الملحق الثقافي

الاتحاد

السرد مرآة السياسة

«كان يا ما كان» عبارة تبدأ بها الجدات حكاياتهنّ، استعارها الناقد الروائي سلمان زين الدين لتكون عنواناً لكتابه الصادر حديثاً عن الدار العربية للعلوم ناشرون، وفيه قراءة لأربع وستّين رواية تطرح بمجملها أسئلة الواقع العربي الذي يتخبّط بعناوين كبرى تتراوح بين السياسي والتاريخي والقومي والوطني والاجتماعي والفردي والثقافي والفني والحضاري والديني والاستعماري... وبتلك العناوين مجتمعة، تتشكّل وثيقة نقدية تلعب دور الحكواتي الذي يمارس فتنة السرد راصداً حركة المجتمعات العربية في محطات من القرن العشرين، والعقد الأوّل من القرن الحادي والعشرين.
في «كان يا ما كان»، تتجاور الروايات من دون حشر الروائيين في الخانة نفسها بحسب ما يوضح الناقد، فبعضها هي الأولى لأصحابها وقد لا تخلو من تعثّر البدايات. وهناك روايات تتوّج مسيرة روائية طويلة لأصحابها تمخّضت عن عشرات الروايات. يميّز: «بعض الروائيين مغمورون. وبعضهم مكرّسون طبّقت شهرتهم الآفاق العربية وغير العربية. ومع هذا لم يشكّل العدد أو الشهرة معيارين للقراءة. فأنا لا أقرأ في ظل وهج الاسم أو سطوة العدد، بل أنطلق من النص، ما يقول وكيف يقول، لأقول قراءتي الخاصة التي لا تدّعي احتكار الحقيقة النقدية، وجلّ ما تطمح إليه إضاءة العمل المقروء». أمّا القراءة التي حرص على تقديمها، فتلك الوسطى التي تخاطب القارئ العام من دون الانزلاق إلى درك القراءة الانطباعية السريعة، أو الغرق في متاهات النقد الأكاديمي ونظرياته المعقّدة. ويأتي في جوهر تلك القراءة أن تقوم على التوصيف والتفسير والتحليل والتأويل والتفكيك والتركيب إلى ما هنالك من مهارات قرائية ـ نقدية.
ترصد الروايات ال64، تلك العلاقة المتأرجحة بين الخير والشر، السلم واللاسلم، الواقع والمتخيل في حياة الانسان العربي على مدى قرن ونيف. فإذا بالرابط المهزوز بين المواطن والسلطة، يحتلّ الحيّز الأوفر على صفحات حبلى بالظلم ومصادرة الحقوق. يبرز ذلك في رواية «من أنت أيّها الملاك؟» للكاتب الليبي ابراهيم الكوني، مقارباً بأسلوب روائي هجين يختلط فيه الحياتي بالحكائي، والواقعي بالأسطوري، ذلك الصراع غير المتكافئ بين المواطن والدولة. فالأوّل مفهوم غيبي غير موجود، والدولة مفهوم أسطوري تروح تصادر الحقوق واحداً تلو الآخر مخرجة المواطن من التاريخ والجغرافيا بغرض العودة إلى مرحلة ما قبل الدولة.
في شخوص الروايات، يختلط الأبطال بالضحايا، والمخلصون بالخونة، والمصالح السياسية بالعواطف الشخصية، والتاريخ بالسيرة، والواقع بالخيال، فيبرز الصراع على السلطة بين الأخوة، القبائل، الولاة، وبين الدول. وتبرز سياسة «فرّق تسد» التي تقوم على دعامتين: البقاء في الصراع للأقوى، والقرار المحلّي لا ينأى بنفسه عن القرارين الإقليمي والدولي. أمّا انعكاسات الحروب، فترصد الانهيارات الخاصة والعامة في مثلث زواياه السياسة والجنس والجن. فبطل أحمد بزون في روايته «جسد بلا غد»، يطوي النفس على خيبات كبيرة، فاقداً ثقته بالإطار الحزبي الذي ينتمي إليه «ولاسيما النخبة فيه، أولئك الذين يقولون ما لا يفعلون، ويعانون فردية قاتلة في اتخاذ القرارات وازدواجية في حياتهم اليومية».
وهو الحال الذي أصاب الكثير من الحزبيين الذين وجدوا أنفسهم يحكون لغة مغايرة عن الواقع. أولئك الذين استسلموا في لحظات الضعف إلى الجنس أو جلسات المشعوذين في محاولة لاستقراء الغيب. وباستشراس الحرب تصير شخصيات الرواية ضحايا المرحلة السوداء، كما في رواية «إنه يحلم أو يلعب أو يموت» للكاتب العراقي أحمد السعداوي، إذ تنعدم المسافة بين الحياة والموت، بين الحياة والحكاية، بين الذاكرة والمخيّلة، بين الحاضر والماضي، بين الوقائع والتخيلات، فتغدو الفوضى السردية بنّاءة تفرد للتجريب والحرية هامشاً ملحوظاً. أمّا النهايات، فتنطوي في الغالب على نفي وإحباط وعزلة واغتراب وعدم استقرار، وهي نهايات متوقعة لشخصيات تخشى ماضيها، تضيق بحاضرها، وتجهل مستقبلها. شخصيات تعيش في الماضي أكثر مما تعيش في الحاضر، فيكون الهروب على حد توصيف الناقد: «من تحت دلفة الوقائع إلى مزراب الذكريات».
في جولة روائية عربية، ما زالت الرواية اللبنانية تتجرّع فصول الحرب الأهلية وانعكاساتها على المواطن والحزبيين والمقاتلين. وفي جنوب السودان، المشكلة في الأعراف القبلية التي تجعل العلاقات بين الأفراد محكومة بمصائر قاتمة وأفق ضيّق (رواية «رعشات الجنوب» لأمير تاج السر). وفي العراق حضور موجع للحرب العراقية ـ الإيرانية وقمع النظام والحروب الداخلية، كما في رواية «شوارع العالم» لجنان جاسم حلاوي. وفي اليمن يكشف الروائي حبيب سروري عن المناطق المحرمة، فيشير الى الأب، اليمن، الحاكم... وفي الجزائر الإرهاب موضوعة محورية، كما في «أصابع لوليتا» لواسيني الأعرج. وتتوالى محاولة تعرية العلاقة المضطربة بين المواطن والحاكم والوطن في دول عربية عدة، بحيث يتعذّر وجود وجه إيجابي لتلك العلاقة، وهو الأمر الذي يؤكد أنّ العربي بطبعه حين يريد أن «يفضفض» ينظر إلى كوب السرد من نصفه «الفاضي». أما المرأة، فتائهة بين الاعتبارات الخارجية والعائلية، تارة تنشد الحرية وكثيراً تتقوقع دون أدنى مقاومة أو دفاع عن حبها، فتبدو شخصية انهزامية، ضعيفة وإن بدا أنها مبادرة. وهو الأمر الذي دفع الكاتب نزار دندش في روايته «حب عابر للقارات» إلى طرح السؤال: هل يستطيع الحب عبور القارات إذا فشل في عبور المذاهب والعائلات؟». وفي الأجواء الرومانسية والعلاقات الانسانية، تحضر الخيانة والغدر والعبث والاستهتار محتلة مفردات العاشق.
في المقاربة الروائية للتاريخ، يسأل الناقد بالاستناد إلى رواية «قناديل ملك الجليل» لابراهيم نصرالله: «هل يستطيع الروائي رواية التاريخ ويبقى أميناً للحقيقة التاريخية؟ وهل يمكن أن تتناول الرواية شخصية تاريخية من دون أن تخرجها من تاريخيتها وتحوّلها إلى شخصية روائية مفارقة لتلك التاريخية؟». وفي الإجابة عن السؤالين، يفرّق بين التاريخ والرواية: «التاريخ علم خاضع لآليات البحث العلمي التاريخي وتقنياته، بينما الرواية فن خاضع لمقتضيات الفن الروائي وتقنياته. وعليه، فإنّ التاريخ للرواية ليس أكثر من مادة أولية تقوم بتشكيلها روائياً ما يجعل خيانة الحقيقة التاريخية شرطاً لتحقيق روائية الرواية».
وفي العموم يأخذ الناقد على عدد من الروائيين دسّهم من خلال قناع الشخصية الراوية شيئاً من الأيديولوجيا، وشيئاً من التنظير، فتحضر الأفكار على حساب الوقائع، ويحضر الوعظ الذي يقبض على الرواية بحيث تظهر على أنها خطبة أيديولوجيا. وأحياناً يتعذّر تبيان النوع الأدبي، فلا الحواشي ولا المتن يشيان بتصنيف محدد. ويشير إلى أنّ اللغة السردية بمعظمها رشيقة، والجمل قصيرة تتخفف من حروف العطف وأدوات الربط، تحاكي الماضي وتتطلع للمستقبل بصيغة: «كان يا ما كان».

اقرأ أيضا