الاتحاد

الملحق الثقافي

معرض أبوظبي للكتاب.. المعرفة تسعى على كتب

لا تسعى المعرفة إليك على قدمين، بل تأتيك تسعى على كتب، وما عليك إلا أن تشد الرحال إليها لتقطف بهجتها المعلنة والثاوية.. ما عليك إلا التعاطي معها بروح العارف وعندها تجد الكثير مما يفرحك.. من أي باب عبرت إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب ستجد المعرفة بانتظارك، تشاغبك، تدعوك إلى إنزالها من على الرفوف واحتضانها على مسمع وبصر من العناوين التي تبصّ بلهفة عليك.. وما عليك إلا أن تدبر رأسك، فإن عرفت كيف تفتح مغاليقها ستمنحك بهجتها وتدخلك إلى جناتها لتسبر أغوارها وتحظى بمفاتنها.. وإن فشلت في قراءة روحها والعبور إليها ولم تتعاطى معها تعاطي العاشق فلن ينوبك إلا التعب، وسوف ترجع لا كما رجع حنين بخفيه بل ربما بدون خفين، وعندها لا تلومنَّ إلا نفسك على تقصيرك في اغتنام الفرصة الجميلة التي وفرها لك معرض أبوظبي الدولي للكتاب لتطوف حول العالم في ستة أيام...

مهما اتسعت زاوية الرؤية التي يمكن أن ينظر بها المرء إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب في 2013 لقراءته على نحو شامل، والتأشير على ملامحه العامة تظل قاصرة، ذلك أن في المعرض الكثير الكثير مما يصعب حصره لتنوعه وامتداده في مسارب واتجاهات شتى تتعلق بالكتاب.. لكن بعض الأحداث تظل عالقة في البال إما لأهميتها وضرورتها للثقافة بشكل عام وللقارئ على نحو خاص، وإما لأنها تهتم بشريحة مميزة من المجتمع، وإما لأنها تؤسس لفعل جذري على صعيد ما.
وإما لأنها تؤصل لتقاليد ثقافية يمكن من خلالها المراهنة على جسر الهوة بين القارئ والكتاب، من بينها إعلان الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها السابعة، وهي جائزة معتبرة تحظى باهتمام الأوساط الثقافية وتقدم صورة عن الدور الثقافي الذي تلعبه أبوظبي في الحياة الثقافية العربية.
ولعل الرقم الذي وصلت إليه المشاركات (1262 مشاركة) يؤشر على هذه المكانة، ومنها الجهود المبذولة للعناية بالنشر وتطويره، ومشروع كلمة وإصدارته والكتب الإماراتية الحديثة التي تكاد تكون ظاهرة من ظواهر المعرض، وظهور أول معجم للعامية الإماراتية يؤصلها في اللغات الأخري وهو أمل لطالما داعب عقول المعنيين بالتراث وغير ذلك...

فعل الكلمة
في الفعل التأسيسي على المستوى الثقافي يطل مشروع «كلمة» للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث برأسه، وبرصيده، وما راكمه، سواء على صعيد فعل الترجمة نفسه أو على مستوى المؤتمر الذي نظمته هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة عن الترجمة «لتمكين المترجمين»، وما أحوج الثقافة العربية إلى التمكين!.
لا أعتقد أنني أمارس أي نوع من المديح حين أصف هذا المشروع بـ «المهم» لأنه مهم بالفعل، ولأنه لا يفتح نافذة على الآخر وحسب، بل يحفر شاقولياً في العمق الثقافي وهو إذ يقدم لنا نخبة من أمهات الكتب، الكتب الكبرى والمؤسسة التي عرفتها الثقافات الأخرى، ينقل تيار المعرفة كما يفعل المصباح وهو ينقل تيار الضوء، ينير العتمة، ويفسح للبصر أن يرى على نحو أفضل.
والأجمل أن مشروع «كلمة» مبادرة غير ربحية تحتضنها الدولة، وهو مشروع طموح يتغيّا الوصول إلى ترجمة 1000 كتاب في كل عام، ناهيك عن دور آخر قوامه تمويل دور النشر المتميزة في العالم العربي لتقوم بترجمة الكتب المختارة وطباعتها وتوزيعها، فضلاً عن مساندته للمبادرات الخاصة بتسويق وتوزيع الكتب من خلال دعم قنوات جديدة وفعّالة للتوزيع الذي يعتبر الحلقة الأضعف في جسد النشر العربي.
هل يستعيد مشروع كلمة في فكرته ومعناه «بيت الحكمة» التي ازدهرت في العصر العباسي وكان لها بيت يكافأ فيه المترجمون على جهودهم بـ «وزن الكتاب ذهباً»، تلك المرحلة الذهبية التي ما تزال في ذاكرة المثقف العربي نموذجاً للزهو الثقافي...؟

القراء المنتظرون
باهتمام المعرض بشريحة الأطفال، وهم القراء المنتظرون في المستقبل، تراهن أبوطبي على الآتي من الأيام، ولا حاجة للقول إن صناعة إنسان قارئ أصعب ألف مرة من بناء أضخم المصانع. تتفرس في مجاميع الطلبة من شتى الفئات العمرية، سواء في المدارس أو الكليات أو المعاهد أو الجامعات.. وتفرح للأمل الصغير الذي يولد في داخلك بأن المقروئية في العالم العربي ينتظرها مستقبل أفضل... لا يمكن للعين أن تخطئ حضور الطلاب البهي، الذين جاءوا إلى المعرض منذ اليوم الأول، بكوباناتهم ورغباتهم المزقزقة في قصصهم، وأسئلتهم الصغيرة/ الكبيرة عن كتب ربما سمعوا عنها وقرروا قراءتها، بعضها يمكن قراءته وبعضها متروك لضمائر الناشرين الذين ينبغي عليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية بوعي ليقدموا لكل فئة ما يصلح لها.. ومن الصغار إلى الشباب والفتيان ثمة اهتمام واضح يقع عليه المرء في الإصدارات التي تواترت عبر مشروع مهم أيضاً وهو «صنع في الإمارات» الذي يقوم على شراكة ثقافية مميزة بين مجلس الإمارات لليافعين ومعهد غوته في منطقة الخليج، أو الجهد الكبير الذي تقوم به دار كلمات على هذا الصعيد أو القاموس القصصي الذي قدمه مركز سلطان بن زايد الإعلامي الثقافي بالتعاون مع الكاتبة شهرزاد العربي، التي تقول عن هذا الاهتمام الإماراتي بكتاب الطفل: “علينا النظر بعين التفاؤل إلى كل مشروع يقوم على دعم القراءة للطفل ونبتعد عن التقييم لفترة حتى يدرك القائمون على المشروع الطريق السليم لتقديم العمل في أكمل صورة، لأننا في الوطن العربي ورغم تعدد العناوين الموجهة للطفل لا نزال نعمل بعشوائية قد نصيب وقد نخطئ”..
يتحلق الأطفال في ركن القراءة لسماع القصص، تحكي ماريا باكلا قصة «أرنوبة تجد صديقها»، فينفتح الخيال على مصراعيه.. تلك بهجة أخرى تتوفر للأطفال ولك في الآن نفسه، مصدر البهجة أن فعل القص هذا سيغني ذاكرة الأطفال ويثري حياتهم الروحية، لا سيما في ظل عولمة لا تبقي ولا تذر.. كما أنه يحافظ على الأدب تحديداً، الذي يقوم في أساسه على السرد.
وحين تسأل ماريا عن اهتمامها بفن القصة الموجهة للطفل تكتشف أن القصة تعود للأدب الفنلندي، وأنها قامت بترجمتها للعربية في إطار منشورات منظمة «أدب بلا حدود».. جميل أن لا يقف الأدب على حواجز اللغة والجغرافيا.
تتفاجأ أن المشروع أصدر حتى الآن 25 كتاباً في العالم العربي حصلت فيها الإمارات على النسبة الأكبر (75%) ولبنان 20% ومصر 5%، وتفرح أكثر حين تعرف أن للمشروع امتدادات في دول أخرى منها (السعودية، وشمال أفريقية، وسورية). كما تقول مديرة المشروع تينا لهتورانتا مؤكّدةً أنهم يعملون على ترجمة أدب اللغات قليلة الانتشار مثل سلوفانيا ولتوانيا.. لفتة مفرحة بالتأكيد في عالم يتجه فيه الكبار إلى ابتلاع الصغار لغة وحضارة وتاريخاً.

ملح المعرض
كما أنّ الشجرة لا تستقيم حياتها إلا بالنسغ الذي يروي العروق، فإن معرض الكتاب لا يستقيم إلاّ بحضور المثقفين، منتجي المعرفة، ملح الكتابة، وهؤلاء حضروا في المعرض من كل القارات، واللغات، والجغرافيات الثقافية التي يعتقد المنظمون أنها تمنح للمعرض طابعه العالمي، ومن يراجع جدول الضيوف أو المشاركين في المعرض قد يعثر على نسبة للمثقفين الأجانب تربو على الـ 75 % من مجمل الضيوف، وفي ما تبقى من المساحة حضر المثقف العربي والخليجي؛ سواء من خلال حضوره الشخصي للمشاركة في الفعاليات أو حضوره الإبداعي من خلال الكتب والإصدارات.
ويلفت عبد الله المطيري، مراقب إدارة معارض الكتاب في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتية، إلى الطابع العالمي والاهتمام الدولي الذي بات معرض أبوظبي يحظى به في السنوات الأخيرة، من زاوية أخرى هي «تواجد ناشرين ودور نشر لا يشاركون في معارض الكتب الأخرى ويحرصون على التواجد في هذا المعرض»، ويضيف: «لهذا وغيره نحرص على المشاركة في المعرض الذي يعتبر فرصة نلتقي بهم من خلالها وفرصة للقاء كل المهتمين بالكتاب قراء وكتاباً ومبدعين وناشرين».
أما عن حضور المثقف الإماراتي فالحال يغني عن السؤال، والحال أن اهتمام المعرض هذه المرة أفضل من السابق بالثقافة الإماراتية والمثقف الإماراتي، وإن كان الطموح أكبر، لكن الحال الراهن في المعرض يعتبر خطوة متقدمة أخرى على صعيد توطيد علاقة المعرض بالمثقفين الإماراتيين والمكان، كتاباً وإبداعاً وهوية.
برز هذا الحضور من خلال الإصدارات التي كان لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات فيها نصيب الأسد، فضلاً عما عرضته دور النشر الأخرى المحلية والعربية.. بحضورهم يكتمل معنى معرض الكتاب؛ فكرة ودلالة، فهم الذين يمنحون المكان هويته والروح صلابتها في ظل طغيان عجيب لثقافة الاستهلاك.
ولاختيار دول مجلس التعاون الخليجي كـ «ضيف شرف» المعرض فوائد منها: تعريف الجمهور بتراث هذه الدول وثقافتها التي تبدت في الأجنحة وتصاميمها أو من خلال فرق الفنون الشعبية التي قدمت تراث ورقصات الدول الستة، وتعريف الجمهور المعني بالمشهد الثقافي، أو بجانب منه على الأقل، حيث نجم عن هذا الاختيار اهتمام المنظمين أكثر بإظهار صورة الثقافة في هذه البلدان لنحظى نحن القراء والمعنيين بمتابعة الحركة الثقافية في الخليج بعدد من الندوات والشهادات والقراءات المشهدية التي قدمها مثقفون لهم تجاربهم الإبداعية في ملتقى مجلس التعاون الذي فتح نافذة على الثقافة الخليجية وأثار بعض قضاياها، وأتاح للقارئ تفاصيل وحيثيات تلقي الضوء على ما يجري في المشهد الخليجي أو في جانب منه على الأقل.
في هذا الركن تمكنت قلة من المتابعين من معرفة بعض «إرهاصات الكتابة العمانية» وكيف صارت الكتابة «بداية لمواجهة الشفاهة، نَصَّاً ومجتمعاً»، وقراءة «التجربة النسوية الخليجية» عبر سيرة ذاتية للمرأة الخليجية ثقافياً وإبداعياً، وإشكالات النص المفتوح وتداخل الأجناس الأدبية وصولاً إليه، وتجربة الرواية في الكويت ممثلة في منجز إسماعيل فهد الروائي، ثم واحد من الجوامع التي تؤلف بين مفردات ال




لا تسعى المعرفة إليك على قدمين، بل تأتيك تسعى على كتب، وما عليك إلا أن تشد الرحال إليها لتقطف بهجتها المعلنة والثاوية.. ما عليك إلا التعاطي معها بروح العارف وعندها تجد الكثير مما يفرحك.. من أي باب عبرت إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب ستجد المعرفة بانتظارك، تشاغبك، تدعوك إلى إنزالها من على الرفوف واحتضانها على مسمع وبصر من العناوين التي تبصّ بلهفة عليك.. وما عليك إلا أن تدبر رأسك، فإن عرفت كيف تفتح مغاليقها ستمنحك بهجتها وتدخلك إلى جناتها لتسبر أغوارها وتحظى بمفاتنها.. وإن فشلت في قراءة روحها والعبور إليها ولم تتعاطى معها تعاطي العاشق فلن ينوبك إلا التعب، وسوف ترجع لا كما رجع حنين بخفيه بل ربما بدون خفين، وعندها لا تلومنَّ إلا نفسك على تقصيرك في اغتنام الفرصة الجميلة التي وفرها لك معرض أبوظبي الدولي للكتاب لتطوف حول العالم في ستة أيام...


شهـيـرة أحمـد

مهما اتسعت زاوية الرؤية التي يمكن أن ينظر بها المرء إلى معرض أبوظبي الدولي للكتاب في 2013 لقراءته على نحو شامل، والتأشير على ملامحه العامة تظل قاصرة، ذلك أن في المعرض الكثير الكثير مما يصعب حصره لتنوعه وامتداده في مسارب واتجاهات شتى تتعلق بالكتاب.. لكن بعض الأحداث تظل عالقة في البال إما لأهميتها وضرورتها للثقافة بشكل عام وللقارئ على نحو خاص، وإما لأنها تهتم بشريحة مميزة من المجتمع، وإما لأنها تؤسس لفعل جذري على صعيد ما.
وإما لأنها تؤصل لتقاليد ثقافية يمكن من خلالها المراهنة على جسر الهوة بين القارئ والكتاب، من بينها إعلان الفائزين بجائزة الشيخ زايد للكتاب في دورتها السابعة، وهي جائزة معتبرة تحظى باهتمام الأوساط الثقافية وتقدم صورة عن الدور الثقافي الذي تلعبه أبوظبي في الحياة الثقافية العربية.
ولعل الرقم الذي وصلت إليه المشاركات (1262 مشاركة) يؤشر على هذه المكانة، ومنها الجهود المبذولة للعناية بالنشر وتطويره، ومشروع كلمة وإصدارته والكتب الإماراتية الحديثة التي تكاد تكون ظاهرة من ظواهر المعرض، وظهور أول معجم للعامية الإماراتية يؤصلها في اللغات الأخري وهو أمل لطالما داعب عقول المعنيين بالتراث وغير ذلك...

فعل الكلمة
في الفعل التأسيسي على المستوى الثقافي يطل مشروع «كلمة» للترجمة التابع لهيئة أبوظبي للثقافة والتراث برأسه، وبرصيده، وما راكمه، سواء على صعيد فعل الترجمة نفسه أو على مستوى المؤتمر الذي نظمته هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة عن الترجمة «لتمكين المترجمين»، وما أحوج الثقافة العربية إلى التمكين!.
لا أعتقد أنني أمارس أي نوع من المديح حين أصف هذا المشروع بـ «المهم» لأنه مهم بالفعل، ولأنه لا يفتح نافذة على الآخر وحسب، بل يحفر شاقولياً في العمق الثقافي وهو إذ يقدم لنا نخبة من أمهات الكتب، الكتب الكبرى والمؤسسة التي عرفتها الثقافات الأخرى، ينقل تيار المعرفة كما يفعل المصباح وهو ينقل تيار الضوء، ينير العتمة، ويفسح للبصر أن يرى على نحو أفضل.
والأجمل أن مشروع «كلمة» مبادرة غير ربحية تحتضنها الدولة، وهو مشروع طموح يتغيّا الوصول إلى ترجمة 1000 كتاب في كل عام، ناهيك عن دور آخر قوامه تمويل دور النشر المتميزة في العالم العربي لتقوم بترجمة الكتب المختارة وطباعتها وتوزيعها، فضلاً عن مساندته للمبادرات الخاصة بتسويق وتوزيع الكتب من خلال دعم قنوات جديدة وفعّالة للتوزيع الذي يعتبر الحلقة الأضعف في جسد النشر العربي.
هل يستعيد مشروع كلمة في فكرته ومعناه «بيت الحكمة» التي ازدهرت في العصر العباسي وكان لها بيت يكافأ فيه المترجمون على جهودهم بـ «وزن الكتاب ذهباً»، تلك المرحلة الذهبية التي ما تزال في ذاكرة المثقف العربي نموذجاً للزهو الثقافي...؟

القراء المنتظرون
باهتمام المعرض بشريحة الأطفال، وهم القراء المنتظرون في المستقبل، تراهن أبوطبي على الآتي من الأيام، ولا حاجة للقول إن صناعة إنسان قارئ أصعب ألف مرة من بناء أضخم المصانع. تتفرس في مجاميع الطلبة من شتى الفئات العمرية، سواء في المدارس أو الكليات أو المعاهد أو الجامعات.. وتفرح للأمل الصغير الذي يولد في داخلك بأن المقروئية في العالم العربي ينتظرها مستقبل أفضل... لا يمكن للعين أن تخطئ حضور الطلاب البهي، الذين جاءوا إلى المعرض منذ اليوم الأول، بكوباناتهم ورغباتهم المزقزقة في قصصهم، وأسئلتهم الصغيرة/ الكبيرة عن كتب ربما سمعوا عنها وقرروا قراءتها، بعضها يمكن قراءته وبعضها متروك لضمائر الناشرين الذين ينبغي عليهم أن يتحملوا هذه المسؤولية بوعي ليقدموا لكل فئة ما يصلح لها.. ومن الصغار إلى الشباب والفتيان ثمة اهتمام واضح يقع عليه المرء في الإصدارات التي تواترت عبر مشروع مهم أيضاً وهو «صنع في الإمارات» الذي يقوم على شراكة ثقافية مميزة بين مجلس الإمارات لليافعين ومعهد غوته في منطقة الخليج، أو الجهد الكبير الذي تقوم به دار كلمات على هذا الصعيد أو القاموس القصصي الذي قدمه مركز سلطان بن زايد الإعلامي الثقافي بالتعاون مع الكاتبة شهرزاد العربي، التي تقول عن هذا الاهتمام الإماراتي بكتاب الطفل: “علينا النظر بعين التفاؤل إلى كل مشروع يقوم على دعم القراءة للطفل ونبتعد عن التقييم لفترة حتى يدرك القائمون على المشروع الطريق السليم لتقديم العمل في أكمل صورة، لأننا في الوطن العربي ورغم تعدد العناوين الموجهة للطفل لا نزال نعمل بعشوائية قد نصيب وقد نخطئ”..
يتحلق الأطفال في ركن القراءة لسماع القصص، تحكي ماريا باكلا قصة «أرنوبة تجد صديقها»، فينفتح الخيال على مصراعيه.. تلك بهجة أخرى تتوفر للأطفال ولك في الآن نفسه، مصدر البهجة أن فعل القص هذا سيغني ذاكرة الأطفال ويثري حياتهم الروحية، لا سيما في ظل عولمة لا تبقي ولا تذر.. كما أنه يحافظ على الأدب تحديداً، الذي يقوم في أساسه على السرد.
وحين تسأل ماريا عن اهتمامها بفن القصة الموجهة للطفل تكتشف أن القصة تعود للأدب الفنلندي، وأنها قامت بترجمتها للعربية في إطار منشورات منظمة «أدب بلا حدود».. جميل أن لا يقف الأدب على حواجز اللغة والجغرافيا.
تتفاجأ أن المشروع أصدر حتى الآن 25 كتاباً في العالم العربي حصلت فيها الإمارات على النسبة الأكبر (75%) ولبنان 20% ومصر 5%، وتفرح أكثر حين تعرف أن للمشروع امتدادات في دول أخرى منها (السعودية، وشمال أفريقية، وسورية). كما تقول مديرة المشروع تينا لهتورانتا مؤكّدةً أنهم يعملون على ترجمة أدب اللغات قليلة الانتشار مثل سلوفانيا ولتوانيا.. لفتة مفرحة بالتأكيد في عالم يتجه فيه الكبار إلى ابتلاع الصغار لغة وحضارة وتاريخاً.

ملح المعرض
كما أنّ الشجرة لا تستقيم حياتها إلا بالنسغ الذي يروي العروق، فإن معرض الكتاب لا يستقيم إلاّ بحضور المثقفين، منتجي المعرفة، ملح الكتابة، وهؤلاء حضروا في المعرض من كل القارات، واللغات، والجغرافيات الثقافية التي يعتقد المنظمون أنها تمنح للمعرض طابعه العالمي، ومن يراجع جدول الضيوف أو المشاركين في المعرض قد يعثر على نسبة للمثقفين الأجانب تربو على الـ 75 % من مجمل الضيوف، وفي ما تبقى من المساحة حضر المثقف العربي والخليجي؛ سواء من خلال حضوره الشخصي للمشاركة في الفعاليات أو حضوره الإبداعي من خلال الكتب والإصدارات.
ويلفت عبد الله المطيري، مراقب إدارة معارض الكتاب في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب الكويتية، إلى الطابع العالمي والاهتمام الدولي الذي بات معرض أبوظبي يحظى به في السنوات الأخيرة، من زاوية أخرى هي «تواجد ناشرين ودور نشر لا يشاركون في معارض الكتب الأخرى ويحرصون على التواجد في هذا المعرض»، ويضيف: «لهذا وغيره نحرص على المشاركة في المعرض الذي يعتبر فرصة نلتقي بهم من خلالها وفرصة للقاء كل المهتمين بالكتاب قراء وكتاباً ومبدعين وناشرين».
أما عن حضور المثقف الإماراتي فالحال يغني عن السؤال، والحال أن اهتمام المعرض هذه المرة أفضل من السابق بالثقافة الإماراتية والمثقف الإماراتي، وإن كان الطموح أكبر، لكن الحال الراهن في المعرض يعتبر خطوة متقدمة أخرى على صعيد توطيد علاقة المعرض بالمثقفين الإماراتيين والمكان، كتاباً وإبداعاً وهوية.
برز هذا الحضور من خلال الإصدارات التي كان لاتحاد كتاب وأدباء الإمارات فيها نصيب الأسد، فضلاً عما عرضته دور النشر الأخرى المحلية والعربية.. بحضورهم يكتمل معنى معرض الكتاب؛ فكرة ودلالة، فهم الذين يمنحون المكان هويته والروح صلابتها في ظل طغيان عجيب لثقافة الاستهلاك.
ولاختيار دول مجلس التعاون الخليجي كـ «ضيف شرف» المعرض فوائد منها: تعريف الجمهور بتراث هذه الدول وثقافتها التي تبدت في الأجنحة وتصاميمها أو من خلال فرق الفنون الشعبية التي قدمت تراث ورقصات الدول الستة، وتعريف الجمهور المعني بالمشهد الثقافي، أو بجانب منه على الأقل، حيث نجم عن هذا الاختيار اهتمام المنظمين أكثر بإظهار صورة الثقافة في هذه البلدان لنحظى نحن القراء والمعنيين بمتابعة الحركة الثقافية في الخليج بعدد من الندوات والشهادات والقراءات المشهدية التي قدمها مثقفون لهم تجاربهم الإبداعية في ملتقى مجلس التعاون الذي فتح نافذة على الثقافة الخليجية وأثار بعض قضاياها، وأتاح للقارئ تفاصيل وحيثيات تلقي الضوء على ما يجري في المشهد الخليجي أو في جانب منه على الأقل.
في هذا الركن تمكنت قلة من المتابعين من معرفة بعض «إرهاصات الكتابة العمانية» وكيف صارت الكتابة «بداية لمواجهة الشفاهة، نَصَّاً ومجتمعاً»، وقراءة «التجربة النسوية الخليجية» عبر سيرة ذاتية للمرأة الخليجية ثقافياً وإبداعياً، وإشكالات النص المفتوح وتداخل الأجناس الأدبية وصولاً إليه، وتجربة الرواية في الكويت ممثلة في منجز إسماعيل فهد الروائي، ثم واحد من الجوامع التي تؤلف بين مفردات الثقافة الخليجية متبدياً في الأساطير التي لا تنتهي بل تتحول متخذة شكلاً ونسقاً آخرين، وموقع الخطاب الروائي في السعودية من خلال قراءة السرد وتجلياته في «رواية ما بعد الألفين»، والعمق الذي يميز الكتابة الروائية والقصصية في مقابل الكتابة للتلفزيون والسينما، وتدبُّر في العلاقة بين السرد والهوية والديموقراطية، وهل للهوية مُنطلق سردي، وعمل على دمقرطة النص الأدبي، وبالتالي المجتمع، والاقتراب من المسرح القطري نشأة وتطوراً.
حضرت الثقافة الإماراتية (في هذا الركن) لتعلن نفسها في المشهد الخليجي نقدياً عبر قراءة ناقدة قدمتها أمينة ذيبان لواقع النقد الأدبي في الإمارات، وأسباب تأخره، وكيفية الدفع به، ثم روائياً من خلال الشهادة الماتعة التي قدمها علي أبو الريش عن علاقة «الرواية بالفلسفة».
تترك علي أبو الريش يحكي عن الابنة الصغيرة التي هربت من معطف الفلسفة، أعني (الرواية)، لتواجه الخوف المتضخم في العالم العربي الذي يزدهر كلما زادات اللاءات والمحظورات... وتبحث في فضاء الكتاب عن قطفة أخرى.

الحرب غير المعلنة
عن الكتاب الإلكتروني لا تسأل.. بل تملّى بعمق حرباً خفيّة، شرسة، تدور رحاها بين طريقتين للقراءة، الأولى تتوسل الكتاب في وعائه التقليدي (الورق)، والثانية تذهب الى الافتراضي باحثة عما يقدمه للمعرفة من إمكانيات واسعة ومتنوعة، خاصة لعباد الله الذين لم تعد لديهم مساحة في بيوتهم الصغيرة لكتب جديدة.. هذه واحدة من حسنات الكتاب الإلكتروني أما الثانية فهي قدرته على ربطك بالعالم من خلال تصفحه في أوعية ثقافية سمعية وبصرية تتطور باستمرار.. لكن هذه المحاسن وغيرها لا تزحزح المثقفين، ومنهم رشيد بو جدرة، عن رأيهم في خير جليس، ولا تفلح في أن تلوي أنوفهم عن «رائحة» الكتاب الورقي الذي يمكن كما يقول رشيد بو جدرة «أن تصادقه وتأخذه الى سريرك أو غرفة جلوسك، وتنشئ معه علاقة محسوسة غير افتراضية».
ولا ينسى الكاتب أن يطمئننا على مستقبل الكتاب الورقي الذي سيظل نداً لا يهزم للكتاب الإلكتروني، وما معارض الكتب غير دليل على عمق حضوره في الذات والذاكرة العربية».
أما الكاتب والإعلامي عدنان حسين أحمد فيرى أن الكتاب الورقي «لن يفقد بريقه مطلقاً، سيظل قائماً كندّ للكتاب الإلكتروني». مع ذلك، ينتبه عدنان إلى أن «الكتاب الإلكتروني له جمهوره الخاص، و يسجل إقبالاً من الكتاب الشباب. هذه ثقافة العصر وعلينا الاهتمام بها أيضاً، وأعتقد أن معرض أبوظبي للكتاب باهتمامه بشكلي الكتاب يحقق التوازن المطلوب بينهما».

أشياء لا تشترى
بالونات ومرح وشيء من الندى الذي يبل الروح تتوفر في جناح «صدقة - رد الجميل» الذي أرادته ريم المتولي بيتاً للعمل المجتمعي، في محاولة لإخراج الكتاب من حالة القراءة فقط، إلى حالة الفعل الذي يشحذ الإنسان على الاسهام في تنمية مجتمعه.. وقدمت من خلاله نموذجاً على قدرة الثقافة على أن تكون نبيلة!.
فكتاب «صدقة» الذي أصدرته ريم المتولي أوائل هذا العام، ومنه جاء اسم الجناح، ليس سوى دليل يأخذك إلى سبل عديدة لتحقق التغيير. أعدته ريم، كما قالت، بناء على ترجمات مستقاة من مصادر عالمية وأبحاث مستفيضة في العديد من مواقع الإنترنت. والجميل في الكتاب أنه يقدم لك أفكاراً خلاقة يمكنك أن تحقق التغيير من خلالها من دون أن تكلفك شيئاً. كل ما عليك أن تحدق في ذاتك وتكتشف ما لديك، وتستثمر مواردك الخفية التي قد لا تنتبه لها وتفيد الآخرين.
بهذا الكتاب يكتسب العمل الخيري ميزة جديدة تخرجه إلى اقتراحات متنوعة، مبتكرة، مبدعة، أنجزت بالتعاون مع أكثر من 600 منظمة خيرية، من المنظمات الأكثر ابتكاراً وفعالية في جميع أنحاء العالم. ولهذا وجد الجناح إقبالاً كبيراً من الجمهور لا سيما من الأطفال والشباب.
وعلى جدار معد للتوقيعات والتعهد بالبدء في التغيير وقع الكثيرون وفي مقدمتهم الشيوخ: زايد بن نهيان بن زايد آل نهيان، خليفة بن سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان، واليازية بنت سلطان بن خليفة، وخليفة بن سلطان بن خليفة حفيدي صاحب السمو رئيس الدولة.
يتمظهر الجانب الإنساني للمعرض أيضاً في جهود مؤسسة زايد للأعمال الإنسانية الخيرية التي قامت بطباعة كتاب ضخم يتكون من 47 مجلداً تحت عنوان «معلمة زايد»، وهي موسوعة علمية خاصة بالقواعد الفقهية والأصولية، وما يندرج فيها من مبادئ وأسس تشريعية وقواعد مقاصدية وضوابط فقهية.. الأهم أنها غير قابلة للبيع، وعلى غلافها وفي مقدمتها تبرق عبارة «يهدى ولا يباع»..
صحيح، ثمة في الحياة أشياء لا تشترى، وهي غير قابلة للبيع ولا تقدر بالمقاييس الدنيوية.. إنما تحقق حضورها في ما تنطوي عليه من فعل إنساني ومجتمعي نبيل.
وفي الإنسانيات أيضاً تأتي التفاتة معالي مريم محمد خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية لشريحة مهمة من المجتمع هي ذوي الاحتياجات الخاصة، التي لا ينبغي إقصاؤها عما يجري على صعيد الحياة الثقافية من أحداث، حيث أودعت كتاب «رؤيتي: لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (بلغة برايل) في جناح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في المعرض، لتمكين المعاقين بصريا من الاطلاع على الكتاب ونهل المعرفة والثقافة من منابعها الثرة والغنية التي اتسم بها فكر صاحب السمو الشيخ محمد ولفتح آفاق جديدة أمامهم ومساواتهم بأقرانهم في الإطلاع على النتاج الثقافي والمعرفي المتميز في الدولة.
ويعتبر كتاب رؤيتي الذي طبع بلغة برايل على نفقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أهم الكتب الغنية بمضامينها والتي ترتكز على تجربة إنسان رافق مسيرة دولة الإمارات منذ قيامها وأسهم في بناء نهضتها وعزز كيانها وأبدع في تنمية دبي حيث ارتقى بها إلى مصاف المدن العالمية في المجال العمراني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي.
بالطبع ثمة ملامح أخرى لهذا الوجه الإنساني في هذا المعرض لا يسعنا الإحاطة بها، منها على سبيل المثال، مبادرة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة للتواصل مع مختلف شرائح المجتمع والتي قام ضيوف معرض أبوظبي الدولي للكتاب من خلالها بزيارة الأطفال مرضى السكري في مدينة الشيخ خليفة الطبية في سعي لتعزيز حضور الثقافة في الحياة المجتمعية...

الخارجون من القيد
بين أجنحة المعرض تعثر على مشاركة مختلفة لها نكهة الخارج من القيد.. إنها ليبيا التي تشارك بجناح يتيم في المعرض، هو جناح مجلس الثقافة العام الليبي الذي يعرض بانوراما للإبداع والكتاب الليبي الذي يعكس ثقافة جديدة «تحررت من قيد الدكتاتورية»، ونبتت لها أجنحة صغيرة تستعد للطيران، كما يقول سالم أحمد الأوجلي مدير إدارة الآداب بالمجلس، منوهاً إلى الأهمية الخاصة التي يتمتع بها معرض أبوظبي الدولي للكتاب على خريطة معارض الكتب العربية والعالمية، مؤكداً على أنهم في ليبيا «مهتمون بالثقافة بكل تجلياتها، ويطمحون إلى «تحقيق شراكات وإنجاز مشروعات تعاون مستقبلي مع القائمين على معرض أبوظبي للكتاب».
وإذ ينوه الأوجلي إلى أن الزائر للجناح «يستطيع أن يأخذ فكرة متكاملة عن الحياة الثقافية في ليبيا الحديثة، يلفت إلى أن الثقافة الليبية «تعيش الآن مناخاً شديد الحيوية من حيث الإصدارات وحركة النشر، والإفراج عن الكتب التي كانت تتم مصادرتها في السابق، وهي الآن موجودة في كل مكان، وقد عاد المنفيون وعادت كتبهم ورؤيتهم لواقع ليبيا».
«المشهد تغير كلياً والليبيون متعطشون لمعرفة كل ما يتعلق بتاريخ ليبيا قبل القذافي»، بهذه الكلمات أترك ليبيا الخارجة من قيدها لأعثر بعد قليل على مفارقة تنتظرني: القذافي ذهب لكنه ترك وراءه في جناح بعيد يقبع على رفوفه «الكتاب الأخضر» وكتباً أخرى تحكي سيرته.
أستعيد مفارقة أخرى، تختلف في الدلالة لكنها تتشابه في فعل الموت، كتاب جديد للراحل أحمد راشد ثاني كشف عنه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات يحمل عنوان: «لذة المرض»!
تتأمل في الموت وفعله.. يموت الكاتب فيحضر الكتاب، يحضر الكتاب فيموت الكاتب.. إنها لعبة الحياة!!
تدس حزنك بين دفتي الكتاب ثم تبتعد فيما فكرة الخلود تداعب رأسك وتأخذك إلى بهجة أخرى...
تحدق العين في مشهد النساء اللواتي أتين إلى المعرفة بكل بهائهنّ الروحي هذه المرة. فيما الأذن تحلق في قراءات سماعية في الروايات العرفانية للكاتب عبد الإله بن عرفه تنشدها مجموعة الذاكرين بإرشاد من محمد التهامي الحراق.. تحلق مع ابن عربي إلى مديات لا حدّ لها:

ليـــت شــــعري هــل دروا أي قــلـــــب ملـكـــــــــوا
وفــــــؤادي لـــــــــو درى أي شـــــــــعب ســـــلكوا
أتراهــــــم ســـــــــــــلموا أم تـراهــــــم هلكـــــــــوا
حــــار أربــــاب الهـــــوى فـي الهـــــــوى وارتبكــــوا
ترتبك روحك مرات ومرات في هذه الجولة التي يهديها لك المعرض تحت عنوان «الحياة في كتاب»، تتأمل الناس، وجوههم، فالمعرفة تقيم في القلوب لا في السطور فقط، بعضهم جاء مطلعاً والآخر مختبراً فكرة المعرض والثالث لمقابلة كاتب يحبه والرابع لشراء كتب لأطفاله والخامس والسادس... وكلهم يبحث عما ينفع الناس ويمكث في البحر.
لا يعرف سرَ الهوى إلا من يكابده، كذلك الكتاب لا يعرف أوجاعه إلا الراسخون في فيه، الحاملون على أكتافهم همّه، المهجوسون به، لكن المشتغلين في الثقافة ليسوا كلهم هذا الشخص.. بعضهم يستقر في وعيه أن الكتاب سلعة، مثل أي سلعة، ناسفاً كل ما يحمله الكتاب من عمق حضاري وإنساني لا علاقة له البتة بالتجارة ولا بأرقامها.. وعندما يصبح الوعي سلعة ينبغي على المرء أن يتحسس رأسه...
كثيرة هي المشاعر التي يثيرها في النفس معرض الكتاب؛ تتعثر بوجه شاعر هنا أو فنان هناك/ تقرأ عبارة تشي بك/ تنتبه إلى كاتب يشيد قصوراً من كتب/ تستعيد ألقاً غابراً مع شاعر يقرأ حزنه الوجودي أو شاعرة تتلو عتمتها في صمت.. تبحث في كل هذا عن غنائمك الصغيرة، عن الكتب الجديدة أو تلك التي لم تدخل بعد إلى مكتبتك، تتأبط ضالتك وتخرج عامراً بفيضك الداخلي، فمعرض الكتاب مثل كل شيء في هذا العالم، محكوم بنظرتك إليه، وبما تريده منه... وما إن تغادر مبنى مركز المعارض حيث يقام المعرض حتى تجد نفسك في حضرة أجمل المفاجآت وآخرها.. السماء تمطر وأبوظبي تحت المطر تبدو أكثر حميمية من المعتاد..
على حين غرة، و... بلا موعد، يقدم لك هذا المطر النيسانيّ الجميل فرصة استثنائية لتذكر أو تسلو ما شئت من أحزانك؛ فلكلٍّ منا من «مطره» ما تعودا...


للمرأة في المعرض صالونان ثقافيان: واحد للدرّ والثاني للمحبة

للمرأة في معرض الكتاب بيتان؛ واحد للدرّ والثاني للمحبة، أما الأول فهو الصالون الثقافي «بحر الثقافة» الذي أسسته سمو الشيخة روضة بنت محمد بن خالد آل نهيان وأما الثاني فهو صالون «الملتقى» الذي أسسته أسماء صديق المطوع برعاية من سمو الشيخة سلامة بنت حمدان آل نهيان، وكلاهما يقومان بدور مميز في الحياة الثقافية المحلية، وكلاهما صنعا حضوراً بارزاً في معرض الكتاب، وقدما برنامجاً استقطب الاهتمام وتميز بالغنى والتنوع.
تتبدى جماليات الأنوثة في كل صغيرة وكبيرة في الصالونين؛ في شكل المكان وتصميمه وعبق وروده الحقيقية والمجازية، وحتى في تصميم الكتيبات التي تعرف بطبيعة كل صالون ونشأته واهتماماته.. في كل شيء في المكان تتبدى جماليات فنية وتشكيلية.
بالخط العربي الجميل الذي كتب به اسم «بحر الثقافة» تبدأ علاقتك بالصالون، بالشعر المنقوش على بابه:
«أنا البحر في أحشائه الدرّ كامن
فهل ساءلوا الغواص عن صدفاتي».
هي دعوة للغوص إذن في بحر الثقافة، لكنها لا تقتصر على اللغة العربية التي نظم فيها حافظ إبراهيم قصيدته شاكياً ما تلقاه على أيدي أبنائها من إهمال، بل تتسع للغة الإنجليزية أيضاً.
بالرواية افتتح «البحر» يومه الأول في حوار مع الروائيين المرشحين للقائمة القصيرة في جائزة البوكر، مانحاً صباح اليوم الثاني للقاء حول «الرواية والفنون البصرية» تحدث فيه الروائي والناقد نبيل سليمان، فيما المساء فضاء للشعر الذي جاءت أمسيته قسمة عادلة بين المرأة والرجل؛ شاعرتان هما شيخة المطيري وماجدة الدهام، وشاعران هما مصبح الكعبي وعبد الله الخياط في رمزية دالة على العلاقة التشاركية التي يبنيها الإبداع بين الرجل والمرأة.. أما مساء الجمعة فاتسع لمناقشة هموم «الصحافية الإماراتية في ميدان الإعلام» من خلال حلقة نقاشية مع الصحافيات: السعد المنهالي، خيرية ربيع، فضيلة المعيني، ميساء غدير وإيمان محمد، وقد حضر جانباً منها سمو الشيخ عبد الله بن زايد آل نهيان وزير الخارجية فاتحاً حواراً شيقاً مع الصحافيات.
وفي السبت أطلت الرواية مرة أخرى ليحكي نبيل سليمان عن علاقتها بالتراث العربي السردي، فيما تندّى المساء بحوارية مفتوحة مع الاديب عبدالإله بن عرفة وإيقاعات فرقة الذاكرين.
وفي الأحد تقصى الدكتور رسول رسول صورة الجسد في السرد الروائي, فيما خصصت الفترة المسائية لحلقة نقاشية عن «تحديات النشر في البلاد العربية» ليسلم المساء راحتيه للمبدعة الجميلة حصة لوتاه التي عطرت أرجاء المكان بقراءة قصتين من مجموعتها الجديدة.
وفي الاثنين، ختام المعرض، فسحة صباحية لـ «الإزعاج النقدي» الذي تحدثت عنه الدكتورة شيرين أبو النجا، فيما حمل المساء صوت حمدة خميس الشعري الرائق الذي يستحق بالفعل أن يكون خاتمة برنامج الصالون.
تحضر نون النسوة فينهض الشغف الثقافي من غفوته معلناً عن حميمية لافتة بين عضوات صالون «الملتقى» تبدّت في شهاداتهن حول أثره فيهنّ، وتلك الصداقة التي نسجت خيوطها على مهل بإبرة الوقت، فصنعت بيتاً للمحبة تمكن من طرد حتى الشعور الرهيب بالغربة كما قالت إحداهن..
وفي «الملتقى» اتسع البرنامج لمعظم ضيوف معرض الكتاب تقريباً ليتحدثوا عن تجاربهم او يدلوا بشهاداتهم أو يتحدثون في قضايا الثقافة والإبداع بشكل عام، ولأن المساحة لا تتسع لسرد الكم الكبير من الأنشطة نتوقف فقط عند أربع أفكار نفذت تحت مسمى «فكرة السنة»، أولاها: إعداد كتاب عن الرواية الخليجية بعنوان «ساحل الرواية الخليجية» حمل توقيع أسماء صديق المطوع وصلاح حيثاني، وجاء تزامناً مع اختيار دول مجلس التعاون الخليجي ضيف شرف لمعرض الكتاب، والثانية مبادرة «كتاب منك لهم» في محاولة لتأمين الكتب لمحتاجيها، والثالثة ورشة عمل أغلفة الكتب التي جرى خلالها تحويل أغلفة الروايات التي تمت مناقشتها في الصالون إلى أعمال فنية، وآخرها بعنوان «الإمارات في ألف عين وعين» حملت دعوة للجمهور لالتقاط صور فوتوغرافية مع عبارة تمثل الحالة الوجدانية او الجمالية، وذلك من أجل تشكيل ألف طريقة وطريقة لحب الإمارات.


كتب للصدقة وكتب تهدى ولا تباع.. وللثقافة وجهها الإنساني النبيل


ثقافة الخليجية متبدياً في الأساطير التي لا تنتهي بل تتحول متخذة شكلاً ونسقاً آخرين، وموقع الخطاب الروائي في السعودية من خلال قراءة السرد وتجلياته في «رواية ما بعد الألفين»، والعمق الذي يميز الكتابة الروائية والقصصية في مقابل الكتابة للتلفزيون والسينما، وتدبُّر في العلاقة بين السرد والهوية والديموقراطية، وهل للهوية مُنطلق سردي، وعمل على دمقرطة النص الأدبي، وبالتالي المجتمع، والاقتراب من المسرح القطري نشأة وتطوراً.
حضرت الثقافة الإماراتية (في هذا الركن) لتعلن نفسها في المشهد الخليجي نقدياً عبر قراءة ناقدة قدمتها أمينة ذيبان لواقع النقد الأدبي في الإمارات، وأسباب تأخره، وكيفية الدفع به، ثم روائياً من خلال الشهادة الماتعة التي قدمها علي أبو الريش عن علاقة «الرواية بالفلسفة».
تترك علي أبو الريش يحكي عن الابنة الصغيرة التي هربت من معطف الفلسفة، أعني (الرواية)، لتواجه الخوف المتضخم في العالم العربي الذي يزدهر كلما زادات اللاءات والمحظورات... وتبحث في فضاء الكتاب عن قطفة أخرى.

الحرب غير المعلنة
عن الكتاب الإلكتروني لا تسأل.. بل تملّى بعمق حرباً خفيّة، شرسة، تدور رحاها بين طريقتين للقراءة، الأولى تتوسل الكتاب في وعائه التقليدي (الورق)، والثانية تذهب الى الافتراضي باحثة عما يقدمه للمعرفة من إمكانيات واسعة ومتنوعة، خاصة لعباد الله الذين لم تعد لديهم مساحة في بيوتهم الصغيرة لكتب جديدة.. هذه واحدة من حسنات الكتاب الإلكتروني أما الثانية فهي قدرته على ربطك بالعالم من خلال تصفحه في أوعية ثقافية سمعية وبصرية تتطور باستمرار.. لكن هذه المحاسن وغيرها لا تزحزح المثقفين، ومنهم رشيد بو جدرة، عن رأيهم في خير جليس، ولا تفلح في أن تلوي أنوفهم عن «رائحة» الكتاب الورقي الذي يمكن كما يقول رشيد بو جدرة «أن تصادقه وتأخذه الى سريرك أو غرفة جلوسك، وتنشئ معه علاقة محسوسة غير افتراضية».
ولا ينسى الكاتب أن يطمئننا على مستقبل الكتاب الورقي الذي سيظل نداً لا يهزم للكتاب الإلكتروني، وما معارض الكتب غير دليل على عمق حضوره في الذات والذاكرة العربية».
أما الكاتب والإعلامي عدنان حسين أحمد فيرى أن الكتاب الورقي «لن يفقد بريقه مطلقاً، سيظل قائماً كندّ للكتاب الإلكتروني». مع ذلك، ينتبه عدنان إلى أن «الكتاب الإلكتروني له جمهوره الخاص، و يسجل إقبالاً من الكتاب الشباب. هذه ثقافة العصر وعلينا الاهتمام بها أيضاً، وأعتقد أن معرض أبوظبي للكتاب باهتمامه بشكلي الكتاب يحقق التوازن المطلوب بينهما».

أشياء لا تشترى
بالونات ومرح وشيء من الندى الذي يبل الروح تتوفر في جناح «صدقة - رد الجميل» الذي أرادته ريم المتولي بيتاً للعمل المجتمعي، في محاولة لإخراج الكتاب من حالة القراءة فقط، إلى حالة الفعل الذي يشحذ الإنسان على الاسهام في تنمية مجتمعه.. وقدمت من خلاله نموذجاً على قدرة الثقافة على أن تكون نبيلة!.
فكتاب «صدقة» الذي أصدرته ريم المتولي أوائل هذا العام، ومنه جاء اسم الجناح، ليس سوى دليل يأخذك إلى سبل عديدة لتحقق التغيير. أعدته ريم، كما قالت، بناء على ترجمات مستقاة من مصادر عالمية وأبحاث مستفيضة في العديد من مواقع الإنترنت. والجميل في الكتاب أنه يقدم لك أفكاراً خلاقة يمكنك أن تحقق التغيير من خلالها من دون أن تكلفك شيئاً. كل ما عليك أن تحدق في ذاتك وتكتشف ما لديك، وتستثمر مواردك الخفية التي قد لا تنتبه لها وتفيد الآخرين.
بهذا الكتاب يكتسب العمل الخيري ميزة جديدة تخرجه إلى اقتراحات متنوعة، مبتكرة، مبدعة، أنجزت بالتعاون مع أكثر من 600 منظمة خيرية، من المنظمات الأكثر ابتكاراً وفعالية في جميع أنحاء العالم. ولهذا وجد الجناح إقبالاً كبيراً من الجمهور لا سيما من الأطفال والشباب.
وعلى جدار معد للتوقيعات والتعهد بالبدء في التغيير وقع الكثيرون وفي مقدمتهم الشيوخ: زايد بن نهيان بن زايد آل نهيان، خليفة بن سلطان بن خليفة بن زايد آل نهيان، واليازية بنت سلطان بن خليفة، وخليفة بن سلطان بن خليفة حفيدي صاحب السمو رئيس الدولة.
يتمظهر الجانب الإنساني للمعرض أيضاً في جهود مؤسسة زايد للأعمال الإنسانية الخيرية التي قامت بطباعة كتاب ضخم يتكون من 47 مجلداً تحت عنوان «معلمة زايد»، وهي موسوعة علمية خاصة بالقواعد الفقهية والأصولية، وما يندرج فيها من مبادئ وأسس تشريعية وقواعد مقاصدية وضوابط فقهية.. الأهم أنها غير قابلة للبيع، وعلى غلافها وفي مقدمتها تبرق عبارة «يهدى ولا يباع»..
صحيح، ثمة في الحياة أشياء لا تشترى، وهي غير قابلة للبيع ولا تقدر بالمقاييس الدنيوية.. إنما تحقق حضورها في ما تنطوي عليه من فعل إنساني ومجتمعي نبيل.
وفي الإنسانيات أيضاً تأتي التفاتة معالي مريم محمد خلفان الرومي وزيرة الشؤون الاجتماعية لشريحة مهمة من المجتمع هي ذوي الاحتياجات الخاصة، التي لا ينبغي إقصاؤها عما يجري على صعيد الحياة الثقافية من أحداث، حيث أودعت كتاب «رؤيتي: لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم نائب رئيس الدولة رئيس مجلس الوزراء حاكم دبي (بلغة برايل) في جناح هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة في المعرض، لتمكين المعاقين بصريا من الاطلاع على الكتاب ونهل المعرفة والثقافة من منابعها الثرة والغنية التي اتسم بها فكر صاحب السمو الشيخ محمد ولفتح آفاق جديدة أمامهم ومساواتهم بأقرانهم في الإطلاع على النتاج الثقافي والمعرفي المتميز في الدولة.
ويعتبر كتاب رؤيتي الذي طبع بلغة برايل على نفقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد من أهم الكتب الغنية بمضامينها والتي ترتكز على تجربة إنسان رافق مسيرة دولة الإمارات منذ قيامها وأسهم في بناء نهضتها وعزز كيانها وأبدع في تنمية دبي حيث ارتقى بها إلى مصاف المدن العالمية في المجال العمراني والثقافي والاقتصادي والاجتماعي.
بالطبع ثمة ملامح أخرى لهذا الوجه الإنساني في هذا المعرض لا يسعنا الإحاطة بها، منها على سبيل المثال، مبادرة هيئة أبوظبي للسياحة والثقافة للتواصل مع مختلف شرائح المجتمع والتي قام ضيوف معرض أبوظبي الدولي للكتاب من خلالها بزيارة الأطفال مرضى السكري في مدينة الشيخ خليفة الطبية في سعي لتعزيز حضور الثقافة في الحياة المجتمعية...

الخارجون من القيد
بين أجنحة المعرض تعثر على مشاركة مختلفة لها نكهة الخارج من القيد.. إنها ليبيا التي تشارك بجناح يتيم في المعرض، هو جناح مجلس الثقافة العام الليبي الذي يعرض بانوراما للإبداع والكتاب الليبي الذي يعكس ثقافة جديدة «تحررت من قيد الدكتاتورية»، ونبتت لها أجنحة صغيرة تستعد للطيران، كما يقول سالم أحمد الأوجلي مدير إدارة الآداب بالمجلس، منوهاً إلى الأهمية الخاصة التي يتمتع بها معرض أبوظبي الدولي للكتاب على خريطة معارض الكتب العربية والعالمية، مؤكداً على أنهم في ليبيا «مهتمون بالثقافة بكل تجلياتها، ويطمحون إلى «تحقيق شراكات وإنجاز مشروعات تعاون مستقبلي مع القائمين على معرض أبوظبي للكتاب».
وإذ ينوه الأوجلي إلى أن الزائر للجناح «يستطيع أن يأخذ فكرة متكاملة عن الحياة الثقافية في ليبيا الحديثة، يلفت إلى أن الثقافة الليبية «تعيش الآن مناخاً شديد الحيوية من حيث الإصدارات وحركة النشر، والإفراج عن الكتب التي كانت تتم مصادرتها في السابق، وهي الآن موجودة في كل مكان، وقد عاد المنفيون وعادت كتبهم ورؤيتهم لواقع ليبيا».
«المشهد تغير كلياً والليبيون متعطشون لمعرفة كل ما يتعلق بتاريخ ليبيا قبل القذافي»، بهذه الكلمات أترك ليبيا الخارجة من قيدها لأعثر بعد قليل على مفارقة تنتظرني: القذافي ذهب لكنه ترك وراءه في جناح بعيد يقبع على رفوفه «الكتاب الأخضر» وكتباً أخرى تحكي سيرته.
أستعيد مفارقة أخرى، تختلف في الدلالة لكنها تتشابه في فعل الموت، كتاب جديد للراحل أحمد راشد ثاني كشف عنه اتحاد كتاب وأدباء الإمارات يحمل عنوان: «لذة المرض»!
تتأمل في الموت وفعله.. يموت الكاتب فيحضر الكتاب، يحضر الكتاب فيموت الكاتب.. إنها لعبة الحياة!!
تدس حزنك بين دفتي الكتاب ثم تبتعد فيما فكرة الخلود تداعب رأسك وتأخذك إلى بهجة أخرى...
تحدق العين في مشهد النساء اللواتي أتين إلى المعرفة بكل بهائهنّ الروحي هذه المرة. فيما الأذن تحلق في قراءات سماعية في الروايات العرفانية للكاتب عبد الإله بن عرفه تنشدها مجموعة الذاكرين بإرشاد من محمد التهامي الحراق.. تحلق مع ابن عربي إلى مديات لا حدّ لها:

ليـــت شــــعري هــل دروا أي قــلـــــب ملـكـــــــــوا
وفــــــؤادي لـــــــــو درى أي شـــــــــعب ســـــلكوا
أتراهــــــم ســـــــــــــلموا أم تـراهــــــم هلكـــــــــوا
حــــار أربــــاب الهـــــوى فـي الهـــــــوى وارتبكــــوا
ترتبك روحك مرات ومرات في هذه الجولة التي يهديها لك المعرض تحت عنوان «الحياة في كتاب»، تتأمل الناس، وجوههم، فالمعرفة تقيم في القلوب لا في السطور فقط، بعضهم جاء مطلعاً والآخر مختبراً فكرة المعرض والثالث لمقابلة كاتب يحبه والرابع لشراء كتب لأطفاله والخامس والسادس... وكلهم يبحث عما ينفع الناس ويمكث في البحر.
لا يعرف سرَ الهوى إلا من يكابده، كذلك الكتاب لا يعرف أوجاعه إلا الراسخون في فيه، الحاملون على أكتافهم همّه، المهجوسون به، لكن المشتغلين في الثقافة ليسوا كلهم هذا الشخص.. بعضهم يستقر في وعيه أن الكتاب سلعة، مثل أي سلعة، ناسفاً كل ما يحمله الكتاب من عمق حضاري وإنساني لا علاقة له البتة بالتجارة ولا بأرقامها.. وعندما يصبح الوعي سلعة ينبغي على المرء أن يتحسس رأسه...
كثيرة هي المشاعر التي يثيرها في النفس معرض الكتاب؛ تتعثر بوجه شاعر هنا أو فنان هناك/ تقرأ عبارة تشي بك/ تنتبه إلى كاتب يشيد قصوراً من كتب/ تستعيد ألقاً غابراً مع شاعر يقرأ حزنه الوجودي أو شاعرة تتلو عتمتها في صمت.. تبحث في كل هذا عن غنائمك الصغيرة، عن الكتب الجديدة أو تلك التي لم تدخل بعد إلى مكتبتك، تتأبط ضالتك وتخرج عامراً بفيضك الداخلي، فمعرض الكتاب مثل كل شيء في هذا العالم، محكوم بنظرتك إليه، وبما تريده منه... وما إن تغادر مبنى مركز المعارض حيث يقام المعرض حتى تجد نفسك في حضرة أجمل المفاجآت وآخرها.. ال

اقرأ أيضا