الاتحاد

الملحق الثقافي

خلخلة الحواس

نظم المعهد الإسباني «سيرفانتس بالدار البيضاء المعرض الفنّي للشاعرة والفنانة المغربية الرقيقة وداد بنموسى، الذي احتفت فيه من خلال صور التقطتها بعدستها الخاصة لأمكنة جميلة تكتنز بالبساطة والشاعرية، في مدينة شفشاون المغربية، المدينة التي يعشقها الشعراء المغاربة، وفيها ُينظم أقدم مهرجان للشعر في المغرب، وهو المهرجان الوطني للشعر المغربي، ومدينة «بيخير دي لافرونتيرا» الإسبانية.
وقد اختارت الفنانة وداد بنموسى أن تُسمّي لوحاتها الفنية بأسماء عدد من الشعراء أمثال: عبد اللطيف اللعبي، محمد خير الدين، نجمي حسن، صلاح بوسريف، محمد بنيس، عبد الدين حمروش، عبد الكريم الطبال، عدنان ياسين، وفاء العمراني، فاطمة الزهراء بنيس، إكرام عبدي، عائشة البصري وأسماء أخرى. كما اختارت الفنانة والشاعرة وداد بنموسى أن تخلق تمازُجا فنيا وشاعريا بين أمكنة مدينة شفشاون بطابعها الأندلسي وبين أمكنة لا تقل بساطة وشاعرية عن أمكنة موجودة في مدينة إسبانية صغيرة هي مدينة «بيخير دي لافرونتيرا».
واعتبرت الشاعرة وداد بنموسى في شهادتها أن «حواس الشاعر تظل دائما مفتوحة على مختلف وسائل التعبير، يتفاعل مع الطبيعة والوجود، ويترجم ذلك التفاعل عبر لغة بعينها، أو عبر لغة بصرية، وهذا ما أفعله، فما لا أستطيع كتابته أحاول اقتناصه أو سجنه عبر الصورة، وهذا برأيي فعل كتابة وتأريخ».
وعن علاقة الشعر بالمكان قالت الشاعرة والفنانة المغربية وداد بنموسى في كلمتها «خلخلة الحواس»: إن الشَّاعر يُدرك المجهول عبر خَلخلة دائمة للحواس، هكذا قال «رامبو» ذات إشراق. «الشاون» (المغرب) مكانٌ له سُلطته وسَطْوتُه.. ليس لك خيار في مدينة «الشّاون»: إما أن تنْصهر فيها حتى تُصبحَ أرضَك المعطاء، أو تذوب فيها حتى تصبح أرض خيالاتك.. وفي الحالتين، تكون تحت سيطرة فتنة وروعة مكان يُصِرُّ أن يبقى خارج مفهوم الزمن العادي.
وتضيف الشاعرة وداد بنموسى قائلة: «بيخير» (إسبانيا) مكان له سلاطينه وسلطته.. في «بيخير»، يأتي الزمن مبهجا ليركع تحت أقدامك، ذكرى أندلس بعيد، وبقايا مجد سرعان ما اضْمَحلَّ، لكنه المكان الذي تبزُغُ فيه شمس الحقائق الكبرى، كحقيقة السكينة والليل والأصوات القادمة من بعيد..
في المدينتين، ثمة تماهي حقيقي: الصباح في «الشاون» له نفس رائحة الصباح في «بيخير»، كذلك الضوء، كذلك طعم الحياة، كذلك بهجة الحلم..
النساء تتلفَّعنَ «بالحايك»، هو نفس «الحايك»، إلا أنه في «بيخير» أسود وفي «الشاون» أبيض.. أنت مدعو في المكانين أن تكون سيدهما، فكيف لا تحمل عدستك وتدنو بخطى من انخرط في «خلخلة الحواس»، وتلتقط الصورة.
وتتباع وداد بنموسى: لا أطمح من خلال هذه الصور، سوى أن أنحني للمكان «الشاون»، وللمكان «بيخير»، ولما بينهما من تناغم، لأنهما، وهما يهباني سِرَّهما، يَكُونان قد مَنَحاني مفْهُوما آخر للرؤية، تلك التي تتحقق في صفاء تام وفي لحَيْظة لن يتكرر بَذخها أبدا.. تلك الصورة أكبر من الإدراك الحسي، لأنها تُرى من زوايا الذات، ولأن الذات عادة ما تكون حمالة أحزان ومواجع وآلام، فإن الصورة تنعكس فيها زرقة المشاعر، وإصفرار العواطف.. وألق الحزن الجميل..
وتقول: لذلك لا أريد لأحد أن يعتبر صورتي مجرد نضرة.. إنها دفق.. لعلها أكبر من ذلك، إنها الوجه الآخر لما أريد أن يصبح عليه العالم: بياض يؤسس لقيم الجمال، وسواد يخفي مظاهر القبح.. أما عن عناوين تلك الصور، التي أردت لها أن تحمل عناوين دواوين الشعراء المغاربة، فهي من وحي امتناني لهم جميعا، لأنهم جعلوني أبصر حبة النور في العتمة، من خلال القصائد الرجراجة التي بدون شك، كانت سبيلي إلى إدراك المجهول، من خلال ما أورثتني إياه من «خلخلة الحواس».
الفنانة والشاعرة المغربية وداد بنموسى في معرضها هذا إنما تلتقط بعدستها لحظات تحبل بالدفئ والشاعرية، وتمنح للحياة طعمها الطفولي والأصيل.
وسوف يصدر خلال أشهر قليلة ديوان جديد للشاعرة وداد بنموسى تحت عنوان «يادار الخليقة أين الخليفة؟» والعنوان استوحته الشاعرة من اسم يُطلق على إحدى الدور بمدينة «بيخير دي لا فروتيرا» الإسبانية لما لهما من تشابه تاريخي.

اقرأ أيضا