الاتحاد

دنيا

أسرة غزية تحارب الفقر بالخرز والإكسسوارات واجهت الحصار بالصبر وقابلت الحرب بالصمود

الفقر يقطن في بيوت هؤلاء البسطاء، إغلاق وحصار ثم حرب منهكة وتجويع وقتل وتشريد، كيف يواجه أهل غزة كل هذا؟ كيف تواجه الكف المخرز كما يقول المثل الفلسطيني؟ هذه الأم ابتدعت طريقة بسيطة ها نحن نعرضها عليكم·· حيث تتجمع عائلة المواطن أبو العبد شحادة يومياً حول الخيوط، وحبات الخرز لتصنع منها قلائد وأشكالاً زخرفية جميلة تجلب من بيعها قوت يومها·· مشهد جميل لعائلة متواضعة تعيش متماسكة وتكافح على هذه الطريقة منذ ست سنوات لأجل توفير لقمة العيش الكريمة لأطفالها وأفرادها·· ستجتاحك المشاعر حينها وستدرك فضل الله عليهم بأن جعلهم يداً واحدة تشكل مستقبلهم·
تقطن عائلة ''أبو العبد شحادة 42 سنة'' في مخيم اللاجئين المعروف بمخيم المغازي وسط قطاع غزة، ويتركز عملها كما قال أبو العبد في صنع الحلي والتحف التراثية من الخرز·
وتابع، وقد علا الحزن ملامحه: ''كنت عامل بناء داخل إسرائيل ومنذ بداية الانتفاضة وإغلاق الطرق في وجه العمال، فقدت كغيري من عمال إسرائيل كل مصدر للرزق''
وأضاف:'' لم نكن نملك إدخاراً أو أي عمل بديل، قضيت أياماً بائسة أنا وزوجتي وأطفالي، لا نملك فيها لقمة واحدة''·
وزاد: ''في يوم من الأيام كنت أتمشى أنا وزوجتي في السوق، ولا نملك إلا مئة شيكل يجب أن تكفينا لفترة، والله وحد يعلم مدتها، وبينما نحن نسير بجانب محل لبيع الخرز اقترحت عليّ زوجتي أن نشتري بما لدينا من نقود كيس خرز لنقوم بتصنيعه وبيعه''
وقال: ''أذكر في ذلك اليوم أنها صاحت في وجهي قائلة: هل ستطعم الأولاد خرزاً؟
قمت بطمأنتها بأني لن أفعل بالطبع وما عليها إلا أن تصبر قليلاً لترى ما سيحدث''
يذكر أن صنع الحلي بالخرز أو ''الشك بالخرز'' هواية تعلمها أبو العبد خلال الأيام الطويلة التي قضاها في السجن·
قال وقد بدا الارتياح على ملامحه: ''اشترينا خرزاً وبدأت بتعليم زوجتي وأطفالي كيفية صناعة عقد، سوار، حلى، وطوق، ونجف على شكل علم فلسطين''·
وأضاف: ''كانت أول منتجاتنا بسيطة عبارة عن خرز فقط لا يوجد بها قطع بلاستيك أو معدن، قمنا بإعداد مجموعة بسيطة حملتها زوجتي لتبيعها لطالبات الجامعة''·
وزاد: ''لكنها لم تنل إعجاب الزبائن، معللين بأنها موضة قديمة ولا تلفت انتباه أحد هذه الأيام''
''أصابنا الإحباط الشديد فنحن بهذا خسرنا كل شيء، لكن هذا لم يمنعنا من متابعة العمل حيث دخلنا على شبكة الإنترنت وقمنا بالبحث عن الموديلات الجديدة في عالم الإكسسوار والحلي وقمنا بتقليدها وكذلك اشترينا مجموعة من الإكسسوارات الجاهزة وقمنا بفكها واستفدنا من القطع الموجودة فيها''
وقالت ''أم العبد شحادة 38 سنة: ''لاحظنا الإقبال يزداد يوماً بعد يوم على منتجاتنا لأنها أصبحت تواكب الموضة''
عائلة شحادة المكونة من سبعة أفراد أصغرهم ''محمد ثمانية أشهر'' وأكبرهم دعاء 12 سنة، توزع العمل على جميع أفرادها كالتالي: أم العبد وأبو العبد يقومان باختيار الموديل ووضع الفكرة التي ستعمل عليها العائلة، أما ''دعاء'' فتقوم بتعبئة خرز الموديلات وتساعدها في ذلك ''سماء 11 عاماً'' ، ''أما عبدالرحمن 7 أعوام'' فيقوم بفرز الخيوط وتعبئة الطوق والسوار أما ''احمد 6 سنوات'' فمهمته التقاط الخرز الذي يقع على الأرض، وشراء الخرز والمواد الخام من السوق فهي مهمة أبو العبد وتسويق المنتجات مهمة أم العبد·
تقول أم العبد عن مهمتها الصعبة: ''كنت أستيقظ في الصباح الباكر، أرتدي ثيابي البسيطة وأحمل حقيبتي المملوءة بالخرز والتي لا تدل إلا على أنها طالبة من طالبات الجامعة جاءت بحقيبة كتبها تتلقى دروسها''
وأضافت: ''كنت أبيع الحلي وعلاقات المفاتيح المطرزة لطالبات الجامعة وأعود بمبلغ جيد، وهكذا مرت الأيام، والإقبال يزداد على منتجاتنا''
''لكن في يوم من الأيام حدث ما لم يكن بالحسبان فقد قام أمن الجامعة باكتشاف أمري وطردي خارج الجامعة واخذوا تعهداً علي بألا أعود للبيع داخل الجامعة''
قالت وقد انهمرت الدموع من عينيها·''تمنيت أن تنشق الأرض وتبلعني وقتها فكيف سأعود لأطفالي لا أملك حليبا أو طعاما لهم''
وتساءلت بمرارة: ''ما فائدة أن تعمل دون أن يرى عملك النور؟! فقد تحطمت بهذا كل آمالنا وأحلامنا وخسرنا كل شيء''
إصرار كبير
بعد خسارة العائلة التسويق داخل الجامعات، بدأت تتجه الى الأقارب والجيران وعرض منتجاتها عليهم·
فقالت: ''بعدها أصبحنا نعرض عملنا على الجيران والأقارب ونبيع في الأسبوع قطعة أو قطعتين لهم ''·· في يوم من الأيام قام مجلس الطالبات في الجامعة الإسلامية بغزة بالاتصال بنا وطلب منا المشاركة في معرض التراث السنوي الذي تقيمه الجامعة على أرضها·
وتابعت: ''حصل عملنا على إعجاب الزائرين الشديد، وبعنا الكثير من المنتجات التي سهرنا الليالي في صنعها، كم كنا سعداء بذلك''
معرض الجامعة الإسلامية ليس الوحيد الذي شاركت به العائلة ونجحت في جذب انتباه كل الزائرين والحاضرين فقد شاركوا كذلك في المعرض الذي تقيمه كلية مجتمع غزة المهنية، حصلوا خلاله على شهادة تقدير من منسقي المعرض وإدارة الكلية تقديراً لجهودهم وعملهم المتقن·
قالت وقد بدا الارتياح على وجهها: ''بعد النجاح الباهر الذي حققناه في المعرض كان لابد من إيجاد مكان دائم لعرض منتجاتنا وقد توفر هذا المبلغ بعد المبيعات العالية التي حققناها في المعرض'' وأضافت: ''قمنا بالفعل باستئجار محل في مخيم المغازي، وجهزناه ليكون مقراً لصنع وعرض المنتجات''
وتابعت: ''المكان نائي ومهجور، ولا أحد يقدر قيمة العمل هنا أو حتى يهتم به فالبساطة والفقر يغلبان على طابع الحياة، والكل يفكر بلقمة العيش وليس بالإكسسوار والتراث''
وزادت :''لكنه جيد على أي حال فالنقود التي معنا لا تكفي لمكان بمواصفات جيدة، أو حتى مواصفات أحسن من هذه''
بالإضافة إلى الحياة والحلم والهم المشترك الذي تعيشه أفراد العائلة لكن لكل منهم حياته الخاصة وحلمه المستقل، فجميعهم عدا محمد، طلاب في المدرسة متفوقون في دراستهم، ويحفظون القرآن في وقت الفراغ·
وقالت وقد خرجت من بين شفتيها تنهيدة عميقة: ''نقضي نهارنا كاملا هنا ونعود إلى البيت بعد مغيب الشمس، أراجع مع اطفالى دروسهم وأرتب البيت وأحضر وجبة غداء اليوم التالي'' وأضافت :''تواجهنا الكثير من الصعوبات في عملنا من أهمها مكان المحل النائي والحصار الذي لا يمنح فرصة للإنسان سوى التفكير بلقمة العيش كذلك الغلاء الفاحش في أسعار المواد الخام الذي بات يخنقنا فكليو الخرز الذي كنا نشتريه بعشرة شواكل اليوم سعره خمسون شيكلاً، كذلك الكثير من المواد مفقودة ولا نجدها''
''أريد لأطفالي أن يتعلموا الصبر وقوة الإرادة وأن يفهموا أن الحياة تحتاج إلى الكثير من القوة، المهم أن تفكر في تطوير ومساعدة نفسك''
بهذا اختتمت أم العبد شحادة حديثها معنا، لتشعر للحظة انك واقف أمام خبير في البرمجة اللغوية والعصبية، لتمعن النظر أكثر فتفكر في احتمال أن تكون أما طاعنة في السن تنهل لأبنائها من عظيم خبرتها وعلمها، لكنها ليست إلا أماً فكرت مع زوجها في إيجاد لقمة عيش كريمة تحفظ أبناءها من غدر الزمن وامتهان الكرامة، إنها باختصار أم من غزة الحصار والصمود·







الحرب خلفت وراءها مرضى نفسيين من الأطفال









غزة (الاتحاد) - خصصت قناة فلسطين رقماً مجانياً ليتصل أهل غزة بالأخصائيين النفسيين لمعرفة كيف يواجه صغارهم هذه الحرب بويلاتها·· فالأطفال في غزة منهم من لا يفارقون والديهم، ويصرون على النوم في أحضانهم، ومنهم من يطاردهم الموت في أحلامهم وساعات نومهم المضطربة، ومنهم من أصيب بتوتر وقلق وأصبحت كلمات ''قصف، شهيد، انفجار'' هي الكلمات الدارجة على لسانه باستمرار·
فقد أوضح أبو عمر أنه أصبح أسير أطفاله، لا يستطيع الخروج من المنزل، مشيرا إلى أن بعض أبنائه دون سن العاشرة باتوا يعانون من التبول اللاإرادي نتيجة شدة الخوف والهلع الذي ينتابهم على مدار الساعة·
وأكد أن الحياة باتت معقدة للغاية في ظل استمرار التهديد الاسرائيلي على القطاع، وقال'': نحن نعيش وأرواحنا على أكفنا، ونرى الموت بأعيننا في كل دقيقة تمر علينا·
وكانت فشلت محاولات المواطن أحمد بركات لنقل أطفاله محمد (5 أعوام) ومحمود (7 أعوام) وهبة (9 أعوام) من منزله إلى منزل جدهم في خان يونس طلباً للأمان، ولتخفيف حالة الذعر والهلع التي تصيبهم في اليقظة والنوم·
وأشار بركات الى أن محاولاته لإبعاد أبنائه عن أصوات هدير الطائرات كي لا يصابوا بأمراض نفسية وعضوية باءت بالفشل··
وأوضح أن أبناءه يعانون كوابيس ليلية من الذعر والخوف ومما يشاهدونه عبر شاشات الفضائيات، وما يسمعونه من أصوات·· مبيناً أن اللغة السائدة على ألسنة الأطفال هي ''يهود، طخ، نار، شهيد''·
وأشار إلى أن ابنته هبة تصيبها حالة هلع وهستيريا بمجرد سماع صوت طائرات الاحتلال، خاصة مع انقطاع التيار الكهربي، لدرجة تجعلها تجري وتهرول وسط الظلام مطلقة صرخات عالية·
وحاولت أم محمود الأخرس إخفاء مخاوفها هي الأخرى عن أبنائها، مؤكدة أن مخاوف كبيرة تساورها على حياة أبنائها ونفسيتهم، واعتبرت أن ما يتعرض له أبناؤها من خوف لا يقل خطورة عن الإصابة الجسدية، مشيرة إلى أن الأبناء يرفضون حتى فتح الكتب المدرسية للدراسة، كما يرفضون الأكل بشكل طبيعي مكتفين بأشياء بسيطة تسد رمقهم·
وأكدت الأخرس أنها لا تستطيع ترك الأبناء وحدهم أثناء الليل والنهار، لافتة إلى أنها اتبعت نظام مناوبة مع جدتهم ووالدهم، حتى يتمكنوا هم الآخرون من نيل قسط من الراحة·· حتى أنها طلبت من زوجها تزويد المنزل بالعديد من الألعاب وبعض أنواع المسليات حتى تنسي الأطفال مخاوفهم، إلا أنها اكتشفت أن كل شيء في غزة نادر أو معدوم·
وأضافت الأم: إن مخاوف الأبناء تزداد ليلاً مع انقطاع التيار الكهربائي المستمر بسبب تقطع الأسلاك، لافتة إلى أنها تحاول سرد القصص لأطفالها لإلهائهم·
وأكد زوجها حازم الأخرس أن أطفاله يعانون من توتر في النوم والأكل بسبب الخوف الشديد الذي يتعرضون له والناجم عن شدة الانفجارات التي تحدثها الغارات الجوية، وتدفع تلك المخاوف والأصوات إلى تدني نسبة التركيز عند الأطفال·
من جانبه، أوضح الطبيب النفسي يوسف عوض الله أن العدوان الإسرائيلي الذي أخذ طابع الشمولية هذه المرة، يأتي بالتزامن مع انقطاع التيار الكهربائي وانتشار الظلام الدامس في كافة أنحاء قطاع غزة، مما يجعل تأثير الخوف والهلع كبيراً جداً على الأطفال·
وأكد أن الضرر النفسي قد يكون أخفّ فيما لو تم القصف الجوي في ظل وجود الكهرباء، كون الطفل في هذه الحالة يرى على الأقل والديه وإخوانه إلى جانبه، مشيراً إلى أن ''القصف الجوي وسط الظلام الدامس يزيد من نسبة الرعب والخوف والدمار على المستوى النفسي·
وأوضح أن الغارات الإسرائيلية تتسبب في التبول اللاإرادي عند الأطفال وقلة النوم وتوتر نفسي دائم ورعشة، ويرى عوض الله أن البيت لم يعد مكانا آمنا بالنسبة للطفل، ولا حتى للكبار·
أخيرا كيف يحمى الكبار صغارهم؟؟ هذا السؤال الذي لا إجابة له·· فالموت طال كل شيء في غزة

اقرأ أيضا