الاتحاد

تقارير

انتخابات العراق: الأمن يطغى على الطائفية

انتخابات العراق: الأمن يطغى على الطائفية

انتخابات العراق: الأمن يطغى على الطائفية

تردد الشاب السني الذي كان يسير الهوينى على ضفة دجلة في بغداد، عندما سألته لمن منح صوته في انتخابات مجالس المحافظات التي جرت أول أمس في العراق، قبل أن يرد بإجابة لم تكن تخطر على بال إحد إبان احتدام الحرب الأهلية العراقية وهي:''أعطيته لرئيس الوزراء نوري المالكي''·
وعندما توجهت بنفس السؤال لرجل مسن، كان يسير في شارع ''حيفا'' الذي كان يمثل يوماً نقطة ملتهبة شهدت مواجهات دامية مع القوات الأميركية، لم يشأ أن يقول لي لمن أعطى صوته، لكنه هو الآخر عبر عن رضاه عن أداء المالكي· وعندما سألته عن رأيه في الأحوال العامة في العراق حالياً أعرب عن سعادته بتلك الأوضاع بعبارات قاطعة·
عندما أجريت انتخابات مجالس المحافظات في العراق منذ أربع سنوات، لم يشارك الجزء الأكبر من السنة فيها، تاركين تلك المجالس التي تحظى بصلاحيات قوية، للمرشحين المنتمين للقوى الشيعية والكردية التي تنامى نفوذها في العراق بعد سقوط صدام حسين، أما هذه المرة فقد اختار معظمهم المشاركة· ولكن هذه المشاركة لن تؤدي بالضرورة إلى التأثير على نفوذ''المالكي'' الذي يسعى لتعزيز قبضة حزبه الإسلامي (الدعوة) على مقاليد الحكم· ورغم أن موضوع الطائفية لم يزل حتى الآن من الموضوعات التي تجري مناقشتها على نطاق واسع في العراق، فمما لا شك فيه أن أهميته قد تضاءلت مع الوضع الأمني الذي ينسب الفضل في فرضه -سواء أكان ذلك صواباً أم خطأً- للمالكي الذي نجح في بسط نفوذ الدولة على معظم الأجزاء التي كانت ذات يوم خارج القانــــــــــون· ومن آخر المؤشرات الدالة على تنامي المكاسب الأمنية في العراق ذلك البيان الذي أُعلن يوم الجمعة الماضي حــول أعــــداد الخسائر الناتجــــة عــن العنف المرتبط بالتمرد في العراق والذي جـــاء فيــــه أن هذا العدد خلال شهر يناير بلغ 189 عراقيًا من المدنيين وأفراد قوات الأمن، وهو أقل معدل شهري منذ انتهاء العمليات البرية للغزو الأميركي للعراق عـــام ·2003
ويقول ''وسام حسام''، وهو ذاته الرجل الذي كان يسير على ضفة دجلة، عن المالكي الذي كان لا يثق به في البداية وأصبح معجباً به الآن: ''عندما يكون هناك متمردون سنة فإنه لا يتردد في ضربهم، وعندما يكون هناك متمردون شيعة فإنه لا يتردد في ضربهم أيضاً''· ومثل هذه الآراء تبشر بالخير لرئيس الوزراء العراقي الذي يواجه استحقاق الانتخابات العامة في موعد لاحق من هذا العام، والذي يريد استغلال ظهور صورته بهذه القوة في الانتخابات الحالية، من أجل عرقلة مساعي منافسيه: الأكراد في الشمال، والأحزاب الشيعية المنافسة في الجنوب، والأحزاب السنية والعلمانية في مناطق مختلفة بالبلاد·
ومن المتوقـــع إعلان النتائج المؤقتة للانتخابات خلال هذا الأسبوع، أما النتائج النهائية التي سيتم فحصها من قبل المراقبين الدوليين فلن يتم الإعلان عنها قبل مرور شهر· ويشار إلى أن الصناديق البلاستيكية الشفافة التي كانت تحتوي على الأصوات، قد تم تفريغها من قبل العاملين في المراكز الانتخابية لنقلها بعد ذلك إلى مركز إحصاء الأصوات المركزي في المنطقة الخضراء في بغداد·
ولم ترد أنباء من قبل مسؤولي الانتخابات، أو المصادر الأمنية عن وقوع أي أحداث عنف كبيرة، وهو ما يعد تطورا إيجابيا، إذا ما قورن بالانتخابات التي نُظِمتْ في يناير 2005 والتي قتل خلالها 40 شخصاً·وعندما توجهت إلى أحد مراكز الاقتراع في الانتخابات الحالية، كان المركز مزيناً بالبالونات والشرائط الملونة والورود الصناعية واللافتات المكتوب عليها: ''نحن نحبكم··· كل عام وأنتم طيبون''· ورغم أن بعض اللافتات التي كتبت بالعربية والإنجليزية قد احتوت على أخطاء إملائية (في اللغة الإنجليزية على الأقل) فإن الرسالة التي كانت تريد توصيلها كانت واضحة تمام الوضوح·
عندما سألت مدير أحد المراكز الانتخابية عن تلك الزينات، قال لي وقد ارتسمت على شفتيه ابتسامة عريضة: ''عندما يأتي الناس إلى المراكز الانتخابية فإنهم يجب أن يكونوا سعداء''·
لم تخل الانتخابات من بعض المشكلات بالطبع حيث قال بعض الناخبين إنهم لم يجدوا أسماءهم في القوائم المعلقة أمام المراكز الانتخابية، وهو ما حرمهم من فرصة الإدلاء بأصواتهم· وعندما سألنا القائمين على الانتخابات عن ذلك، قالوا إن الاحتمال الأكبر هو أن هؤلاء الناخبين قد ذهبوا إلى لجان انتخابية غير التي كان يجب أن يذهبوا إليها في الأصل· أنكر الناخبون ذلك وقال أحدهم إنه قد توجه إلى ذات المركز الانتخابي الذي أدلى فيه بصوته في الانتخابات الماضية، وعندما لم يجد اسمه في الكشوف الانتخابية ذهب إلى ثلاثة مراكز أخرى قريبة ولم يجد اسمه فيها أيضاً·
تبين كذلك أن بعض الناخبين قد حُددت لهم مراكز انتخابية بعيدة عن مساكنهم ثم جاء حظر التنقل بالسيارات ليجعل من مسألة وصولهم إلى تلك اللجان أمراً صعباً، ما قلل من أعدادهم· وعندما تم إلغاء حظر حركة السيارات ومدد الوقت المخصص للاقتراع تسهيلا عليهم، فإن ذلك لم يسفر -كما بدا- عن زيادة ملحوظة في أعداد الناخبين·
تعليقاً على ذلك يقول الرجل المسن الذي كان يسير في شارع حيفا، واسمه فارس العزاوي: ''هذه الأشياء واردة الحدوث، ومن المعروف أن الديمقراطية تأخذ وقتاً طويلا حتى تستقر وتترسخ في أي بلد''· أما وسام حسام المتنزه على ضفاف دجله فقد قال لي إنه لم يعد لديه أي شك في أن العداء بين السنة والشيعة في العراق قد أصبح شيئا من الماضي، وأن العنف الدامي والحرب الأهلية لن تعود أبداً طالما ظل المالكي في الحكم، وأنهى كلامه بالقول: ''رغم أن الشيعة ما زالوا يفكرون كشيعة، وأن السنة ما زالوا يفكرون كسنة، فالشيء الإيجابي هنا هو أن أياً منهم لم يعد راغباً في مقاتلة الطرف الآخر''· قال لي ذلك ثم واصل سيره الوئيد على ضفة دجلة

اقرأ أيضا