الاتحاد

دنيا

هل يشجع الوالدان أطفالهم على العنف؟

عندما يأتي الطفل ببراءته إلى هذا العالم لا يعرف الحقد أو الكره أو العداء، ولا يعرف كيف يسخر من أخيه أو كيف يضربه، ولايعرف لماذا يأخذ شقيقه الأكبر لعبته ويخبؤها بعيدا عنه، وتدريجيا يبدأ يكتسب الكثير من الخبرات، وتظهر بوادر الغيرة والضيق وتتطور سلوكياته بشكل آخر كلما تقدم بالعمر، وكلما كثرت احتكاكاته مع الآخرين في الأسرة وخارجها، وتصبح العدوانية أهم ملامح الشخصية، فكثيراً ما نلاحظ أن الطفل عندما يلتحق بالمدرسة للمرة الأولى- على سبيل المثال كثيرا ما يرمي حقيبته ويصرخ ويهدد والديه بأنه لن يذهب إلى المدرسة لأن الأولاد يضربونه أو يضايقونه أو يستولون على حاجياته، وعندما يشكو الى والديه يردان عليه على الفور:'' لا تبكي··اضرب من يضربك !''وكأنها الوسيلة الوحيدة والمقنعة والوحيدة للدفاع عن حقه، كأنهم يريدان أن يقولا له:''الضعيف ليس له مكان له في هذه الحياة، فالقوي هو الذي يضرب ويسب ويرد على غيره الصاع صاعين، بل هو من يستخدم يديه بدلاً من عقله·
ها هو سيف أحمد، في التاسعة من العمر، ذي شخصية قوية ويفوق أصدقاءه من الناحية الجسمية، ويقول:''لا أسمح لأحد أن يضربني، فقد علمني والدي أن ''إللي يضربني أضربه''، وأنا لست صغيرا حتى أترك والداىّ يدافعان عني، فمن العيب أن أجعلهما يتدخلون في مشاجراتي''· أما راشد جاسم، في نفس العمر تقريبا، فقد قام أحد زملائه بأخذ مصروفه الشخصي منه دون وجه حق أثناء وجوده في الحافلة المدرسية· ويقول عن هذا الموقف:'' لم أتمالك نفسي، عندما وجدت الصبي يأخذ مصروفي، فلا شعوريا وجدت نفسي أضربه ضربًا مبرحًا حتى سال الدم من أنفه، ومن ذلك اليوم كل من في الباص يتجنبون التقرب مني خوفا من أن أضربهم''·
أما أيمن عبد السميع، إبن الحادية عشرة سنة، فدائما يترك إبن عمه لكي يدافع عنه، ويقول: ''كثيرا ما أتجنب اللعب مع الأولاد الأشقياء، لأن كثيرا ما أتعرض للضرب منهم، لكن ابن عمي دائما أجده يتصدى لهم بالمرصاد، فمجرد أن يقترب مني أحد أجده هو الذي يحاول أن يبعدهم عني، وإن وصل الأمر للضرب فقد يضربهم بشده وشجاعة دون تردد حتى أنهم يخافونه''· ويضيف أيمن: ''حاولت كثيرا أن أكون مثل ابن عمي، لكن أنا من النوع الخواف، ولا أحب العراك، رغم تكرار أمي قولها: ''لا تخف، أضرب من يضربك''·
تشجيع الأسرة
تقول''نسرين'' إحدى الأمهات: ''قد تضحكون علّي عندما أسرد حقيقة ابني البالغ من العمر 5سنوات، فعندما يعود من المدرسة يبكي كثيرا والسبب هو وجود بنت أصغر منه بشهرين تضربه وتعضه وهو يقف ساكنا ولا يدافع عن نفسه، ولقد حاولت مرارا حثه على ضربها وعضها في يدها، حتى لدرجة إنني دعيت على البنت ''الله يكسر أسنانها''، كل العتب ليس عليها بل على عدم تربية والديها لها''·
على الجانب الأخر يشجع شادي عبد الغفور ابنه أثناء لعبه مع الصبيان قائلا له: ''اللي يضربك اضربه''، لكن لا تمد يدك على أحد إذا ما ضربك·
تعديل السلوك
تفسر لنا الأخصائية النفسية هدي العلي ـ المتخصصة في تعديل سلوك الأبناء هذه الحالة، وتقول: ''إن الوالدين يتبنون هذا الاتجاه من خلال ثقافة البيئة السائدة التي يعيشون فيها، ويتأثرون بمن حولهم، ويغرسون هذه الاتجاهات في أبنائهم، والبعض يتبنى السلوك العدواني، أو أنه يلجأ إلي العدوانية أو العنف اللفظي أو الفسيولوجي على أنه حل لكل مشاكله مغ الغير، لكن نتساءل: هل يحب الوالدان أن يستخدم طفلهما وسيلة الضرب مع إخوته ويتبنى هذا الاتجاه في البيت، وأن يكون قانون البيت''اضرب من يضربك'' ويطبقه في المنزل مع إخوته؟ وكيف لنا أن نغير تلك المفاهيم ونربي أبناءنا على الخلق الطيب والتسامح وإعمال العقل بدلاً من العنف حتى يصبح الطفل ذا بشخصية قوية ويستطيع الدفاع عن حقه دون ضرب وعنف؟
وتشير العلي في هذا الجانب إلى أن هناك كثيرا من الدراسات عالجت هذه الظاهرة، وتركز على تدريب الطفل أثناء التنشئة الاجتماعية على كيفية إكسابه قيم الود والتسامح بشكل إيجابي، وهناك من اعتمد العلاج السلوكي، إما بوضع يديه في جيبه والعد من واحد إلى عشرة أوالرجوع إلى الوراء، وإما باتخاذ وضعية الخنفساء كحركة تُهدئ من غضبه، وغير ذلك من تدريبات، لكن تلك الأساليب كانت بعيدة عن إقناع الطفل بكيفية التعامل مع من يعتدي عليه بالضرب، ولا ننسى تأثر الطفل بما يشاهده في التليفزيون، وما يكتسب من عادات سلوكية في المدرسة والشارع، وأيضا تشجيع الوالدين له على السلوك العدواني، وهي أمور تعزز عدوانيته بشكل عام·''
نصائح تربوية
تشير العلي إلى بعض الأساليب التربوية التي تساعد الطفل على التخلي عن لغة الضرب واستخدام طرق بديلة: ''مثلا إقناع الطفل أن الضرب وسيلة الضعفاء من خلال القول للطفل إن الشخص الضعيف، هو من يستخدم يديه ولا يستخدم عقله، بينما الشخص القوي هو من يفكر بعقلانية وود مع المعتدي بالضرب، وأن نقول له مثلاً: ''أنظر إليه على أنه أخوك، وإن أخطأ قل له :''أعوذ بالله من الشيطان الرجيم''، أستطيع أن أضربك، لكنني لن أتعامل معك بأخلاقك، لكن بأخلاقي''·
وتضرب العلي مثلاً عمليا ينطوي على أسلوب إبداعي توضيحي يمكن لكل مربية أن تقوم به، وتقول:
''أولاً·· أحضري لطفلك بالوناً وانفخيه، وبجنبه مجسم لقلعة محصنة، وقولي له: ''أنظر إلى البالونة المنفوخة كيف تنفجر بشكة دبوس واحدة''، بينما القلعة المحصنة لن يؤثر فيها الدبوس، وأنت أيضاً إذا أردت أن تكون قلعة محصنة فأملك نفسك عند الغضب، فالقوي من يملك نفسه عند الغضب، أما البالونة تنفجر بسرعة مثل من يغضب، ولا يتحمل كلمة صغيرة، لذلك سامح من اعتدى عليك بالضرب وأشفق عليه ولا تحمل عليه حقداً ولا كرهاً''·
تضيف العلي:'' ثانيا·· إذا أستمر المعتدي بالضرب ولم يتوقف بل تَعّمد الإيذاء، فاطلبي من الطفل هنا أن يضربه بمقدار الضربة التي ضربه إياها أي ''واحدة مقابل واحدة''، لأن في كثير من الأحيان ما أن يُضرب الطفل حتى ينفعل، ويقوم بضرب المعتدي مرات ومرات إلى أن يبكي عندها يتركه، ولا تنسى أن تذكره: ''حتى لو دافعت عن حقك وضربته بمقدار الضربة التي ضربك إياها عليك أن تحسن إليه وتسامحه وتشفق عليه''· ولا يقف الأمر عند هذا الحد كما تقول العلي: ''على المربي أن يرغب الطفل في استخدام هذه الأساليب ويردد له دائماً:''القوي من يملك نفسه عند الغضب''، لذلك عليك أن تكون له القدوة في القول والعمل فأنت مرآة ابنك، كافئ ابنك عندما يكظم غيظه''· إن هذا العلاج يبعث في نفس الطفل الكثير من الأمور الإيجابية في التعامل مع الغضب كلما تدرب على هذه الأساليب، ويؤلف القلوب وينزع الأحقاد، فالمتسامح قوي الشخصية، يورث فيه قوة التحمل والصبر عند الأزمات، كما يساعده على التفكير قبل اتخاذ القرار'

اقرأ أيضا