الاتحاد

الملحق الثقافي

ألسنيات الأطفال

عالجت التقاليد الشفهية عدّة ظواهر بهدف حل مشكلة التواصل، وكذلك للإجابة عن سؤال جوهريّ هو: «كيف السبيل إلى حفظ الذاكرة الاجتماعية من الضياع»؟ ويأتي كتاب لويس جان- كالفي، الموسوم بـ»التقاليد الشفهية ذاكرة وثقافة» الصادر عن مشروع كلمة التابع لهيئة أبوظبي للسياحة والثقافة، بصفحاته الـ 180 من القطع المتوسط، وتولى ترجمته إلى العربية الدكتور رشيد برهون، من مقدمة وسبعة فصول وخاتمة، وثبتين بالمصطلحات، والمراجع. لكي يجيب عن هذا السؤال.
جاء في الكتاب «أنّه كلما تحدثنا عن التقاليد الشفهية، تبادرت إلى ذهننا صورة مجتمعات منزوية في قاع الأدغال، أو منعزلة في أعالي جبال لاتطؤها قدم إنسان، بعادات غريبة، وثياب فاقعة، ولها عوض الفن صناعات تقليدية، لهذا يصبح من الضروري إعادة الاعتبار للثقافة الشفهية، بدءاً بالدعوة إلى رفض هذه النزعة الإغرابية المبتذلة، وهذه الرؤية المتلصصة التي لا تقبل الآخر إلاّ في غرابته وليس في اختلافه. وأكبر صعوبة يواجهها الباحث وهو يكتب عن الشفهية، تكمن في تصوره لهذه الظاهرة انطلاقا من معايير المجتمعات ذات التراث المكتوب».
ثم أجاب المؤلف عن سؤال كيف يتعامل الباحث، وتحديداً المؤرخ مع الوثائق الشفهية؟ فقال: وأنى له أن يعتمدها وهي تقدم له الروايات المختلف، المتناقضة أحيانا؟ إننا في الحقيقة أمام أسئلة وليدة منطق مجتمعات التقاليد المكتوبة؛ فما يعد خلالا لصيقا بالشفهية، هو في حقيقة الأمر المبدأ المؤسس لها. أن تنويعات النص تتدرج في إطار أسلوب يستهدف التخزين في الذاكرة، ويضطلع أيضاً بوظائف أخرى، ونعني بذلك الأسلوب الشفهي. والقضية هنا ليست قضية تقابل بين التذكر والارتجال، وقياس درجة أمانة النص الشفهي، او عكس ذلك درجة انزياحه واختلافه، ولكنها قضية رؤية ترى أن النص الشفهي ليس واقعة إغْرابية أو قديمة، ولكنه حاضر معنا، يعايشنا ويستمر في ثنايا الأشكال التي نتعامل معها يومياً.
كما يرى جان كالفي في مقدمة كتابه «التقاليد الشفهية والتقاليد الكتابية» إلى أنّ مفهومي التقاليد الشفهية والتقاليد الكتابية يأتيان على شكلين من التواصل اللغويّ يحددّان بدورهما نمطين من المجتمعات. بيد أنّ هاتين التسميتيْن لا تستنفدان كلّ الاحتمالات الممكنة، فهما لا تشيران سوى إلى الحدّيْن القُصوَيَيْن ضمن مجموعة من الإمكانات التي يمكن اختزالها حرصاً على التبسيط المنهجي...
تناول الفصل الأول «التقاليد الشفهية وتدريس اللغة»، لبيان مجتمعات التقاليد الشفهية التي تكشف عن معرفة مماثلة باللغة لا تقلّ دقّة أحياناً عن المعرفة السائدة في الغرب لكنها طبعاً لا توجد في مؤلفات النُحَاة أو البلاغيين، وإنما وجد المؤلف أثراً لها في مجموع الألعاب المُخصصة للأطفال، والتي أدرجها ضمن أربعة أصناف في هذا الفصل والمتمثلة في كل من: عاميات الأطفال، حيث يمارس جميع الأطفال لعبة العميات المُسنّنة عن طريق تغيير رتبة مقاطع الكلمة، ثم المتقاربات الصوتية المتكررة حيث ذكر نماذج من العبارات في اللغة الفرنسية منها ما أُخذ من لغة «الولوف»: «بو ديمي والْوا سيلو ياءا انْغايْ سولي سووْوبو باءايْ ساءاليوُو»، «إذا ذهبت إلى الضفة الأخرى، فالعجول تُخرِج من القبر ما دفنه الأب سالْيو»، أما الأحاجي، فقد عرّف المُعجم الأُحجية بكونها «سُؤالاً يجب حرْز جوابه»، و«الحكايات ذات المفاتيح»، إذ ذكر المؤلف ما قدمه د. نوي وقائع أخرى تظهر من جديد مشكلة الفئات الاسمية. يتعلق بحكايات يتحقق انسجامها الداخلي فقط بفضل وجود أسماء تنتمي جميعها على الفئة نفسها.
ويورد للدلالة على ذلك ثلاث حكايات يطلق عليها الأسماء الآتية:«حكايات الفئة نْغول، وحكايات الفئة نْغو، وحكايات الفئة نْجي»، وفيها جميعاً» تحسّ مجموعة من الكائنات المختلفة جداً من حيث طبيعتها، أنّ هناك رابطاً يشدّ بعضها إلى بعض، وهو نوع من الانتماء الفئوي الذي يُحدد هُوية الفئة التي تنحدر منها». وخصص كالفي الفصل الثاني من كتابه للحديث عن «بنيّة النصّ الشفهيّ»، الذي أوضح أنّ: كلّ أطفال العالم تعلموا من أمهاتهم عموماً أناشيد ومحفوظات وحكايات تشكل جميعها التراث الثقافي المشترك بين أفراد مجموعتهم اللغويّة، ليتابعوا بعد ذلك تعلم الأمثال والعبارات المسكوكة. ثم تناول الحديث عن «عكاكيز سونجاتا» المأخوذ عن تراث قبيلة ماندينغ وهو يحكي حياة وإنجازات إمبراطور «مالي» في القرون الوسطى «سونجاتا»، أعقبه بنص آخر هو «ناماندو ينشر الكلمة»، وهو عن أسطورة غْواراني، بعدها عرض «لصوت الكْيوندو» وهو طبلٌ خشبيّ يستعمله أفراد قبيلة لوبا في شمال لشرق زائير لبعث الرسائل بفضل ما يُسمى لُغة الطبل، وختم المؤلف الفصل عن «الأسلوب الشفهي».
أما «الشفهية والإيمائية وقياس العالم» فكانت محور الفصل الثالث، كون الشفهية ترتبط من وجهة النظر هذه بمجال الإيمائية، رغم أنّ لها تصويريتها الخاصة، وأوضح للكيفية التي تتعامل بها هذه الإيمائية مع مسألة قياس العالم من خلال عدّة نصوص مثل نصّ بوبول فوه، الجسد والفضاء، والجهات الأربع».
بينما جاء الفصل الرابع «الكون التصويريّ للتقاليد الشفهيّة»، ليوضح بأنّ اللغة ليست سوى نسق من العلامات من بين انساق أخرى، وعلى الرغم من أنّها قد لا تكون مكتوبة، فإنّها قد ترتبط بعلاقات مختلفة مع الأنساق التصويريّة، كما استبعد المؤلف العلامات الهامشيّة والعرضية للاقتصار فقط على ما يتعلق بقضيتي النقل وتنظيم المجتمع لأن في ذلك مَتْنٌ غنيّ واسع.
في الفصل الخامس «أسماء الإنسان»، شرح المؤلف للقارئ إلى أنّ كثيراً من اللسانيات قد عجزت عن تحليل أسماء الأعلام، وقد سبق لفردينان دي سوسر نفسه أن لاحظ أنّ «الأشكال الوحيدة التي عجزت عن دراسة التماثل عن الإحاطة بها هي أسماء الأعلام، وخاصة أسماء الأمكنة مثل باريس وجنيف وآجان... وهي كلّها لا تسمح بأيّ تأويل لعناصرها؛ وليس ثمة أيّ عنصر لغويّ مُستحدث يمكن أن ينافس أسماء الأعلام في هذه الخاصيّة». وتناول في هذا الفصل لأسماء الأشخاص، ومن اسم الشخص إلى اسم الحيوان، والاسم حامل رسالة.
في حين خصص جان كالفي الفصل السادس من كتابه لـ»التقاليد الشفهية والتاريخ»، والذي أفرد له حديثه عن «وعي تاريخي معين»، «التراث الشفهي والتاريخ المكتوب»، كما أعقبه «بعنف الكتابة مادة» للفصل السابع، حيث يشكل التاريخ الخاص للعلاقات بين اللغة وتدوينها، ضمن التاريخ العام للعلاقات بين عالم الإيماء والعالم التصويريّ، مُسلسلاً طويلاً يؤرِّخ لظهور الكتابة ويرسم مراحل تطورها، موضحاً إلى بعض الوقائع التي ليست محط جدال في هذا الأمر، ثم أشار لكل من» درس الكتابة، ومحو الأمية والتنمية.

اقرأ أيضا