الاتحاد

دنيا

بانوراما العلاقات الأسرية أنماط متشابكة من الحنان والعصيان

الود والتواصل يعززان علاقة الأبناء بالآباء

الود والتواصل يعززان علاقة الأبناء بالآباء

تفرض الثقافة الإجتماعية نمطا معينا لـ''بانوراما''العلاقات المتبادلة والمتشابكة بين أفراد الأسرة الواحدة، ولا سيما بين الوالدين والأبناء، ويحتفظ كل نمط بخصوصيتة التي تميزه، وبالتالي تتشكل علاقة الأبناء بالوالدين وفق الأطر التي تحدد معالم هذه العلاقة، فنجد ميل بعض الأطفال الذكور للتعلق بالأم دون الأب، أو ميل الأنثى ناحية الأب، وتبادله مشاعر الحب والود والتفاهم أكثر من الأم· وقد تبدو هذه الصور بسيطة للوهلة الأولى، ولكن مع تقدم الأبناء في العمر يكتشف أحد الوالدين أن علاقته بابنه أو ابنته، قد انهارت فيها معايير الود والثقة والتفاهم الإيجابي التي تنشأ في الأساس نتيجة الاحساس بالأمان مع الأب أو الأم· فالفتاة في جميع مراحلها العمرية تتأثر بوالدتها، وتحاكيها في كل شيء، وتعتبرها مرجعيتها الأولى في جميع شؤون حياتها، وخصوصياتها، وفي مرحلة المراهقة بوجه خاص نظراً لحساسيتها، وطبيعتها الخاصة والحرجة، وكثيراً ما تكون هذه العلاقة حذرة، ومتوازنة، وتدرك الأم خطورة هذه المرحلة التي تمر بها الفتاة دون أن تشعرها بذلك أو تسبب لها أي توتر، أو عناء، أو انحراف عن الطريق الصحيح·
الأمر ذاته لا يقل أهمية بالنسبة للمراهق الفتى، وحاجته الشديدة إلى أب قدوة، يفهمه، ويتفهم دوافعه وحاجاته وانفعالاته، ونجاح المراهق في اجتياز هذه الفترة بسلام وتوافق يتوقف إلى حد كبير على علاقته بوالده في هذه الفترة· ولكن ماذا يكون عليه الحال في حالة تعلق الولد بأمه، والبنت بأبيها؟ ولماذا نرى كثيراً من حالات التمرد والعصيان بين الفتاة المراهقة وأمها؟ وهل مشاعر حب الأم لابنتها كافية وحدها لإقامة علاقة إيجابية بين الطرفين؟ تساؤلات نحاول أن نصل إلى إجابات وافية لها·
مواقف وأنماط
فيصل علي رشيد''عشر سنوات''، يقول: أنا أميل لأبي أكثر من أي شخص آخر لأنه دائماً يقف إلى جانبي في كل المواقف الصعبة التي تمر عليّ، فهو الذي يصطحبني للمدرسة ويمنحني المصروف اليومي، الذي أتمناه دون أي نقاش، وعندما أطلب منه أن يأخذنا في نزهة بحرية أو برية، لا يتردد قط في تنظيم الرحلة فهو يحبني كثيراً، وأنا أيضاً شديد التعلق به وأشعر بالضيق والحنق عندما يغيب والدي عن المنزل ويتركنا مع أمي وأشقائي بمفردنا·
وتقول فاطمة الرميثي''موظفة'':''إن مسألة تعلق البنت بوالدها والابن بأمه أمر ملحوظ في معظم الأسر، والسبب في ذلك يرجع إلى ميل الأب لتدليل ابنته، وفرض الشدة والقسوة على الولد حتى يشب رجلاً قادراً على تحمل المسؤولية في المستقبل، ومنذ الصغر يغرس الأب في نفس ابنه معاني المثابرة في الحياة وتحمل المشاق ومواجهة الصعاب، وفي المقابل نجد أن الأم ولرقة قلبها على ابنها عندما تشاهد هذا السلوك الصارم الصادر من قبل الأب تحاول التخفيف عن الابن بشتى الطرق، فتسعى لتدليله وتعويضه الحنان المفقود من قبل الأب، لدرجة أن الكثير من الزوجات يتشاجرن مع أزواجهن بسبب سلوكياتهم التعسفية مع أبنائهم الذكور، وشيئاً فشيئاً يزداد تعلق الولد بالأم، ويتواصل هذا التعلق لدرجة تفضيل الأم للولد أكثر من البنت التي تنال الدلال المفرط من قبل والدها ومن والدتها أيضاً، لأنها في النهاية أنثى ولها نصيب الأسد من الحب''·
وتضيف عائشة الهرمودي''موظفة'' أنا وزوجي نعامل أبناءنا الذكور والإناث بالمثل دون تفضيل ودون تدليل للبنت أكثر من الولد، فالحياة صعبة الآن وبحاجة ماسة لعقول واعية تفهم متطلبات هذه الحياة وقسوتها، وبهذا لا يوجد مطلقاً مجال للتدليل وإغراق الأطفال في عالم الخيال، والحمد لله أطفالي الذكور والإناث يميلون للوالدين بشكل عادي جداً، وبالطبع أنا كأم أحاول السيطرة على سلوكيات ابنتي وتهذيبها وتوجيهها الوجهة الصحيحة حتى لا تختلط الأمور لديها وتبدأ في تقليد الأولاد· وهي أيضاً تحب والدها وتعتبره القدوة الأولى لها في حياتها وتحترمه وتسمع كل ما يوجهه لها بدون أي تردد أو رفض، ولا أتصور مطلقاً أنها تميل لأبيها أكثر مني بل أشعر أنها تميل إليّ أكثر من والدها وتتحدث معي بشكل مطول ولساعات، فأنا كاتمة أسرارها وهي تبوح لي بكل شيء دون أي حرج أما أمام والدها فهي تشعر بنوع من الحياء عندما تتحدث عن مغامراتها مع صديقاتها بالمدرسة·
السلطة القاهرة
في المقابل تقول علياء سعيد الناجي ''معلمة'': ''أجد أن ابني الصغير يرفض بشدة التحدث معي عن مغامراته بالمدرسة، ويفضل الحديث مع والده ويحاول تقليده في كل شيء حتى في لبسه، ويقول لي دائماً إنه رجل وأنا امرأة، ولا يحتاج مطلقاً للتدليل، لكن أمي''جدته'' تدلله كثيراً وتصطحبه في خروجها وزياراتها دائماً، قد أكون مشغولة في عملي، لكن لا يعني أنني بعيدة عنه، لكنني أشجعه على توحده بأبيه''·
صحيح أن الأبناء الذكور يميلون للأم والإناث للأب، وذلك راجع لأن الأب لا يتهاون مع الأبناء الذكور في التربية بعكس الأم التي تساوي بين الإناث والذكور في المعاملة والدلال لأنها في الأساس تربت في مثل هذه الأجواء، وعندما تزوجت وأنجبت، سعت لتطبيق ما تربت عليه في بيت والديها، وهذه سنة الحياة ولا مجال للاختلاف حول هذه الأمور، والحقيقة تقال إن شخصية الأم أو الأب تلعب دوراً كبيراً في ميل الأبناء لطرف دون الآخر وبالطبع البقاء للأقوى سواء تمثل ذلك في صفة الأب أو الأم·
وترى زينة حكمت فياض طالبة أن الأم تلعب دور السلطة القاهرة التي تنتقد باستمرار ولا ترضى عن ابنتها، وهي في سلوكياتها هذه لا تشجع استقلالية البنت ولا تدعم هواياتها، ومحاولاتها لتحقيق شخصيتها المستقلة· ومن المهم الانتباه إلى أن العوامل النفسية هذه تعمل دون وعي أو إرادة واضحة في كثير من الحالات، ومن المهم أيضاً التأكيد على استقلالية الابنة ونموها وتطور إمكانياتها وقدراتها وهواياتها في مختلف المجالات الإيجابية، فالحياة متغيرة باستمرار وتحتاج الابنة إلى قدرات متنوعة كي تستطيع مواجهة حياتها ومسؤولياتها بشكل ناجح· والأم المتوازنة الحكيمة تستطيع أن تشجع ابنتها باستمرار وتحاول أن تأخذ بيدها إلى ما فيه صالحها، ويمكنها أن تفرح وتسعد لتفوق ابنتها وتميزها في قدراتها المختلفة دون أن يكون ذلك تحدياً لكيانها وقيمتها· وأحياناً يحدث العكس الأم التي كانت مهملة وهي فتاة إذا كان بناؤها النفسي سليماً فتجدها تعطي حناناً بكثرة وتعوض في بناتها ما افتقدته وهي صغيرة· ويمكن أن يكون السبب الأكبر هو افتقاد الثقافة التربوية فنجد الأم متعلمة تعليماً عالياً ولا تعرف أي شيء عن أصول التربية والتعامل مع الأبناء· فالأم لم تعد تجد عند ابنتها وقتاً لتنقل ما لديها من خبرات ومعارف، لأن البنت مشغولة بالتعليم والمذاكرة حتى تتزوج وبعد فترة تصبح أماً لا تعلم شيئاً عن أصول التربية ولا إدارة المنزل ومن ثم لا تعلم شيئاً عن فترة المراهقة وخطورتها·

اقرأ أيضا