تقارير

الاتحاد

سوريا... ماذا بعد «الخط الأحمر» الأميركي؟

ترودي روبن
محللة سياسية أميركية


هناك شيء غريب في النقاش الدائر حول الطريقة التي يتعين بها على الولايات المتحدة التعامل مع الاستخدام المحتمل للأسلحة الكيماوية من قبل بشار ضد شعبه، فقد صرح البيت الأبيض يوم الخميس الماضي أن سوريا ربما تكون استخدمت غاز السارين القاتل في حربها ضد المعارضة، وذلك بعد تقييمات مماثلة جاءت على لسان الفرنسيين والبريطانيين والإسرائيليين، وهو الأمر الذي يضع أوباما أمام معضلة حقيقية.
فقد أكد الرئيس في وقت سابق أن النظام السوري بلجوئه إلى السلاح الكيماوي سيعبر «خطاً أحمر»، وأن الأمر «سيغير قواعد اللعبة»، هذا بالإضافة إلى الدعوات التي أطلقها الحزبان معاً بضرورة بلورة رد أميركي على هذا التطور، فيما «البنتاجون» نفسها تعد ببدائل تشمل شن القوات الخاصة لهجمات محددة بهدف تأمين مستودعات الأسلحة الكيماوية وقصف الطائرات السورية.
لكن مع تواتر الأدلة التي تؤكد استخدام النظام السوري للسلاح الكيماوي، بدأ أوباما يراوغ مطالباً ببراهين مفصلة عن الهجمات التي قيل إن النظام السوري شنها ضد المعارضين مستخدماً غازات سامة، وهو أمر يستحيل الوصول إليه في ظل الفوضى المتفشية في البلاد، بحيث من الواضح أن أوباما يريد تفادي الانجرار أكثر إلى الدوامة السورية.
ومع أن الرئيس محق في توخيه الحذر، لكن ليس للأسباب التي يطرحها البيت الأبيض، فهو يتعين عليه بذل المزيد من الجهد لمساعدة المعارضة، التي تحققت منها الاستخبارات على أن يكون هذا الدعم جزءاً من استراتيجية شاملة للمنطقة، ما زالت غائبة حتى اليوم، وليس فقط كرد فعل على أي هجوم محتمل بالسلاح الكيماوي.
ولا أريد هنا أن يُساء فهمي، فلست أقلل من الخطورة التي تستدعيها صور استخدام السلاح الكيماوي ضد المدنيين، فقد زرت بلدة حلبجة في شمال العراق عندما قُتل قبل 25 عاماً، الآلاف من الأكراد بسبب إلقاء طائرات صدام الغازات الفتاكة على القرى الكردية، لكن ما سقط حتى الآن في الصراع السوري تجاوز 70 ألف قتيل فقط باستخدام السلاح التقليدي.
كما أن جرائم الحرب التي ارتكبها الأسد تشمل القصف العشوائي للمدن وضرب المدنيين بالصواريخ، ومع ذلك لم يتم التعامل مع هذه الجرائم على أنها «خط أحمر» لا يجب تجاوزه، بل الأكثر من ذلك بدأت الأزمة في سوريا تتمدد خارج الحدود ليصل لهيبها إلى العراق ولبنان والأردن وتركيا وإسرائيل، دون أن يحرض ذلك الإدارة الأميركية على إعلان خطوط حمراء.
فحتى اللحظة، رفض البيت الأبيض إمداد قادة المعارضة التي تحققت منها وكالة الاستخبارات المركزية بالسلاح القادر على صد قنابل الأسد وصواريخه ومدفعيته الثقيلة، بل لم تسمح بأكثر من توفير ضوء أخضر محدود لحلفائها في المنطقة لتزويد المعارضة بالأسلحة الثقيلة.
وفي المقابل لا تواجه الجماعات المتشددة ضمن المعارضة السورية أية صعوبة في الحصول على السلاح والمال من بعض الأطراف الإقليمية، الأمر الذي يساعدهم على استقطاب المزيد من الأنصار.
وقد أخبرني العديد من مقاتلي المعارضة بمرارة كيف أنهم يعتقدون بأن تلويح أوباما بالخط الأحمر في حال استخدام السلاح الكيماوي من النظام ما هي إلا ذريعة لتركهم يقتلون بالسلاح التقليدي.
لذا يتعين التعامل مع موضوع السلاح الكيماوي بحرص شديد، فقبل الأسبوع الجاري ظهرت ثلاث حوادث تدلل على احتمال استخدام النظام للسلاح الفتاك ضد المعارضة. وبحلول الخميس الماضي، تحدثت مجموعة الدعم السورية المستقرة في أميركا عن هجومين آخرين استخدم فيهما السلاح الكيماوي بضاحية «داريا» القريبة من دمشق، الأمر الذي نتج عنه دخول 130 مدنياً المستشفيات المحلية بأعراض تمثلت في تشنجات عضلية وصدرية، بالإضافة إلى آلام في الرأس وتقيؤ.
ومن الواضح أن الأسد لجأ إلى ترسانته من السلاح الكيماوي، وإن بشكل محدود، لبث الرعب في نفوس المدنيين، ولا شك أيضاً أنه يختبر أوباما ليرى مدى التزامه بالخط الأحمر الذي رسمه، بل الأكثر من ذلك تراقب إيران بدورها ماذا ستكون عليه ردة فعل الرئيس الأميركي بعد تحديده لـ»خط أحمر» آخر بشأن تطوير إيران لأسلحة نووية.
ففي حال اقتصر أوباما في رده على مطالب قانونية، ستتأكد دمشق وطهران من أن الأسد قد ينجو من الأزمة ويبقى في السلطة، كما أن الأمر سيعني للمنطقة أن النظام السوري قادر على الانتظار إلى أن يمل الأميركيون وحلفاؤهم حتى والبلد ينقسم و«الجهاديون» يكتسبون زخماً والصراع الطائفي يتوسع إلى عموم المنطقة، هذا بالإضافة إلى تأكيد رؤية «بوتين» في دفاعه عن الأسد رغم الأخطار.
والمشكلة أنه حتى لو رد أوباما بتدخل عسكري محدود لتأمين السلاح الكيماوي سيكون ذلك خطأ في ظل الفوضى التي تجتاح البلاد، والمخاطر التي تنطوي عليها مثل هذه الخطوة، ليبقى الحل في إعادة صياغة الولايات المتحدة لاستراتيجيتها في المنطقة وإقناع القادة العسكريين الذين ما زالوا ملتفين حول الأسد أن أميركا عازمة بالفعل على رحيله، وقتها فقط يمكن توقع انقلابهم ضده، فالطريق الأفضل للرد على الأسد وتأمين السلاح الكيماوي هو إظهار استعداد أميركا لتولي القيادة وإنهاء الكارثة السورية.
لكن حتى في ظل هذا التصميم لن تنخرط بقية الدول مع أميركا، ولن تنتبه لدعواتها ما لم يبدِ البيت الأبيض استعداده لبذل كل ما يمكنه من مال وسلاح وقوة في اللعبة الجارية.

ينشر بترتيب خاص مع خدمة
«إم. سي. تي. إنترناشونال»

اقرأ أيضا