الاتحاد

تقارير

سؤال الحرب الأميركية مجدداً!

توماس جيبونز نيف
رقيب في قوات المارينز ورئيس جمعية قدماء الطلبة المحاربين في جامعة جورج تاون


الأسبوع الماضي، أخبر «جوهر تسارناييف» المحققين -على ما قيل- بأنه وشقيقه قاما بتفجير القنبلتين بالقرب من خط نهاية ماراثون بوسطن، بسبب معارضتهما لحربي الولايات المتحدة في العراق وأفغانستان. وباعتباري جندياً في المارينز قاتلَ في أفغانستان في 2008 و2010، دفعني هذا الخبر للتساؤل: هل تسببت تلك الحرب في جلب فظاعات المعركة إلى الوطن؟
منزل عائلتي يقع على بعد بضعة مربعات سكنية من موقع الانفجار الذي قتلت فيه الشظايا المتطايرة ثلاثة أشخاص وبترت أطراف آخرين. وعندما قال لي أحد أقاربي بصوت متأثر وغاضب إنه يرغب في قتل من فعلوا ذلك، شعرت بأنني قد فشلتُ على نحو ما. كما بدا أفراد عائلتي، مثل أي من جنود المارينز الذين كنت ألتقيهم بعد دوس أحد الرفاق على عبوة ناسفة تقليدية الصنع: بدو غاضبين، مرتبكين، حاقدين. لقد تسربت الحرب عبر الباب الأمامي، والآن، ها هي والدتي التي كانت ذات يوم من الشباب الذي ينبذ العنف ويدعو للسلام، ترغب في الانتقام. عندما وقعت هجمات الحادي عشر من سبتمبر، كنت فتى في الثالثة عشرة من العمر، وبالكاد خرجت من مرحلة أفلام «البوكيمون». لكني أتذكر ذلك اليوم جيداً، على غرار بقية الأميركيين: قطع ضخمة من الفولاذ تنهار على بحر من الرماد.
وبحلول 15 أبريل 2013، كان إطاري المرجعي قد تغير. فاليوم، وأنا في الخامسة والعشرين، سبق أن عشتُ شرف إنهاء ماراثون بوسطن عدة مرات. وفي أفغانستان، كنت إلى جانب زملائي الجرحى، وشممت رائحة المعارك بالأسلحة والتفجيرات، وودعتُ أصدقاء أعزاء. لكني عدت إلى الوطن مؤخراً من أجل إكمال شهادة في اللغة الإنجليزية بجامعة جورج تاون.
صور تفجيري بوسطن ذكَّرتني بأشياء كنت أراها في إقليم جنوب هيلمند، وليس في الشوارع التي كنت أتسوق فيها عادة من أجل أعياد الميلاد. فقد شبَّه شهود كثيرون مذبحة الماراثون بـ«منطقة حرب»، وقد كانت كذلك بالفعل: أشلاء بشرية متناثرة، ووجوهاً مرعوبة، ودماء تسيل. ولعل الفرق الوحيد هو أن العدائين والمتفرجين في بوسطن لم يكونوا يرتدون دروعاً أو خوذاً. كما لم تكن ثمة طائرات هيلوكبتر تهرع إلى المكان وسط سحابة من الدخان الأرجواني لإنقاذهم. فهم لم يكونوا مقاتلين، بل كانوا غرباء، وأفراد عائلات، وزملاء عمل، وأصدقاء يرتدون أحذية رياضية، ويصنعون من قمصانهم المبللة بالعرق وأحزمتهم أشرطةً ليوقفوا بواسطتها نزيف الجرحى.
لقد اخترتُ الذهاب إلى أفغانستان بعد أن اقتنعت بأن ذلك سيساعد على منع هجمات مثل هجوم بوسطن. لكن بدلاً من ذلك، امتدت الحرب التي شاركت فيها إلى المدينة، حيث يذهب شقيقي (22 عاماً) إلى الكلية، وحيث كانت والدتي تشعر، حتى عهد قريب، بالأمن والأمان لتناول وجبة الغداء خارج المنزل.
الأخوان تسارناييف ليسا أول إرهابيين أشارا إلى التدخل العسكري الأميركي في بلدان أخرى كسبب لاستهداف المدنيين، ولن يكونا الأخيرين. وهو ما دفعني للتساؤل: هل جعلت حروب أميركا الوطن أقل أماناً رغم كل ما نبذله من جهد وتضحيات؟ صحيح أننا قتلنا وألقينا القبض على آلاف المتشددين الذين كانوا يريدون بالأميركيين شراً. لكن هل يمكن أن نكون ساهمنا في خلق المزيد منهم عبر قيامنا بذلك؟
الواقع أنه لم يكن من السهل دائماً تبرير المشاركة في حرب انتقلت من هدفها الأولي متمثلًا في خلع «طالبان» و«القاعدة» إلى جهد بناء الدولة الذي يبدو أنه جاء متأخراً بعشر سنوات. لقد استمرت الحرب لأكثر من عقد من الزمن، وأخذت تفقد شعبيتها بعد سنوات من النتائج المتفاوتة وفي غياب تعريف واضح للنصر. وكان شعار محاربة حركة التمرد، «التطهير - السيطرة - الاحتفاظ»، يتردد صداه في آذاننا، بينما كنا نقاتل عدواً مراوغاً، تمكنا لاحقاً من طرده من المدن ببطء. وعلى نحو تدريجي، أخذنا نقيس النصر بعدد الآبار التي ساعدنا على بنائها والوقت الذي مر من دون وقوع إصابة.
لكن بعضاً من أعز أصدقائي عادوا إلى الوطن في توابيت ملفوفة بالعلم، ولم يفسر لي أي أحد بشكل مقنع لماذا ومن أجل ماذا! وذات يوم مؤخراً، وبعد أن ألقى الرئيس الأفغاني خطاباً مفعماً بالأمل والتفاؤل في جامعة جورج تاون حول مستقبل أفغانستان، حظيتُ بفرصة لأسأله: ماذا تعني تضحية رفاقي في السلاح له ولأبناء بلده؟
لكن الجواب الذي تلقيته كان مخيباً للآمال. فقد أشار كرزاي إلى الحادي عشر من سبتمبر 2001، وإلى الحرب العالمية التي تشنها أميركا على الإرهاب، لكنه لم يجب مباشرة على سؤالي. وكنت أتمنى أن أسمع عبارة «شكراً» أو جملة تتضمن شيئاً من قبيل «أقدّر كثيراً». غير أن جوابه خلا من أي إشارة، أو تلميح إلى الامتنان والعرفان.
عندما كنت في أفغانستان، كنت آوي إلى فراشي في الليل وأنا أظن أنني أسهم في حماية وطني لأن استهدافي وزملائي كان بديلا أسهل بكثير بالنسبة لأولئك المصممين على إلحاق الأذى بالأميركيين. لكن تلك الحجة لم تعد معقولة اليوم إذا كانت الحرب التي شاركت فيها هي التي حركت أعداءنا داخل الوطن وألهمتهم.
إن الأخوين المتهمين اليوم بملء طنجرتي ضغط بمتفجرات وقطع وكريات معدنية، كانا مواطنين أميركيين. لكن مواطني كانا مسؤولين على ما يبدو عن شحن أمي بمشاعر كره عميقة، وعن قتل طفل في الثامنة من عمره وثلاثة آخرين، وعن مهاجمتهما لمدينتي.
الحق أنني أرغب في أن أصدق أن الحرب التي شاركت فيها حالت دون وقوع هجوم مثل هجوم بوسطن لبضع سنوات. وإذا كانت الـ16 شهراً التي أمضيتُها في أفغانستان قد أخرت التفجير ليوم واحد فقط، فإنها كانت تستحق العناء. غير أن حربي فشلت في مساعدة أولئك الأشخاص الذين تأذوا عند خط النهاية. وعندما انفجرت القنبلتان، كانت الحرب التي شاركتُ فيها قد وصلت إلى الوطن.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة «واشنطن بوست وبلومبيرج نيوز سيرفس»

اقرأ أيضا