الملحق الثقافي

الاتحاد

تطواف الذين عشقوا..

في أرض المعارض، كأجنحة الطير ترفرف كتب بصخب، وعِذاب المعرفة.. هنا في الأروقة تورق أشجار القلب وتعشب بساتين الروح، بأزهار وأفكار وأثمار، من ساورتهم يوماً الوشاية، بإشاعة الحكاية من بداية الألف حتى نهاية الياء، في نشوة البلوغ إلى غايات ورايات، وساريات تضع العِلْم على عَلَم وتلون قماشة الفكرة، بحبر من سبروا ومن خبروا ومن جذروا ومن سوروا، ومن ساوروا ، ومن جاوروا النجوم في التحديق والتنسيق، والتحقيق، والتصديق، والتشريق، والترقيق، والتأنيق، والتحليق.
في أرض المعارض، تبدو العاصمة أبوظبي، مزاراً ومساراً، ومداراً، وحواراً، وجداراً، وبحاراً تطوف على بياضها سفن الشوق، ومن حولها تطواف الذين عشقوا، رائحة الحبر، ونسوا الوجدان بخير الكلم، وحسن النِعَم، وفضيلة الفكرة المجللة، بأساور الفرح البشري، ونبل الكلام المزخرف بفاصلة الحُلُم، وفصيلة الحِلْم، في أرض المعارض، تستدعيك الوجوه، لمشاهد أفلاطونية ومثل الكون المبجل، وتصدف أباريق اللقاءات الحميمية، وابتهال الصورة أمام الحشر والنشر، وقبائل البشر المنهمكين في بعث الهوى، لواعج، ومناهج، ومهج، وفصائل العباءات السود تفوح برائحة البهجة واللهجة المنعمة بلسان عرب فصيح.
في أرض المعارض، غزلان الحقل الثقافي، يتمايلن بانسحاب صوب الحقيقة، يتمايلن باتجاه الكلمة الأنيقة، ويطفو بريق العيون، كأنه النجمات المتألقة الرابضة الوامضة، بحنين الوجود وأكبر الخليقة الوفية ولا تكف الأصوات، ولا تخفي الخطوات عن الصهيل، على سجادة القلب، مشيعة شدواً أصيلاً نبيلاً، وحلو أساور من ذهب، الذين جاؤوا ليسجلوا للزمن أن في هذا الزمان، في هذا المكان، بلاد للإنسان تتوهج عطاء وتبتهج سخاء، من أجل خير جليس في الزمان، من أجل الإنسان، من أجل غد يصيغ المبنية، ويلون البيان ويمنح الكيان المعنى والمغزى في الفرادة والسيادة، في ميدان الكتاب، ولا يطوي السجل ولا يكف عن الأمل، بل يمضي قدماً يتهجى ما تطرف به المقل، يتوازى مع السماء في الاتساع، يتوازى مع الكواكب في التعدد، والتمدد، والتجدد.

بساتين الحلم
في أرض المعارض، حكاية بلد ترسم خطوات المجد، بتأن وثقة وكواكب دورة الأقمار في تحد وصمود الأخيار، تسير طائراً في الفضاءات تهفهف بحنان المحبين وجنان الوارفات العازفات لحن الخلود، الرافعات النشيد بخلابة المزملين بالشمائل، المجللين بخير الفضائل المبجلين في الأصل والفواصل.
في أرض المعارض، غزلان تحطب في بساتين الحلم، وترفع الأسئلة رفيعة شفيعة، منيعة، هي من صنيعة الذين تطوروا الحلم إلى حقيقة، أصف من النبع، وأعذب شهد الرضاب.
في أرض المعارض، قافية الشعر، وثيمة الرواية، يخطبان الود ويخطفان العبارة بصلابة العقد النضيد، والمجد التليد.. في أرض المعارض تتبارى الكلمة والنجمة، أيهما أسرع وأنفع، وبالمعنى الفصيح تتلألأ الكلمة مياسة حساسة، كأنثى رائعة، أجادت في التعبير، وجودت في التفسير، وأسهبت في الحلم تجذر الهوى، وتسرف في الأشواق، معتنقة آيات الدهشة، حين تكون النظرة كلمة، والابتسامة، شيمة، والعلامة قيمة أدبية، تحصد قمحات النضوج، وتسرد للعالم فن النبوغ وغصن البلوغ، تسرد ما جاء في الذكر الحكيم «اقرأ»، ثم اقرأ، ثم اقرأ، ثم تضع الأسئلة مفتاحاً لبلوغ ما بلغته النجوم، وما أنتجه السحاب، من نث دماء عِذاب، وما أججته حواء، في قلب السماء من وعي بالفطرة، ومن سعى لأجل فكرة لا تخبو ولا ينطفئ لها وميض.
في أرض المعارض، النسغ، والرسغ، والأفق، والنسق، وحرف الجر معقوف على شامة وهامة، وعلامة، وقامة، ومقامة، وقوامة، واستقامة مستدامة، وفكرة مثل راهب عكف على ذاته مختلجاً بهوى التأمل في أمل الوجود في السر الممدود، في حرقة النفس الوالجة في تجاويف القلق..
في أرض المعارض، لغة بالغة الارتفاع، تهاتف الفضاء بحوار لا يكف عن بث الأخبار مناره، هذا الوعي القابض على جمرة التشظي التلظي، وتخطي ما قد يعيق أو يبعثر المعنى، في قلب الشاعر.
في أرض المعارض، في القلب، في الدرب، في مدار السحب، في موكب العاشقين، تدور الأحاديث، وتنضوي الأروقة على دفء من تحدثوا، ومن استحدثوا الكتاب بكتاب، بكلمة تبلغ بلوغ الشمس في السطوع والينوع واليفوع، في هذا المكان توافد يشبه كريات الدم في الجسد، يشبه توالد الفكرة في الأمد، يشبه شيئاً في الروح يمتد كأنه الأبد، يشبه فلسفة إغريقية، تستولد الوجود من المدد، يشبه تشريعاً لم يخطر على بال أحد.
في معرض الكتاب، في أرض المعارض حقائب سفر معلقة على الأكتاف مملوءة بالكلام بالكلام ممزوجة والأحلام حقائب تشبه الأمل باختزانه نظرة فابتسامة، فلقاء مع المعرفة، حقائب ككواكب تستدير على الأجساد، مغلفة بقلقها، وألقها، وتألقها، وتعلقها، ومذاقها، وأشواقها، وأحداقها، وأطواقها، وأباريقها، ونمارقها، وخوارقها، وطوارقها، وحدائقها، وحوارقها.
في أرض المعارض، مناكب ونواقب، ومشارب، وذوائب، ومسارب، ومكاسب، وحواسب، وحواجب، ومآرب، ومرائب، وكواكب، وسحائب، وسواكب، ونجائب، وخلائب..
في أرض المعارض، يسير النظام، والحمام، والعصام، والغمام، والهمام، والهيام، والسنام، والأنام، والكلام، والسهام، والقوام، والأقلام، والآراء، والمرام، والقِرام، والثمام، والوشام، والنعام، والرهام، والسلام، والوئام، والانسجام في موكب سحري، مدهش، يشيع فخامة، تثري الوجدان الإنساني، وتغني النفس عن ضخامة الذات الفارغة..
في أرض المعارض الكلمة، تستدعي نغمة الود، وتستدرج الروح لقيامة الزمن، المتجلي بالصفحات المضيئة.
في أرض المعارض، يطوي الهوى، أسلاف الكلام، ويحيف بالعاشقين لوعة البحث عن مُضغ البداية، وفظيع الحقيقة..
في أرض المعارض تسرد الأروقة، قصة الكلمة الأولى، النطفة الأولى، النقطة على آخر سطر، في الرواية، وما شبه القمر في ليلة عشق شهريارية، عجيبة مهيبة رحيبة، تصيب في القلب لسعة الجمر، وطلعة الفجر، ونفضة النهد حين في المهد، صرخة الولوج في عين الشمس..

بياض الشراع
في أرض المعارض، ينشر الشراع بياضه، على ظهر موجة ومهجة، يفرد صيحة الغواصين، في دياجير الزمن، الواسع، وعزلة البحر، المتفجر سحراً وفخراً، في أرض المعارض، تشيع سواحل الكلمة سر الوجود، وتمسح عن كاهل المتعبين، أصفاد الكساد الروحي، وتحزم حقيبة السفر باتجاه الزوايا الأربع، لتخبر العالم عن ميلاد عبارة جديدة تجدد العهد، مع الحياة، وتستعيد ما تم تسربه من بين أصابع الوقت، وما قد تم تهريبه في غياب البصر، وما قد تم تخريبه، إثر الضياع الزمني، وحالة الغثيان، ودوار الأماكن المرتفعة..
في أرض المعارض تحشد الطيور أجنحتها مكتنزة بالخبر والعِبر بالسرد والجهر، تحشد الطيور تغاريدها في أنشودة جماعية مذهلة تسمع من به صم، ومن جاشت خلاياه، مرتعدة من صوت العصافير حين، تعبث الريح بأعشاشها، وحين ترتعد الأغصان مكتسية عراء المراحل الغائمة، والغاشمة، والمبهمة، والمدلهمة، والمنعمة بالضجيج، والعجيج، والرجيج.
في أرض المعارض، تحسو الثغور كؤوس الشاي الأحمر، على وقع الصفحات المتلاطمة كموج وليد..
في أرض المعارض، يقارع الوجدُ المجدَ، ويسارع الوعد بالعهد، وتمضي القوافل محملة بحطب المواقد الهائلة، وتقرأ النجوم صفحات الوجوه المشرقة، ويتابع السحاب، نثه على القلوب، بقطرات تلازم الزفرات وزفرات تعانق الخفقات، وخفقات تغلف، المعنى بمضامين ومآرب أخرى في نفس من شق البحر، ثم غمر الأرض، لتصفق الملائكة فرحاً بانتصار الحقيقة..
في أرض المعارض تحدق القلوب، وتصفق العيون وتغرق الأرواح في بحار لا تغرق لكنها تغدق بالهوى لا تسرق، لكنها تطرق أبواب اللقاء الحميم..
في أرض المعارض، تلتئم أعواد الشمع لتفشي سر الورطة اللذيذة، ما بين صفحة القلب وصفحة الكتاب، وتشيع، وتشع، وتعشعش خياماً سقوفها السموات السبع، وأوتادها، أوردة القلب، وصوفها حبر الوالهين لسعي ووعي واستعادة الحلم، بعد استبداد الفراق الأليم..
في أرض المعارض تقدم العاصمة أبوظبي منجزها الحضاري بسخاء النبلاء، وعطاء الأوفياء، وقوة النجباء، وعفوية الأصفياء، وشفافية الأصلاء..
في أرض المعارض يسكن في الفؤاد، سؤال وأمنية.. بأن يبقى السؤال دوماً بلا علاقة استفهام وأن تطير الأمنية بأجنحة النوارس بريشة فنان يلون اللوحة بلون السمرة الصحراوية، وبقلم مبدع يزخرف الكلمات بحبر البحر، بزرقة الماء، ونصوع الموجة..
في أرض المعارض تستعيد الحياة رونق الانتباه إلى جذر المعرفة، وزقزقة العصافير العازفة ووشوشة الموجة الغارفة من نسيج المحبة.

اقرأ أيضا