الاتحاد

الملحق الثقافي

شهوات سرد الواقع المشتهى

صمدت الجائزة العالمية للرواية العربية (البوكر العربية) لعام 2010 أمام عصف إعلامي لم يوقفه إلا الإعلان عن قائمتها القصيرة التي يعلن عن الرواية الفائزة من بينها في الثاني من مارس المقبل. ما من جدوى الآن لأي حديث عن الماضي والقائمة الطويلة للروايات. الكل بات يتطلع إلى ذلك الذي ينتهي فيه عمل لجنة التحكيم ويتقرر عنوان الرواية الفائزة واسم صاحبها. وبعيدا عن أي أثر لذلك العصف الإعلامي، فربما أنه لا ضير إن بدأ الإعلام الثقافي العربي بإعادة قراءة الأعمال في القائمة القصيرة وإعادة تقديمها وإثارة الجدل حولها نقديا حتى أن من حقّ هذا الإعلام أن يتنبأ بالعنوان الفائز دون لغط ودون “بربوغندا” مسعاها الوحيد هو التأثير على التحكيم وتوجيه خيارات لجنة التحكيم بهذا الاتجاه أو ذاك لمآرب غير ثقافية أبدا، بل ربما ثقافية قطرية أقلّ ما يُقال بشأنها أنها تنتسب لذلك النوع من الثقافة الظلامية التي من شأنها أن تعزز من الضغائن بين الناس ومن التباغض بين المثقفين.

لقد بدت، لمتابع ذلك العصف الإعلامي ضد البوكر العربية، أن العقل العربي أقل شأنا من أن يحمل أي مشروع تنويري نقدي في لحظات تاريخية قاسية تمرّ بها المنطقة إجمالا دون أن تستثني أحدا. غير أن هذا الأمر ليس مدارا للنقاش هنا.

بعيدا عن ذلك الأمر فإن الروايات الست، وفقا للترتيب الأبجدي لأسماء أصحابها، هي: “عندما تشيخ الذئاب” لجمال ناجي الصادرة عن منشورات وزارة الثقافة الأردنية، و”السيدة من تل أبيب” لربعي المدهون الصادرة عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت، و”أميركا” لربيع جابر الصادرة عن المركز الثقافي العربي في بيروت والرباط معا، و”ترمي بشرر” لعبده خال الصادرة عن دار الجمل بغداد وبيروت وكولونيا الألمانية معا، و”يوم غائم في البر الغربي” لمحمد المنسي قنديل الصادرة عن دار الشروق في القاهرة، وأخيرا، “وراء الفردوس” لمنصورة عز الدين الصادرة عن دار العين للنشر في القاهرة.

ذريعة التاريخ

يبدو أن اتخاذ التاريخ ذريعة للسرد، وفقا للمعنى الإيجابي، وإرضاء لشهوة هذا السرد ملمحا أساسيا في الصنيع الروائي إجمالا في الروايات الست، والفارق أن كل من الروائيين قد اختار وحده تلك الطريق التي قادت قدمه ومخيلته إلى منطقة من مناطقه.

ولكن دون فوارق واضحة أو عملية فإن كل رواية قد مزجت بين التاريخ السياسي والاجتماعي كما لو أن ذلك هو نوع من الهرب نحو أزمنة جميلة كانت واعدة بتحولات إيجابية لم تكن تشير إلى واقع راهن أو يبدو أنها ستؤول إليه بكل ما فيه من دوافع نحو الإحباط.

وفي الأصل، فإن الرواية بأبعادها التاريخية السوسيولوجية قد وجدت لتقول أن الراهن نتاج لماض ينبغي إعادة قراءته أو النظر إليه من زاوية أخرى تحلل ما هو راهن وبالتالي المستقبل. غير أن المسألة التاريخية في هذا النوع من الرواية، إذ ينأى التاريخ بنفسه في الروايات الست عن الوثيقة أو الأرشيف، ويقترب من حكايا الناس عن الماضي القريب أو البعيد، ذات تأثيرات على القص وتقنياته وعلى بناء الشخصيات الروائية وخصائصها الإنسانية والاجتماعية.

إن الشخصيات، مثلما هي الأحداث في الرواية، قد نبتت في “فضاء الحكي” وظلت تدور في المخيلة الروائية وواجهت مصائرها هناك، لكنها، في الأصل، هي “شخصيات” جاهزة تقريبا، بعيدا عن أنها تاريخية أو مشتقة من التاريخ، و”اشتغال” الروائي ودأبه هنا يتحدد في تحوير هذه الشخصية وربطها بالسياق الروائي العام وإعادة إنتاجها تخييليا بحيث تبدو وكأنها شخصية غير مرتبطة بزمن ما، وكأن الروائي هو الذي ابتدع الشخصيات والأحداث ضمن زمنها الخاص الذي منحه لها وضمن تاريخ خاص كان اشتقاقا من تاريخ عام يجري تقديمها وقفل لتقنيات في السرد تختلف من راوية إلى أخرى من الروايات الست.

يبدو هذا الاشتغال الروائي، سواء على صعيد الشخصيات أو الأحداث، أكثر يسرا وسهولة على مخيلة الروائي وجملة خبراته في امتلاك تقنيات خاصة به في السرد من ذلك الروائي الذي يبتدع شخصيات متخيَّلة ضمن تاريخ افتراضي وفضاء من الحكي غير مطروقة جميعا سابقا إنما مشتقة من واقع وتاريخ راهنين، إذا جاز هذا الخلط. وللإيضاح أكثر، فقد يكون النموذج الأوفى لهذا النوع من الصنيع الروائي رواية “مائة عام من العزلة” للكولومبي غابرييل غارسيا ماركيز.

قول الفجيعة

في روايته “يرمي بشرر” لعبده خال قد يكون الأقرب في صنيعه الروائي إجمالا إلى هذه “الصناعة الروائية” وقد يكون هو الأكثر تأثرا، عربيا بمائة عام من العزلة، دون مبالغة أو إفراط في التأويل، فالمرء لا يدري لماذا تلّح عليه صورة الناس في “ماكوندو” ماركيز أثناء قراءة صفحات الرواية.

يبدو التاريخ بالنسبة لعبده خال أكثر شبها بالاستعارة، أو أنه كذلك بحق، ليقول من خلالها ما يريد قوله عن ما لا يمكن قوله. حتى أن العوالم في “يرمي بشرر”، رغم لا واقعيتها وتاريخيتها معا، الممر الأقصر نحو قول الفجيعة الراهنة التي يمر بها المجتمع في مكانه الواقعي تماما إنما ضمن زمن خاص قام الروائي بافتراضه تماما.

أما أن يحمل التاريخ الروائي حقائق اجتماعية تحدث الآن او حدثت بالأمس فهذا ليس بخصيصة تميز رواية دون أخرى من الروايات الست، لكن ما يخصّ رواية “يرمي بشرر” أنها تمثل نوعا من الإدانة ومن رد الفعل الإبداعي على إشكاليات اجتماعية وسياسية وتاريخية راهنة وليست مجرد رأي في الوعي الاجتماعي السائد بكل كارثيته على الإنسان المحض وكانه يقول، بحسب عنوان رواية الروائي التشيكي ميلان كونديرا: “الحياة هي في مكان آخر”. ويبدو أن هذا القول يمثل جرأة حقيقية لدى عبده خال ليقول كل ما يود أن يقوله دفعة واحدة وبقلب جريء. بهذا المعنى فالرواية شديدة القسوة ولا مكان فيها لجماليات سوى جمالية مزيج الشهوة بالقسوة والعنف.

لعبة الذاكرة

يحدث ذلك فيما يذهب ربيع جابر في “أميركا” نحو أوائل القرن العشرين ليحكي تلك الحكايا عن رحيل أهل الساحل السوري، المسيحيين منهم تحديدا، نحو الأميركيتين، لكنّ ربيع جابر، على المستويين الفكري والحكائي، تضع الأنا مع الآخر الذي كان جزءا من الأنا، فنكتشف خلال لحظات المواجهة بينهما الفروقات وكأن كل منهما، عبر شخصيات ربيع جابر، يكتشفه الآخر عبر مرآة مختلفة.

غير أن “أميركا” هي لعبة ذاكرة شخصية يتلاعب بها الراوي ربما إطفاء لشهوة عالية في السرد، يشعر المرء بقرب كبير في منطق السرد الحكائي لدى ربيع جابر أنه أكثر قربا لمنطق السرد الحكائي في الفيلم الشهير “تايتانيك” حيث الجدة الثرية تروي لحفيد حياتها في الماضي وحكاية المرأة التي هاجرت بحثا عن زوج سرعان ما تركته لتواجه الحياة وحدها وتحقق نجاحها الخاص.

..ولعبة مرايا

أما جمال ناجي فيختار “الصفة”، أي ذلك السرد الذي يشعر المرء معه أنه لعبة مرايا بين الشخصيات فنرى الشخصيات طالعة مما يقوله عنها الآخرون، فالصورة في “مرآة الحكي عن” هي التي تنجح في خلق تلك الشحنة الدرامية القاسية التي تبقى تشد المرء طيلة الرواية.

أيضا يبدو الروائي جمال ناجي مفتونا بالنثر إلى جوار افتتانه بالحكاية، ففي روايته نثر أنيق ينساب بسهولة وبلا فائض أو أي ثرثرة لجهة بنيته التركيبية والنحوية.

إن روايته “عندما تشيخ الذئاب” هي رواية مكان أكثر مما أنها رواية تنطوي على نوع من المقاربة للتاريخ، لكنها بالتأكيد تعود إلى الفترة من نهاية السبعينات من القرن الماضي وحتى منتصف التسعينات، وتقيس عبر شخصياتها تلك التحولات الاجتماعية الهوجاء التي أودت بالمجتمع فأصبح في سنوات معدودة مرّت مثل لمح البصر مجتمع وقد جرى إلباسه حجابا وقد كان متنوعا بالأمس، وكأن كل ما مرّ من تاريخ إنما مرّ على غفلة من الجميع؛ هكذا هي عمّان تلك الأزمنة.

منبع الحكاية

وتبدو رواية ربعي المدهون “السيدة من تل أبيب” رواية ذاكرة أيضا، غير أن التاريخ هنا هو اقتران الشخصي بالعام والذاتي بالموضوعي والأنا بالآخر الذي هو هنا آخر عدو بكل وضوح وصفاقة. ولأن الذاكرة الشخصية هنا فلسطينية فإن الحكاية تدور كما لو أنها تدور على خطوط التماس، حياة بأكملها تجري هنا حيث الذاكرة المؤلمة هي منبع الحكاية التي من غير الممكن أن يجري تأويلها بهذا الاتجاه أو ذلك، فالمخيلة الروائية هنا لا تعيد إنتاج التاريخ الفردي بل تقوله بطريقة روائية وبتقنيات هي أكثر شبها بالسرد على طريقة الروائي الفلسطيني الشهيد غسان كنفاني حيث الراوي والشخصية الروائية هما شخصيتان روائيتان متداخلتان وحيث الحكاية متداخلة رغم وضوح المعالم بينهما، لكن ربعي المدهون في روايته هذه لا يقف خلف غسان كنفاني بوصفه سلفا أو تلميذا، لجهة المستوى التقني بل يقف إلى جواره معلما، إذا جاز التوصيف.

رواية الحلم

وحقيقة الأمر أن “يوم غائم في البرّ الغربي” لمحمد المنسي قنديل، هي أمر آخر، حتى كما لو أنها أشبه بحلم، لمن لم يعرف مصر، أو القاهرة تحديدا ولم يزرها من قبل؛ كما لو أن الرواية هي حلم الروائي الذي يأخذك عبر شخصياته إلى ذاكرة مكان وزمان خاصين فيعبر القارئ هذا التاريخ من خلال شخصيات عادية تماما وحكايا استغرقت أكثر من خمسمائة صفحة. تُرى أي قارئ عادي في هذا الزمن لديه من الجلد والوقت على قراءة عمل بهذا الحجم؟.

قد تبدو “يوم غائم في البرّ الغربي” وكأنها تسعى إلى الإحاطة بتاريخ مصر المعاصر إذ تعود إلى مصر الملكية مطالع القرن الماضي، لكنها مليئة بالترميز وبالمعاني التي يعبّر عنها وجود هذا النوع من الشخصيات، التي تذكّر في جانب منها بطبيعة الشخصيات الروائية في “فساد الأمكنة” لصبري موسى. إن التاريخ هنا ليس هو التاريخ الرسمي بل هو التاريخ منظورا إليه من عين المهمشين الذين رأوا وعاينوا ثم قالوا عن ذلك كثيرا.

وأخيرا، إلى رواية “وراء الفردوس” لمنصورة عز الدين، التي لعلها لم تقصد الذهاب إلى ذلك الزمن؛ زمن الانقلاب على الناصرية في مصر والانفتاح الذي أودى بمصير الفلاحين إلى الكارثة، ربما هي قد عثرت على شخصياتها الروائية في ذلك الزمن لتصيغ هي الحكاية، حيث هذه الشخصيات تبدو كما لو أنها ملهمة للكاتبة.

التاريخ والأسطورة

الزمن في “وراء الفردوس” مزيج التاريخ بأسطورة ما، ربما يجيء هذا الإحساس للمرء من تلك المعتقدات التي تؤمن بها الشخصيات وعلاقتها بالانهيارات الاجتماعية المدوية في وسط ريفي برجوازي الناجمة عن سيل من التحولات التي لا قبل لها بمواجهتها.

وهنا، ربما يكون حضور المرأة في الرواية هو الأكثر لفتا للانتباه، يشعر المرء أن الشخصيات النسائية كما لو أنه التقاها أو أنها تعيش في البيت المجاور من شدة ما أنها واقعية تماما ونابضة بالحياة أيضا، غير أنها في الوقت نفسه عبارة عن شخصيات هشة وتكاد تكون غائمة من شدة ما تطفو على سطح السرد مع أنها عمق الحكاية وأصلها في الوقت نفسه. لكن حضور الأجنبي في هذه الرواية لا يوازي حضوره في “يوم غائم في البرّ الغربي” بل بات جزءا طبيعيا من المشهد اليومي، فهو الزوج الذي له إملاءاته بالطبع على امرأة شرقية تشعر بأنها عاجزة وغير قادرة على مقاومة هذه الانهيارات من حولها. حيث الاستعارات والمقاربات التاريخية ممكنة جدا هنا.

اقرأ أيضا