الاتحاد

دنيا

أبعد نقطة بلغتها فلول الفاتحين

كاشغر هي بلا جدال أقدم ما وصلت إليه أقدام الفاتحين المسلمين من أرض الصين الحالية، فقد فتحها القائد قتيبة بن مسلم الباهلي في عام ''96 هـ - 714م'' بعد عامين فقط من إعادة فتح مدن التركستان الغربي الرئيسية، سمر قند وبخاري وخجندة، وكانت لسياسته المعروفة تاريخيا باسم ''المساكنة'' أكبر الأثر في تحول إقليم ما وراء النهر نحو الاسلام بصورة حاسمة واتخاذ الاقليم نقطة انطلاق نحو نشر الإسلام في الإقليم المعروف باسم التركستان الشرقي·
فقد دأب العرب في فتوحاتهم لبخاري وسمر قند وجوارهما على الغزو في فصل الصيف وبعد ان يتم لهم اخضاع قبائل الترك يغادرون المنطقة في فصل الشتاء حين تتجمد مياه نهري سيحون وجيحون، فينتفض الترك ضد الوالي المسلم ويعودون إلى دياناتهم الوثنية القديمة، إلى أن جاء قتيبة بن مسلم وأمر بأن يقيم في كل بيت دخل أهله الإسلام، بعض المسلمين لتفقيه إخوانهم في الدين، وسرعان ما أدى أسلوب المساكنة إلى انتشار الإسلام لتصبح مناطق بخارى وسمرقند مهداً لأكابر علماء المسلمين من أمثال الخوارزمي، وابن سينا ومسلم والبخاري ومنطلقا لافتتاح مدن التركستان الشرقي·
وكانت كاشغر عندما فتحها المسلمون أقرب المناطق الخاضعة لأباطرة اسرة تانج الصينية إلى اراضي الخلافة الاسلامية الامر الذي دفع الامبراطور الصيني إلى طلب الصلح مع قتيبة وحسب رواية تاريخية متداولة فقد أرسل الإمبراطور أوان من ذهب بها بعض تراب أرض الصين ليدوسها قتيبة وذلك ليبر القائد المسلم بقسمه بألا يغادر أرض الصين إلا بعد أن يطأ ترابها ويختم ملوكها ويجني الجزية، أما بقية مطالب قتيبة في قسمه فقد ساعد الإمبراطور ايضا على الوفاء بها فحمل اليه أربعة من أبناء الأمراء ليختمهم فضلاً عن قدر كبير من الذهب والجواهر والأمتعة على سبيل الجزية·
وسكان كاشغر منذ القدم ينتمون الى أفرع الشعوب التركية ولكنهم تخلوا عن حياة البداوة والترحل قبيل الميلاد بسنوات قليلة واستقروا في هذه المدينة للعمل بالتجارة التي كانت مزدهرة بين الشرق والغرب، حيث كانت كاشغر احد اهم المحطات التجارية على طريق الحرير·· ويعرف هؤلاء الاتراك باسم الايغور، وقد انتشر الاسلام بصورة تدريجية بينهم بفضل حركة التجار المسلمين الذين حملوا دعوة الدين الحنيف ليس الى كاشغر وجوارها فحسب بل والى موانئ الصين الجنوبية أيضا ولاسيما ميناء كانتون الشهير·
المعنى اللغوي
وفي أيام الحاكم التركي بغراخان أصبح الاسلام دينا رسميا لسكان كاشغر وأتراك غربي الصين وكان ذلك في أواخر سنوات القرن الرابع الهجري ''10م'' وكاشغر في لغة الاويغور تعني ''سوق اليشم'' وذلك لشهرة المدينة بانتاج التحف ومقابض الأسلحة من حجر اليشم، أما الاويغور فاسمهم في لغة الترك يشير الى معاني الوحدة والتضامن و''الإذعان'' او الخضوع للرئاسة القبلية وما تقتضيه من اعلاء مصلحة القبيلة على المصالح الشخصية·
واليوم تبدو كاشغر الواقعة في اقليم شينجيانغ احدى اهم المدن الصينية التي تحمل طابع الاسلام الحضاري فأغلب سكانها من قومية الاويغور المسلمة والتي يصل تعدادها تقريبا إلى نحو عشرة ملايين مواطن، وتتمتع مناطقهم بنوع من الحكم الذاتي·
ومنذ القدم عُرف الاويغور بميلهم نحو الاشتغال بالفنون والآداب والثقافة، وكانوا أول من قام بتدوين اللغة التركية بحروف خاصة وما لبثت الايغورية ان انتحلت الحرف العربي لها منذ بدايات القرن السادس الهجري ''12م''·
وتبدو كاشغر اليوم كما كانت منذ القدم مدينة تحمل عبق الشرق الاسلامي وملامح جديدة لسوق تجارية قديمة فاينما ذهبت فسوف ترى المساجد والاسواق التي تعرض المنتجات التقليدية لقومية الايغور· وهي جميعا موزعة بين طرقات ضيقة تذكرنا بمدن العصور الوسطى ورصفت باحجار البازلت السوداء حيث يسمع وقع الاقدام بوضوح، ويزيد من الاحساس بخصوصية هذه المدينة وسط مدن الصين العملاقة تلك الروائح المميزة لاطعمة سكان التركستان الشرقية وخاصة ''الكباب'' الذي هو بالأساس ابتكار للشعوب التركية الجوابة·
وأشهر مساجد كاشغر وأقدمها هو جامع عيدكاه وتلك التسمية مؤلفة من مقطعين أحدهما عربي ''عيد'' والآخر فارسي اذ تعني كلمة كاه بالفارسية ''المكان'' مكان العيد او بالأدق مصلى العيد والحقيقة ان المسلمين في هذه المدينة وما حولها من القرى مازالوا يبدون حرصا شديدا على الصلاة في هذا الجامع في الاعياد الاسلامية، ولعل السبب في ذلك هو الحرص على هويتهم الاسلامية والقومية في مواجهة طوفان أغلبية ''هان'' الصينية وما حملته من عقائد دينية ومذاهب سياسية عبر التاريخ·
وتبلغ مساحة جامع ''عيدكاه'' الواقع شمال غربي ميدان عيدكاه في قلب مدينة كاشغر أكثر من سبعة عشر ألف متر مربع أي حوالي هكتار واحد من الارض وهو بذلك يعتبر أكبر المساجد في الصين الشعبية ويستوعب نحو تسعة آلاف مصل في وقت واحد·
ونظرا لشهرة الجامع بين مسلمي الصين فانهم يقولون دوما إن من عاد من شينجيانغ أي الاقليم الذي به كاشغر، دون ان يزور جامع ''عيدكاه'' فقد عاد بخفي حنين· أما الفترة التي شيد فيها الجامع لأول مرة فتعود إلى القرن التاسع الهجري وبالتحديد في اعقاب وفاة حاكم كاشغر الشهير''سكسير مرزان'' فبعد وفاته عام 1426م بني مسجد صغير إلى جانب القبر الذي دفن به وأصبحت هذه البقعة مدفنا لحكام كاشغر فيما بعد·
وفي عام 1788م تم توسيع بناء المسجد القديم بفضل تبرعات سيدة مسلمة من أهل كاشغر وهي قولير يران وعُرف الجامع من وقتها باسم ''عيدكاه''، وحدث في عام 1801م ان عزمت سيدة مسلمة تدعي ''بوروير بيار'' ان تحج الى بيت الله الحرام بمكة· ولكن نيران الحروب في تلك المنطقة حالت بينها وبين الخروج للحج فتبرعت بنفقات الحج التي ادخرتها من أجل إعادة بناء الجامع وتوسعته، كما وقفت أربعين هكتارا من الأراضي الزراعية للانفاق على الجامع ووظائف الصلاة والتدريس به· وبعد قليل قام مسلمو كاشغر بحفر بحيرة صناعية وشق قنوات غرست على جوانبها الاشجار لتجميل المنطقة حول الجامع· وفي عام 1876م اضيفت الى الجامع ميضأة ومئذنة وحجرات للدراسة ولسكن الطلاب الذين بلغ عددهم حوالي ،400 كما شيدت قبة فوق ظلة القبلة ليبدو المسجد رغم طابعه الصيني قريبا من مساجد الشرق الإسلامي·
ولكن الزلزال الذي ضرب كاشغر في عام 1900 ادى الى تدمير اجزاء كبيرة من جامع ''عيدكاه'' فلجأ المسلمون الى جمع التبرعات لاعادة بنائه وفي تلك التجديدات شيدت المئذنتان الحاليتان على جانبي المدخل، وتبدو فيهما تأثيرات عمارة المآذن في الشرق الاسلامي فلكل مئذنة بدن اسطواني شيد بالطوب الاحمر ويبلغ ارتفاع كل مئذنة ثمانية عشر مترا، تنتهي بشكل الهلال، وتتجاوب هاتان المئذنتان مع نظيرتهما فوق قبة ظلة القبلة في الناحية المقابلة للمدخل الرئيسي·
ولجامع عيدكاه واجهة مطلية باللون الاصفر الفاتح فيما حددت الفواصل بين مداميك الاجر باللون الابيض وتكتسي بوابة المدخل باللون الاخضر الفاتح كما يزين العقد نقوش بديعة وكتابات قرآنية اما قاعة الصلاة فلها سقف خشبي ابيض يرتكز على 140 عامودا خشبيا عليها زخارف محفورة باللون الاخضر كما تزين هذه القاعة لوحات من زخارف التوريق العربية بعناصرها النباتية الرائعة، وبسقفها ايضا زخارف نباتية ملونة·
وعندما يحل موعد عيد الفطر او عيد الاضحى يأخذ المسلمون من كاشغر وضواحيها في التدفق على جامع ''عيدكاه'' منذ موعد صلاة الفجر وبعض هولاء لا يغادر المسجد بعد صلاة الفجر ويبقى في مكانه خشية ألا يجد مكانا لكثرة الراغبين في الصلاة هناك، ولما كان المسجد يستوعب فقط تسعة الاف من المصلين في حين ان الذين يصلون عادة للجامع في العيدين يدور عددهم حول السبعين ألف مسلم، فإن المصلين يفترشون الارض خارج الجامع وبالتحديد في ميدان عيدكاه والشوارع الجانبية المحيطة بل وفوق اسطح المنازل وبعد صلاة العيد يتحول الميدان إلى مهرجان كبير للاغاني والرقصات الشعبية ويتبادل الجميع التهاني بالاضافة إلى الحلوى الايغورية الشهيرة مثل فطائر نانغ التي تخبز في فرن فخاري مستدير الشكل·
ومن المعالم المميزة في كاشغر اسواقها التي تتجاوز العشرين سوقا بما فيها الاسواق العامة واسواق المنتجات الزراعية واسواق منتجات الايغور التقليدية واسواق الاقمشة والملابس·
ويتدفق التجار من الجمهوريات الإسلامية بوسط اسيا على كاشغر كما يقصدها ايضا تجار من باكستان وايران والهند، وتباع في هذه الاسواق السجاجيد الحريرية والسكاكين والاحجار الكريمة ومنتجات حجر اليشم والآلات الموسيقية المعروفة لدى الايغوريين فضلاً عن شالات الحرير واطباق النحاس ومنتجات نحاسية فنية مصنوعة في باكستان أو تركيا·
وتبقى كاشغر موطناً تسكنه ذكريات الفتوحات الاسلامية الاولى وروح الإسلام وحضارته التي تفصح عن نفسها اينما حلت في مشارق الارض أو مغاربها

اقرأ أيضا