.

متنفس للشعر وأعمال الخير
واعتبر خليفة بن راشد الوالي شاعر إماراتي، أن ارتياد المقهى الشعبي أو المجالس عادة اجتماعية محببة يلتقي فيها أصحاب الهوايات المشتركة لتبادل الأحاديث والأفكار والخبرات، كما تشكل أجواؤه بيئة ملهمة تجذب أهل الأدب والشعر، مشيراً إلى أنه يجد متعة كبيرة كشاعر حين يجالس بعض الشعراء للاستمتاع بجديد قصائدهم وقوافيهم ونتاجاتهم الإبداعية.. وأضاف: تزدهر المقاهي الشعبية في رمضان، ولا غنى عن ارتيادها بصحبة الأصدقاء، كونها فرصة للتواصل ومتنفساً يومياً لتجديد العلاقات للحديث عن أمور شتى، سواء في الترفيه أو العمل أو الإبداع في تبنى أعمال الخير، أو غيره بعيداً كل البعد عن الأحاديث السطحية التي ليس فيه فائدة أو قيمة ثقافية ولا بادرة خير.
أولويات خليفة تكمن في الالتقاء مع الشباب الذين لم يلتق بهم منذ زمن، مستثمراً رمضان كمحطة سنوية لتجديد التواصل وتعميق الأواصر مع الأصدقاء والمقربين، لافتاً إلى أن أبرز ما يميز المقهى الشعبي في نظره، عن «الكوفي شوب» هو أنه مكان عريق مسكون بالقيم والتقاليد الجميلة، يشبه المجالس القديمة، ويبث الأريحية والدفء والحنين للماضي، ويحرك روح الإلهام والإبداع والابتكار بكونه يمثل جلسة عربية اعتدنا عليها منذ الصغر.

فسحة رمضانية للعائلة
وقالت الإعلامية ميرا علي، إن المقهى الشعبي الرمضاني الذي ترتاده يعد واحداً من الأماكن التي يقصدها أبناء الحي الواحد، وفسحة يومية مفتوحة يجتمع فيها الناس، كملاذ يومي لعقد صفقات عمل وإنجاز مشاريع والتنفيس عن الهموم، وتميل ميرا إلى المقاهي الشعبية ذات الاستراحات المخصصة للعائلات، بصفتها تمثل القاسم المشترك الذي يعزز روح الانتماء ويبني جسوراً مختلفة للتواصل الاجتماعي، بكونه يشكل رافداً مهماً في إنعاش حياة اجتماعية تنبض بالفرح والأمل والحياة.
وتصف المقهى الشعبي بأنه تجربة ملهمة بالنسبة لها، وتجد فيه خصوصية وقيمة تراثية وروحية، على العكس تماماً من المقاهي العصرية الجامعة للجنسين، معتبرة أن الاختلاط في المقهى الشعبي، مكان مناسب أكثر للرجال، وهذا لا يعني بأن المقاهي الشعبية لا توفر ركناً للعائلات يمكن ارتياده لتبادل أحاديث ودية والاستمتاع بالأجواء الرمضانية والمشروبات مع نفحات الأصالة الممزوجة بالقهوة بنكهة الهيل العربية.

مقصد للترفيه والتسلية
ورأى أمين الشرعبي، موظف، أن المقاهي الشعبية في رمضان، تعتبر مقصداً ترفيهياً بامتياز، حيث يجد فيها البعض فسحة لشرب قهوته المفضلة، على وقع أحاديث شائقة أو قضاء ساعات في لعب الشطرنج والألعاب التراثية، أو مشاهدة مباراة كرة القدم ضمن أجواء حماسية لها نكهة مختلفة تشتعل بحرارة التفاعل والتشجيع وارتفاع وتيرة المنافسة، وتجتذب المقاهي الشعبية الشباب والكبار في رمضان لتمضية أوقات سعيدة وأنشطة ثقافية، معتبراً أن المقهى الشعبي له مكانة تاريخية وثقافية تعود إلى مئات السنين، بكونه يمثل ملتقى اجتماعي على طاولاته الأحاديث والذكريات، والبعض يقضي ساعات طويلة في إنجاز مهامه، والبعض الآخر يستغل شبكة «الواي فاي» في ممارسة عمله، وقد باتت المقاهي الشعبية مقصداً لشرائح مختلفة لشباب ورجال وكبار السن ومثقفين وإعلاميين وعامة الناس.

المجالس مدارس
ويرتاد عبدالله المطيري، باحث في التراث، المقهى الشعبي بعض الوقت في أيام رمضان، لكنه يفضل قضاء معظم وقته في المجالس لأن الاستفادة فيها أكثر من وجهة نظره، حيث يصفها بقوله «المجالس مدارس» وأوضح: «لو رجعنا إلى بدايات القرن الماضي لوجدنا أن أكثر الأدباء والكتاب والعلماء تخرجوا في هذه المقاهي، وهناك أمثلة كثيرة في عالمنا العربي، فعلى مستوى الإمارات عدد كبير تعلموا في هذه المقاهي، خاصة المقاهي التي يحضرها النخبة، أما على مستوى الوطن العربي، فهناك العقاد ونجيب محفوظ وغيرهما كثير، ولا ننسى بالطبع مقاهي العراق خاصة شارع الرشيد.
وأضاف المطيري: أتمنى على شبابنا رواد المقاهي في الأيام المباركة أن تكون جلساتهم مقتصرة على القضايا التي تهم الوطن والمواطن والاستفادة من سيرة الآباء.

مقاهٍ شعبية ضاربة في القدم
تاريخ المقاهي الشعبية في الإمارات، ضارب في جذور التاريخ، حيث تزخر دبي بالعديد من المقاهي من أبرزها، مقاه كانت موجودة قديماً في سوق مرشد، ومقهى «قهوة الكوفة»، أما في الشارقة فقد احتضنت مقاهي قديمة منذ عشرات السنين، ومقهى بحيرة خالد الذي لا يزال حتى اليوم ينبض بالحياة، ويعتبر خياراً مثالياً بالنسبة للكثيرين لقضاء أمسيات رمضانية، وتقدم المقاهي أكلات تراثية خفيفة مثل اللقيمات والنخي وغيرها، ومشروبات تشمل القهوة العربية، وشاي الكرك والحبة الحمراء وسواها من المشروبات العربية، مثل الشاي المغربي واليانسون.

أجواء تفوح منها رائحة الماضي
تزدحم المقاهي الشعبية بالمرتادين في ليالي رمضان، نظراً لخصوصيتها وارتباطهـــا بأجــــواء أليفة لما تتســـم به من روح في تفاصـــيل ديكوراتها ومكنوناتها الفنية وحسّها التراثي الذي تعبق منه نفحات الماضي، ومشروباتها الفواحة برائحة الهال والزعفران وماء الورد.
ويتسابق أصحاب المقاهي الشعبية في استقطاب الزوار والمرتادين من حيث توفير بيئة بالغة الخصوصية، وحيث يرى إبراهيم سعدون مدير مقهى، بأن المقهى الشعبي يحظى بإقبال كبير عن نظيره العصري «كوفي شوب»، لارتباط الناس به وتعلقهم بماضيهم وذكرياتهم التي تسكن طاولاته وترن من جدرانه، وذلك يتجلى بقضائهم أوقاتاً طويلة في السهر والسمر وتناول المشروبات وأكلات خفيفة، إلى جانب ممارسة بعض ألعاب التسلية، والبعض يصحب عائلته لقضاء أمسية خاصة معهم، وآخرون يستمتعون بتبادل الآراء والنقاشات وإنتاج الأفكار وتخطيط مشاريعهم، أو الاستفادة من الهدوء المحبب والروح التي توفرها الأجواء الشعبية ببساطتها وعفويتها.