الملحق الثقافي

الاتحاد

فنجانان وسيجارة

في المقهى جلستُ وحيداً إلى طاولة خشب عليها فنجان قهوة تركه رجل لا أعرفه، وبقايا سيجارة لا تزال نديّة، وورقة كُتب عليها رقم هاتف بلا اسم، ورائحة أنثوية لا تزال تحوم فوق الطاولة. عادة لا أقصد المقهى وحيداً، ولكن ثمة ما لفتني وأنا أعبر أمامه. شعرت بأن الطاولة تناديني، وأن الكرسي يتوقع حضوري. جلست على عجلة، ينتابني إحساس بأن الكرسي المقابل لي يرحب بي.
في الزاوية، سبعيني يتكلم بصوت عالٍ مفاخراً بقدرته على الزواج مجدداً كما لو أنه لا يزال ابن 20 ربيعاً. مراهقة تجلس بقربه تضحك بخفة احتراماً لمشاعره، ونادل يشرح لزبون أن عادات السبعيني لم تتغير منذ سنتين، بيد أن الحظ لم يبتسم له، ولم تبد أي من نساء المقهى اهتماماً به.
رائحة البن الطازج تُغري الرواد، وتستقطب المارة وتفتح شهية الزبائن لفنجان قهوة ثانٍ وثالثٍ ورابعٍ... ثمة من يناديني باسمي. غريب. لا أعرف أحداً في المقهى، ولا في المنطقة كلها.
رأيت فنجان القهوة يشير صوبي ويقول: «أنت أيها الأبله، أنا أناديك، أريد أن أخبرك شيئاً، ما بك ألم تر من قبل، فنجان قهوة يتكلم؟». لم أصدق. فنجان القهوة يتكلم لغة عربية واضحة، وبصوت رجولي مخيف، أجبته: «لقد قرأت عن ذلك في الروايات، إنما لا أحد يستطيع تصديق أن فنجاناً يتكلم، فلو كُنتُ في اليابان قد أصدق أن هناك فنجان قهوة إلكترونيا قادرا على الكلام!».
قال: «اذاً اعتبرني فنجان قهوة سقط سهواً من إحدى الروايات وجارِني».
? ماذا تريد؟
الفنجان: ثمة جريمة ستحصل بعد قليل وعليك إخبار رجال الشرطة وتنبيههم، الوقت يداهمنا، وإذا لم نسرع سيتحول المقهى إلى مقبرة.
? لا أصدق كلامك، أصلاً لست مقتنعاً بأنني في كل قواي العقلية، فنجان قهوة يتكلم! ارحمني ياالله وقني عذاباتك.
الفنجان: اسمع أيها الفتى سأحمّلك المسؤولية كاملة إذا أصابني مكروه، لا أريد أن أتكسر في مكان يعج بالأغبياء، كما أن عائلتي في انتظاري.
? مهلاً، مهلاً، عائلتك؟ هل أنت متزوج ولديك أطفال وأقارب ومسؤوليات وشقة مستأجرة ومصاريف مدارس وطبابة وضمان اجتماعي وعادات وتقاليد؟
الفنجان: طبعاً أيها الأبله.
أفرك عينيَّ باستغراب وأنظر إلى الساعة. إنها السادسة مساء. لا أحتسي أي شراب كحولي، كما أنني لا أتعاطى المخدرات، إلا أنني آمنت بأن الله على كل شيء قدير!
? حسناً، أخبرني ما هي الجريمة؟
الفنجان: اسمع، الرجل الذي كان جالساً هنا على الطاولة قبلك، خطط لتفجير المقهى لأن بعض أرباحه مخصصة لدعم القوى المعارضة في المريخ!
? تخطيط، تفجير، معارضة، مريخ، بالله عليك يا فنجان، ما كل هذا، ومن هي تلك القوى؟
الفنجان: يا لك من معتوه، ألا تقرأ الصحيفة يومياً، هذا المقهى مسؤول عن تشريد معظم أفراد عائلتي.
? يا سلام، أفهم منك أن القوى المرّيخية، غضّت النظر عن مجازر زحل وعطارد، والقُبَل النووية التي قُصف بها القمر، وراحت تهتم بمقهى حقير وفناجين متعفنة؟
الفنجان: اسمع من دون تهكم، يوم قصف الجيش المعمل الذي صُنعت فيه، كنا في صناديق ومجهزين للتصدير، إلا أن ضراوة القصف كسرت بعضنا فتفرقنا، واضطر صاحب المعمل لأن يبيع الكمية المتبقية من الفناجين بالمفرد، أفهمت؟
? حسناً، حسناً، ولكن، كيف لي أن أساعدك؟
الفنجان: كل ما عليك القيام به التوجه إلى الشرطة وإخبارهم بأن ثمة قنبلة ستنفجر في المقهى وعليهم استدعاء فرق التفتيش وفك المتفجرات.
? يا سلام بكل هذه البساطة، وهل تعتقد أن الشرطة ستصدق كلامي من دون أن تحتجزني وتحقق معي، وتعرف كيف حصلت على المعلومات.
الفنجان: أخبرهم الحقيقة.
? أي حقيقة أيها... لا أدري بما أنعتك؟
الفنجان: محسوبك أبو كاكاو، أحب مذاقة كثيرا لذا أسميت ابني على اسمه.
? حسنا يا أبو كاكاو، هل أخبرهم وأنا أبتسم بأن فنجاناً في المقهى أخبرني ذلك؟
الفنجان: إنها الحقيقة، أنتم البشر عنصريون إلى أبعد الحدود.
? وأنتم الفناجين مجانين!
الفنجان: إذا كنت لا تصدقني اسأل ما تبقى من السيجارة.
السيجارة من دون سابق إنذار: ما يقوله الفنجان صحيح، ثمة تفجير سيحدث بعد ساعات.
أسمع صوتاً تفوح منه رائحة دخان، أتفحص السيجارة مندهشاً.
? حتى السيجارة تتكلم، يا الله ما هذه الأمسية المجنونة.
السيجارة: ماذا؟ ألا أعجبك، أم أنك تفضّل الفناجين؟
الفنجان للسيجارة: الوقت ليس مناسباً يا عزيزتي للشجار، علينا أن نسرع قبل أن نموت جميعاً.
السيجارة: أقنع هذا الأبله بالإسراع ولا تلمسني، كل ما أريده أن أتبخر بسلام وأغادر هذا المقهى المتعفن.
يقترب مني النادل ليسألني إن كنت بخير فأسأله: ألا أبدو كذلك؟
النادل: المعذرة، لكنك منذ وصولك وأنت تكلم نفسك بصوت منخفض، أرجو أن تكون على مايُرام.
السيجارة والفنجان يضحكان فأغضب منهما وأرمقهما بنظرة مخيفة. أطلب من النادل فنجان قهوة وأسأل السيجارة: «أخبريني بالتفصيل ماذا حدث، أنت يا أبو كاكاو لا تتدخل».
السيجارة: كنت ورقة تبغ خضراء...
أقاطعها: لا، لا، لا أريد معرفة قصة حياتك أقصد ماذا حدث بعد أن أطفأك الرجل ورحل.
السيجارة: آه فهمت. كان الرجل غاضباً وبدت عليه علامات التوتر، وكان يرسل رسائل نصية قصيرة، من هاتفه الخليوي، أعتقد أنها إشارات لبدء العملية، أعجبتني كثيرا رائحة الفتاة التي كانت برفقته، كنت أريد أن أسألها ما اسم عطرها، ولكنني لاحظت أن كثرة العمليات التجميلية التي أجرتها أرعبتني، فسكت. يضع النادل فنجان القهوة وينصرف، فينظر الفنجانان واحدهما إلى الآخر بطراوة.
الفنجان الأول: هل التقينا من قبل؟
الثاني: لا أعتقد ذلك.
الأول: إذاً التقينا الآن.
الثاني: I guess so.
الأول: هل سمعت ما كنا نتكلم عنه؟
الثاني: لا يهمني، كنت في الصالة أتأنق للقاء شفتين جديدتين تشربان ما في حوزتي من بن طازج.
الفنجان الأول: آه أنتِ منهن إذاً.
الفنجان الثاني: ماذا تقصد بمنهن.
الأول: لا شيء، لا شيء.
السيجارة: ما بك أيها الفنجان، نحن نتكلم عن تفجير وقتل ودمار، وأنت تغازل فنجاناً وصل للتو.
الفنجان: المعذرة يا صديقتي، لكن الفنجان الجديد ذكرني بإحداهن وبأيام خلت.
السيجارة: ما علينا.
- لا أصدق ما يحصل، فنجانان كانا يتغازلان وسيجارة منعت ذلك، ولولا تدخلها السريع الله أعلم ما كان سيجري أمام الخليقة في المقهى، حقاً إنها لليلة غريبة، اسمعوا، أنا مشوش الفكر لست قادراً على تصديق قصة التفجير.
الفنجان الثاني: أي تفجير وأي قتل ودمار؟
الأول: لا عليك يا صغيرتي أنت في أمان معي لا تخافي.
السيجارة: وأنا؟
الفنجان الأول: وأنتِ أيضاً، قهوة بلا سيجارة لا طعم لها.
- المعذرة، ولكنني سأغادر حالاً، لا أريد التدخل في شيء لا يعنيني، ولا أريد الذهاب إلى الشرطة، فأنا أخافهم، إضافة إلى أنني لا أرغب في أن أبيت ليلتي في السجن. إلى اللقاء.
أخرج من المقهى على وقع صراخ الفنجانيْن والسيجارة: نرجوك أن تعود، لا نريد الموت، خذنا معك، لدينا عائلات وأطفال في انتظارنا. أكمل مسيرتي على الرصيف المحاذي للمقهى. لحظات وأسمع دوي تفجير. أنبطح على عجل صادماً رأسي بالأرض بقوة فتسيل دماء على جبيني، أتحسسها، كم هي دافئة. أخبئ رأسي من عويل الفنجانين والسيجارة غير مصدق ما حدث.

اقرأ أيضا