الاتحاد

الرئيسية

الاستيراد وغياب التخطيط يزيدان حدة أزمة البيض

صناعة الدواجن المحلية بين مطرقة التكاليف وسندان الإغراق

صناعة الدواجن المحلية بين مطرقة التكاليف وسندان الإغراق

سلطت أزمة نقص البيض التي شهدتها البلاد منذ ثلاثة أشهر الضوء على أهمية صناعة الدواجن الوطنية باعتبارها من صناعات ''الأمن الغذائي'' الاستراتيجية، وبلغ إنتاج مزارع الدواجن المحلية خلال العام الماضي نحو 610 ملايين بيضة بما يمثل حوالي 45% من الاستهلاك المحلي، ويبلغ عدد مزارع الدواجن في الدولة 43 مزرعة منها 18 مزرعة كبيرة و25 مزرعة صغيرة، وتتنوع ملكيتها بين القطاعين الحكومي والخاص، وأغلبها استثمار مشترك بين القطاعين الحكومي والخاص، ويبلغ إجمالي الاستثمار في صناعة الدواجن بالإمارات نحو مليار درهم·
وخفت حدة أزمة البيض خلال الأيام الماضية بتوفر كميات محدودة منه في الجمعيات التعاونية والمراكز التجارية، وكان البيض قد شح من الأسواق خلال الشهور الماضية بسبب منع الاستيراد من السعودية على خلفية ظهور حالات لأنفلونزا الطيور بها، وترافق ذلك مع ظهور سوق سوداء حقق فيها التجار والموزعون أرباحا كبيرة بعد رفع سعر كرتونة البيض من 13,5 درهم إلى 25 درهما، وتبارت محلات البقالة في بيع كراتين البيض بالحبة بعد رفع سعرها من 44 فلساً إلى درهم· ورغم أن مزارع الدواجن المحلية لم تقم برفع أسعار التوريد خلال الأزمة إلا أن عدم قدرتها على مجاراة الطلب المتزايد ساهم في تعميق الأزمة·
ويقول خبراء في السوق إن ثمة صعوبات وتحديات تواجه صناعة الدواجن وتغل يدها عن تحقيق الاكتفاء الذاتي للدولة، وتتنوع هذه الصعوبات بين ارتفاع أسعار المواد الخام ومستلزمات الصناعة من جهة، والمنافسة الأجنبية من جهة أخرى، فيما تتمثل أبرز التحديات في غياب الجهة الحكومية المسؤولة عن تنمية وتنظيم هذا المجال·
ويتجاوز حجم استثمارات صناعة الدواجن المليار درهم، وتشمل هذه الاستثمارات الصناعات التي تخدم صناعة الدواجن مثل صناعة الأعلاف وصناعة المعدات وصناعة مواد التعبئة والتغليف وتجارة وتصنيع الأدوية والمطهرات وغيرها·
مشكلات وصعوبات
تعاني صناعة الدواجن من مشكلات عديدة تعيقها عن تحقيق الاكتفاء الذاتي في هذه السلعة مثلما نجحت في ذلك دول أخرى أبرزها السعودية ومصر، وأولى هذه المشكلات أو التحديات التي تواجهها هذه الصناعة، كما يؤكد الشيخ حامد بن خادم بن بطي آل حامد رئيس اتحاد الإمارات للدواجن، هي ''أن غالبية مقومات الصناعة غائبة، والسبب في ذلك أن المواد الخام لصناعة الدواجن يتم استيرادها من الخارج وبصفة خاصة العلف الذي يشكل نسبة 75% من المواد الخام والتكلفة معا، فتربة أرض الإمارات لا تصلح لزراعة الصويا والقمح والفول السوداني والحنطة، ولذلك نحن نستورد العلف ونخلطه محليا''·
وتشير تقارير ''اتحاد الدواجن'' إلى أن 98% من مستلزمات صناعة الدواجن يتم استيرادها من الخارج، ولذلك فإن هذه الصناعة تتأثر سلبا بتقلبات أسعار صرف العملات الأجنبية وأسعار السلع عالمياً، وخلال الفترة الماضية تزايدت الأسعار بشكل خيالي كما يؤكد الدكتور كمال الحرايري، حيث ارتفع سعر العلف والصويا والنخالة والمركزات والبريكسات ومواد التعبئة وبيض التفقيس بنسب تراوحت بين 100% و400%، علما بأن غالبية هذه المواد وخاصة بيض التفقيس يتم استيرادها باليورو من الدول الأوربية، وقد شهدت الأعوام الأخيرة زيادة كبيرة في سعر صرف اليورو مقابل الدرهم إضافة إلى ارتفاع أسعار الشحن الجوي والبحري بنسبة لا تقل عن 40%·
ويلفت الدكتور مايكل نصيف ميخائيل المدير الفني لمزرعة أبوظبي للدواجن في سويحان الانتباه إلى ''معوق فني'' تواجهه مزارع الدواجن وهو أن هذه المزارع مازالت وليدة ولا تتوفر لها خطوط إنتاج ومزارع أمهات، مؤكدا على أنه لا يجوز مقارنة صناعة الدواجن في الإمارات بدول أخرى مثل مصر أو السعودية والتي لها باع طويل في تلك الصناعة وخطوط إنتاج ومزارع أمهات وجدود وإمكانيات أضخم وكوادر فنية، وقد أفرز واقع الصناعة الإماراتية حاجة ماسة لاستيراد الصيصان (صغار الدواجن)، ومع توسع الحظر المفروض من منظمة الصحة العالمية ووزارة البيئة والمياه على الكثير من الدول بسبب مرض أنفلونزا الطيور فلم يعد مسموحا للمزارع الإماراتية الاستيراد إلا من ثلاث دول فقط؛ هي ألمانيا وهولندا والبرازيل، ويقول ميخائيل ''للأسف لم يكن لدى الدول الثلاث القدرة الكافية لتغطية احتياجات غالبية دول العالم من الكتاكيت وبالتالي ظهرت قوائم انتظار من الدول والشركات الراغبة في استيراد الكتاكيت منها، وفي حالة التعاقد على دفعات الكتاكيت من تلك الدول يتأخر وصولها لأسباب تتعلق بالشحن وغيره، وتحتاج الصيصان لعدة أشهر لتكبر وتكون منتجة للبيض''·
غياب التخطيط
وأشار خبراء في المجال إلى ضرورة قيام مزارع الدواجن المحلية بالتخطيط طويل الأمد لتأمين احتياجاتها من الأسواق العالمية؛ حيث لم تبادر أية مزرعة إلى الاستثمار في زراعة أراض خارج الدولة بمواد العلف الرئيسية التي تحتاجها، وعلى سبيل المثال في السودان ومصر حيث الأراضي خصبة لزراعة القمح والصويا والفول السوداني، كما غابت الجهود التنسيقية بين المزارع بصورة كبيرة، وأكدوا على ضرورة وجود جهة تتبنى مطالب المزارع وتدافع عنها، حيث لا يستطيع اتحاد الإمارات لمنتجي الدواجن -الذي ظهر للنور عام 2001- القيام بهذا الدور لأنه تجمع غير رسمي؛ وقد رفضت وزارة الاقتصاد دعوته في اجتماعاتها الأخيرة لتدارك أزمة نقص البيض باعتباره، كما قال الدكتور هاشم النعيمي مدير إدارة حماية المستهلك في الوزارة ''كياناً غير قانوني''، ويسعى الاتحاد حاليا إلى العمل رسمياً من خلال اتحاد غرف التجارة والصناعة للحصول على صلاحيات تمكنه من دعم صناعة الدواجن·




65% إنتاج الكبار

يزيد إنتاج المزارع الـ18 الكبرى في الإمارات على 65% من إجمالي الإنتاج المحلي بما يقارب 422 مليون بيضة سنوياً منها 120 مليون بيضة لمزارع أبوظبي، و120 مليون لثلاث مزارع في دبي، و140 مليون بيضة لثلاث شركات في الشارقة و15 مليون بيضة لشركة في أم القيوين و15 مليون بيضة لشركة في رأس الخيمة و12 مليون بيضة لشركتين في الفجيرة·
ويشكل الإنتاج المحلي من البيض حالياً والذي يبلغ 610 ملايين بيضة سنوياً نحو 45% من حجم الاستهلاك المحلي للبيض الذي يبلغ ملياراً و300 مليون بيضة سنويا بمتوسط استهلاك يومي ثلاثة ملايين وستمائة ألف بيضة، وتستهلك الأسر 70% من نسبة المنتج المحلي بينما تستهلك المطاعم والفنادق ومصانع الحلويات نسبة 30%·
وتستورد الدولة سنويا نحو 720 مليون بيضة تشكل نسبة 55% من الاستهلاك المحلي من 5 دول رئيسية وهي الهند 350 مليون بيضة والسعودية 250 مليون بيضة وسلطنة عمان 75 مليون بيضة وهولندا 15 مليون بيضة والبرازيل 10 ملايين بيضة·

استغلال

تعاني صناعة الدواجن المحلية من استغلال منافذ التوزيع والوسطاء للمزارع المحلية، وبدا هذا الاستغلال واضحا في الأزمة الأخيرة -كما يقول الدكتور خالد عبد المنعم المدير الفني لمزرعة العين للدواجن- حيث باع الوسطاء والتجار كرتونة بيض المزرعة بسعر 30 درهما بينما سعر المزرعة لهم لا يزيد على 12 درهما، وقد رفع التجار الأسعار على المستهلكين ولم يرفعوها للمزارع، علما بأن مزرعة العين لم تزد أسعارها مطلقا·
وطالب أصحاب المزارع بإيجاد رقابة قوية من وزارة الاقتصاد على منافذ التوزيع للحد من استغلال الموزعين والوسطاء، ووقف ضغوط الوسطاء على المنتجين لرفع الأسعار وتقليص الخصومات التي يحصل عليها الوسطاء ومحال السوبر ماركت الكبيرة من المزارع ولا يستفيد منها المستهلكون مطلقاً، وأشار الدكتور حسين حسانين مدير شركة دواجن أم القيوين إلى ضرورة إيجاد آلية للتنسيق المتواصل بين المنتجين والبلديات والوزارات المعنية على غرار ما تم في مجال صناعة الألبان من خلال عقد اجتماعات دورية تكون قراراتها ملزمة وتطبق من قبل الجميع·

رفع الأسعار

طالب مسئولو مزارع الدواجن برفع أسعار البيض والدواجن بسبب ارتفاع تكلفة الإنتاج بنسب وصلت إلى 300% خاصة وأن أسعار البيض -كما أكد الشيخ حامد بن بطي- ثابتة منذ عام 1992 وخلال الست عشرة سنة الماضية ارتفعت تكلفة المعيشة وأسعار كل المواد الغذائية بنسب كبيرة خاصة الوقود الذي يستخدم في تشغيل غالبية مكائن المزارع ومن أهمها مكائن السخانات للعنابر وفي سيارات نقل وتوزيع البيض على المحلات الكبرى، ولابد أن تراعي الأسعار الجديدة دخول المواطنين والمقيمين·

الإغراق

أكدت دراسات لاتحاد الدواجن وآراء أصحاب المزارع على وجود ظاهرة الإغراق في مجال صناعة البيض، حيث تقوم دول مجاورة -في بعض أوقات العام- بتوريد كميات ضخمة من البيض والدجاج إلى سوق الإمارات بأسعار أقل من التكلفة بسبب وجود فائض كبير لديها، والمطلوب هنا -كما أكد الشيخ حامد بن خادم بن بطي آل حامد- تطبيق المواصفات المحلية على البيض المستورد ووضع بعض القيود على البيض المستورد مثلما تفعل سلطنة عمان· كما طالبت توصيات الاتحاد بتحجيم الاستيراد من خلال فرض شروط ومواصفات صحية في المنافذ وأهمية التطبيق الحرفي والدقيق لكل ما جاء في المواصفات القياسية لهيئة الإمارات للمواصفات والمقاييس على المنتجات المستوردة في جميع منافذ الاستيراد وبيع التجزئة، وأن تتم طباعة اسم بلد المنشأ على كل بيضة مع تاريخ الإنتاج الفعلي والشركة المنتجة، بالإضافة إلى ضرورة تحليل المنتجات المستوردة للتأكد من عدم إطعام الدجاج بأعلاف حيوانية أو أي إضافات هرمونية·
وطالب الدكتور حسين حسانين بحماية الصناعة الوطنية من الإغراق عبر السماح بنسبة استيراد تفي بعجز الإنتاج كما هو معمول به في مجموعة من الدول الخليجية الأخرى·



الاكتفاء الذاتي خلال عامين

أشار أحدث تقارير اتحاد الإمارات للدواجن إلى إمكانية الوصول إلى الاكتفاء الذاتي في دولة الإمارات من البيض والدجاج في مدة أقصاها سنتان، آخذين بعين الاعتبار حاجة السوق الحالية (مليار وثلاثمائة مليون بيضة سنويا) والمرشحة للزيادة في السنوات القادمة مع الزيادة المتوقعة في عدد المواطنين والمقيمين والزائرين في الدولة·وطالب الاتحاد بدعم حكومي للمواد الأولية التي تدخل في صناعة الأعلاف كما هو موجود في بعض الدول الخليجية كالسعودية التي تدعم العلف بنسبة 23%، مشيراً إلى أنه مع غياب الدعم الحكومي ترتفع كلفة الإنتاج المحلي بصورة كبيرة مقارنة بالمنتجات المماثلة التي تستوردها الدولة·

مضاعفة الاستثمارات

أكد عاملون بصناعة الدواجن المحلية على ضرورة مضاعفة استثمارات صناعة الدواجن وأهمية قيام اندماجات قوية بين المزارع خاصة الكبرى والتوقف عن أساليب التنافس غير المنظم فيما بينها، وأشاروا إلى أهمية تفعيل دور اتحاد الدواجن لتأمين استمرارية الإنتاج الوطني وتطوره، وزيادة دوره في تبادل الخبرات والمعلومات بين الكوادر الفنية العاملة في المزارع بما يعود بالنفع على الجميع ويرقى بجودة الإنتاج في جميع الشركات، مع إيجاد وسائل للتواصل بين المنتج والمستهلك وحمايته من أي استغلال أو مخاطر صحية من خلال التعاون مع جمعية حماية المستهلك·وأكدوا على أهمية دراسة متطلبات الأسواق المحلية والخارجية بصفة دورية ودراسة مستقبل الصناعة في ظل التطورات العالمية المتلاحقة والسريعة، والاستفادة من خبرات الدول العربية الأخرى التي اتبعت سياسة الحماية بصفة متلازمة تماماً مع سياسة الاكتفاء الذاتي من البيض والدواجن·

اقرأ أيضا

خادم الحرمين يبحث مستجدات الساحة الفلسطينية مع الرئيس عباس