الاتحاد

عربي ودولي

حياة هادئة تحولت إلى كابوس ··· وسكان يبحثون عن الملاذ في المدينة

تامر أبو العينين:
ارتبط الريف السويسري في أذهان الكثيرين بالفلاحين السعداء البسطاء، الذين ينتجون الألبان ومشتقاتها، حتى تحول مجرد اسم 'حليب جبال الألب'، إلى ضمان للجودة والنقاء، لأنه قادم من طبيعة ساحرة جميلة، بعيدة عن التلوث البيئي·
وانتشرت قصص 'هايدي' تلك الطفلة السويسرية البريئة التي نشأت وشبت وسط الجبال في بيت أسرتها الخشبي، وعرف العالم من خلالها الكثير من طبيعة الحياة الجبلية السويسرية، في أجواء لم تكن وقت ظهور القصة إلا ضربا من الخيال أو المبالغة، ولكنها الآن أصبحت من قصص الإساطير وحكايات الماضي، أو كما يـُقال من 'الزمن الجميل'·
فهذا الريف السويسري الجبلي بحياته البسيطة وأعياده التقليدية تحول إلى ذكرى وأثر بعد عين، بعد أن بدأ سكان الجبال من المزارعين يهجرون عملهم، منهم من تحول إلى التقاعد بسبب تقدم العمر، ومنهم من نزح إلى المدينة بحثا عن عمل آخر أوحرفة يقتات منها بعيدا عن الزراعة، بعد ان بدأوا يعانون في حياتهم، وشعروا بأنهم يتحولون تدريجيا إلى عبء ثقيل على الدولة تريد التخلص منهم بأي شكل، ولم تعد منتجاتهم تثير التجار، واصبحت نسبة كبيرة منهم تعاني من الفقر الشديد·
أما من تمسك بالمعيشة في القرى الجبلية فليس عليه سوى أن يكون من الأثرياء أو أن يعيش من المساعدات والهبات التي تقدمها الجمعيات الانسانية والخيرية، في بلد معروف بارتفاع مستوى المعيشة والثراء·
ففي الفترة ما بين عامي 1996 و2003 انخفض عدد المزارع الجبلية المنتجة إلى النصف، وما تبقى تحول إلى كيان رمزي يعمل بالحد الأدنى من طاقته، وبالتالي تراجع عدد العاملين فيها بنسبة كبيرة، بعد أن عجز أصحابهاعن دفع رواتب وأجور العمال سواء كانوا من المزارعين المحترفين أو من الموسميين·
كان الفلاحون السويسريون في الجبال جزءا هاما من اقتصاد البلاد، وأحد رموزها القومية، فلا يخلو منظر طبيعي من بيت قروي ريفي بين أحضان الجبال أو أبقار نائمة في هدوء فوق بساط أخضر· وكان الفلاحون السويسريون لا يغيبون عن الاحتفالات بالمناسبات القومية أو الهامة، بملابسهم التقليدية ومعداتهم البسيطة البدائية وأبقارهم التي يعتزون بها أكثر من أية سيارة حديثة، بل وكانوا يقيمون لها مسابقات الجمال والقدرة على إدرار الحليب·
وكان أي برنامج سياحي يهتم زواره بقضاء بعض الأوقات في أحضان الجبال السويسرية، لا يخلو من زيارة لبيت ريفي فلاحي، يرى فيه السواح كيف تـُصنع الجبنة السويسرية والعسل، وكيف يعتني الفلاحون بأبقارهم وماشيتهم، وكيف يعيشون حياتهم اليومية، بل إن نظام التعليم كان يفرض على طلبة المدارس الثانوية الإقامة لفترة محددة في المزارع الجبلية في منطقة لغوية بعيدة عن تلك التي نشأ فيها ليتعرف عن قرب على نمط الحياة هناك، والذي هو جزء من تاريخ سويسرا·
إلا أن الصورة الآن تبدلت، وبات فلاحو الجبال السويسريون من المعوزين، الذين تسعى الجمعيات الخيرية لتقديم المساعدات لهم، فبعد أن تحولت منتجات الألبان إلى السفوح، واصبحت تربية الماشية في المراعي الجماعية والاصطناعية أقل تكلفة وأوفر ربحا، تراجع الإقبال على المنتجات الجبلية، وتراجعت معها أهميتها الاقتصادية، فخلت القرى من مدارس التعليم الأساسي، وأغلقت الحوانيت القليلة التي كانت فيها أبوابها مفتوحة، وتقلص الاهتمام بالمواصلات العامة بها، وان تواجدت، فهي مرتان في اليوم الواحد على أكثر تقدير·
رجال الاقتصاد لا يفكرون إلا من منظور الربح والخسارة، والتفكير من منظور عاطفي لا مكان له في لغة التعامل بالأموال في دولة مثل سويسرا، فإذا كانت منتجات القرى الجبلية لم تعد مربحة، فليبحث الفلاحون بأنفسهم عن البديل، وإذا كان سكانها يهجرونها تدريجيا، فلماذا تنفق الحكومة على المرافق العامة مثل البريد والمدارس؟
الاقتصاد الليبرالي الحديث هو السبب في اندثار القرى الجبلية، فشبكات توزيع المنتجات الغذائية الكبرى تريد أن تقدم للمستهلك بضاعة متوفرة بشكل دائم، وبأسعار منافسة، وهذا لا يمكن أن يتحقق في ظل تكاليف نقل باهظة لمنتجات القرى الجبلية، ولا يمكن افتتاح معامل فيها لصعوبة الوصول إليها، وأي شبكة توزيع استهلاكية كبيرة لا يمكن أن تدفع في ثمن المنتجات التي يوردها الفلاحون السويسريون أكثر مما يأتيهم من ايطاليا أو اسبانيا بأسعار مغرية، لتضمن ربحا كبيرا·وحتى عندما تمكنت بعض القرى الجبلية من التحايل على الوضع الراهن، والسعي من خلال التعامل مع الفنادق والمطاعم في المناطق السياحية للبقاء على قيد الحياة، وجدت نفسها في مأزق كبير، فهي مرتبطة بقدوم الضيوف إلى تلك الفنادق، فإن ضنت عليهم السماء بالثلوج تراجعت ارباحهم، ليبقى الفلاحون في تلك المناطق فعلا في وضع المحتاج بشكل دائم·
الضربة القاصمة التي قضت على آخر آمال القرى الجبلية السويسرية في البقاء على قيد الحياة جاءت من الجيش السويسري في إطار خطة التوفير في ميزانيته التي ستبدأ إعتبارا من العام ،2005 ليكمل على ما بقي من أمل للحياة في القرى الجبلية·
فبعد أن قررت وزارة الدفاع اغلاق الثكنات العسكرية في الجبال والتقليل من المناورات فيها إلى الحد الأدنى، ضاع آخر مورد رزق مضمون لحوالى 4000 شخص من سكان القرى الجبلية ينتشرون في مختلف المناطق السويسرية، كانوا يعملون في خدمة وحدات الجيش تلك، سواء في إعداد وجبات الطعام لهم، أو تقديم خدمات نقل بسيطة وتجهيزات الخيام والملابس وإصلاح بعض المعدات الخفيفة والبسيطة، وما كانوا يحصلون عليه منها هو الدخل الوحيد المضمون بالنسبة لهم على مدار العام على الرغم من قلته، بعدما أدار لهم الجميع ظهورهم، وتنكروا لهم أو تجاهلوهم، وجعلوهم في انتظار الوعود والأماني·
وكنوع من الشعور بالذنب، أعلن الجيش أنه سيقوم بتقديم بعض المساعدات، مثل إصلاح البيوت الخشبية بعد موسم الشتاء والجليد، أو ترميم الآبار وخزانات المياه، أو صيانة حظائر الحيوانات·
وسويسرا ليست بالبلد الفقير، بل هو مشهور بمساعداته الانسانية والدولية في مناطق كثيرة من العالم، وهي لا تعتبر نفسها مقصرة أو سببا في معاناة الفلاحين في القرى الجبلية، فالاتفاقيات التجارية مع الاتحاد الأوروبي وشروط العولمة التي يفرضها سيف منظمة التجارة العالمية منعت سويسرا من تقديم أي دعم لمزارعيها، وبالتالي ليس عليهم إلا تدبير أمرهم بشكل أو بآخر، بعيدا عن انتظار دور الدولة·
وعندما يقول الاقتصاد إن دورة الحياة تشمل دائما صعود أنشطة على حساب أخرى، أو انتعاش في مجال وكساد في آخر، فإن ما تعيشه سويسرا اليوم هو اختفاء لحياة الفلاحين في الجبال، لتزول تدريجيا وتتحول إلى أثر بعد عين، في كتب التاريخ والمتاحف والبطاقات التذكارية المصورة، أي أنه ليس على الأجيال الحالية إلا التحرك سريعا والبحث عن وظيفة أو عمل آخر لضمان لقمة العيش، فالدولة لن تدعمهم·
قد يشعر المرء بمرارة غريبة وهو يرى هذه الحياة البسيطة الهادئة الوديعة تتبدل إلى كابوس لأصحابها، وعندما تمر الآن في احدى القرى الجبلية السويسرية، قد لا تجد من يرحب بك عندما تحط رحالك لتلتمس بعض الأيام في احضان تلك الطبيعة الساحرة، ومن تراه ربما ينظر إليك مندهشا لأن هناك من لا يزال يبحث عن تلك القرى، التي كانت يوما ما محور الأحاديث والحكايات·
إلا أن زيارة تلك المناطق الآن تحديدا تعطي الزائر بالفعل صحة مقولة الزعيم الوطني المصري مصطفى كامل الشهيرة 'لا يأس مع الحياة ولا حياة مع اليأس' ولم تستسلم فئة من أبناء الجبل لهذا القدر بسهولة، فلقد عودتهم الطبيعة الصبر والتأني والبحث عن الحلول والمخارج، ويعرفون هذا جيدا من تاريخهم في مواجهة الأعاصير والسيول، والتخلص من أكوام الثلوج التي تسد الطرقات، والبحث عن الخشب للتدفئة، حيث يأتي الآن التحدي الجديد ··· للصراع من أجل البقاء·
فعدد غير قليل من أبناء الجبال في سويسرا، لا يتصورون أنهم سيستطيعون العيش في المدن، ومنهم من يصاب بالهلع من مجرد تخيل هذا الموقف، بعضهم يتساءل ' الرحيل إلى المدينة؟ العيش في الضوضاء والزحام وقلة الصبر وانتشار البطالة وارتفاع نسبة الجريمة؟' بعضهم يقبل بالتحول إلى قرى في السفوح، على اعتبار انها تشبه الحياة في الجبال مع بعض الاختلافات بالتأكيد، ولكنها ليست نقلة كبيرة في الحياة في المدن·
وقسم آخر خاض التجرية ، ورحل إلى المدن، ولكنه عاش فيها غريبا، إيقاع الحياة سريع، والجميع ينظرون إليهم على أنهم بسطاء فقدوا كل شيء ويبحثون الآن عن أي شيء، تجلس في المقاهي في المدن المتاخمة للمناطق الجبلية مثل 'خور' أو 'اور دورف' أو 'انترلاكن' أو 'دوليمون' فتسمع في أحاديث روادها وحكايات وذكريات وقصص البطولة، تذكرك بما كان يدور في المقاهي والجلسات العربية قديما حول مغامرات هذا الفارس أو ذاك البطل، وتتعجب فعلا من هذا التشابه، مع اختلاف المعايير والمقاييس·
وبعضهم قبل التحدي، وقرر مواجهة المجهول والبقاء في الجبال، على الرغم من أن جميع التكهنات تشير إلى أن هذا المجهول لا يحمل ايجابيات كبيرة، بل سلسلة من التحديات، قد لا يقبل بها سوى من يعرف أنه لن يستطيع أن يعيش بعيدا عن تلك الأجواء التي شب ونشأ عليها، أو من يعرف بأنه خسر كل شيء ولن يخسر أكثر إن بقي·
وتساعد جميعة 'مساعدة أبناء الجبال' تلك الفئة في خوض غمار تلك التحديات، رغم أنها تعتمد على جمع التبرعات من الموسرين والمحسنين، في حملات متواصلة طيلة العام تزداد في كثافتها قبل مجيء الشتاء وفي أيام الأعياد ذات الصبغة الدينية·
وتأخذ تلك المساعدات أبعادا مختلفة، فإلى جانب جمع الملابس سواء المستعملة أو تلك التي لم تتمكن المحلات من بيعها، وتوزيعها على فلاحي الجبال، تشارك أيضا في تحقيق بعض طموحات الراغبين في الحفاظ على ثقافة الفلاحة الجبلية·
فعلى سبيل المثال، اتفق ثلاثة من الفلاحين في منطقة غراوبنودن، اقصى شرق سويسرا على ضم ثروتهم الحيوانية في مزرعة واحدة على أن يكون انتاجها للمنطقة المحيطة بهم وساعدتهم تلك الجمعية في إعداد المزرعة الجديدة، التي تشبه إلى حد كبير تلك المنتشرة في الدول النامية، وعلى الرغم من أن ربح المزرعة لا يكفي إلا للمتطلبات الأساسية للحياة، فهم يعتقدون بأن هذا الحل أفضل من الرحيل و'التسول' في المدينة·
وفي جبال 'جورا' غربي سويسرا المتاخمة للحدود مع فرنسا نفس المشكلة، ولم يجد الفلاحون هناك، سوى الحصول على مساعدة الجمعية للترويج لمنتجاتهم الطبيعية، ويعتمدون أيضا على توزيعها على سكان القرى المجاورة، بالتوصيل إلى المنازل أو بالمشاركة في الأسواق الأسبوعية، ويشعر الفلاحون بالسعادة رغم أنهم يعيشون حياة بدائية للغاية، ولكنها بالنسبة لهم أفضل من الوقوف على أبواب مكاتب العمل والمساعدات الاجتماعية·
فلاحة أخرى في إحدى قرى مقاطعة فاليه في الجنوب السويسري، لم يتبق لها من حظيرتها سوى حمارين اثنين، اعتنت بهما وقررت الاستعانة بهما في إقامة مزرعة صغيرة للحمير، يمكن الاستفادة منها في تقديم خدمات العلاج النفسي للمراهقين المصابين ببعض الإضطرابات النفسية على رعايتهم، حيث استفادت من تجربة بعض الأطباء في أن التعامل مع الحمير يعود المراهقين على التركيز والصبر، ونجحت في أن ترفع من عددهم إلى ،5 وتعيش من الدخل الذي تحصل عليه بشكل معقول، وتعوض ما ينقصها من خلال الاهتمام الإعلامي بها كصاحبة تجربة هي الأولى من نوعها في سويسرا·
وفي تجربة أخرى مثيرة في احدى قرى منطقة سان غالن في جبال شرق سويسرا، قررت شقيقتان ارملتان لم يتبق لهما سوى بيت ريفي وحديقة واسعة أمامه، فبعد وفاة زوجيهما، ورحيل الأبناء إلى المدن لم تجدا سوى الاستفادة من تلك الحديقة الواسعة إلا في زراعة الأعشاب والنباتات التي لا تنبت إلا في جبال الألب، واستفادتا من موضة الإقبال على تلك النوعية سواء كخليط من الشاي أو كعلاج لبعض الأمراض البسيطة، وتبيعان انتاجهما أيضا في الأسواق الأسبوعية، أو لمن يطلبها منهما عن طريق البريد، وتقوم جمعية مساعدة أبناء الجبل بعمل الدعايات اللازمة لهما، ومن الطريف أن أغلب الزبائن من الشباب والصيدليات، والمحلات المتخصصة في بيع تلك الأعشاب، وتشعران بالسعادة لأنهما تمكنتا من فتح باب جديد للحياة بعيدا عن الفقر والفاقة·
وفي بعض المناطق التي لم تعد تصلح على الإطلاق لأية مشاريع زراعية أو انتاجية، لجأت جميعة مساعدة أبناء الجبل إلى أسلوب جديد للمحافظة على آثار الحياة فيها، ففي قرية في وادي كالفايسن شرقي سويسرا، لم يبق منها سوى بضعة أكواخ متواضعة للغاية، قرر الباقون في القرية الحفاظ على أقدم مضخة للمياه فيها والتي تشبه الساقية الخشبية، وتطويرها بشكل تتحول معه إلى معلم أثري نادر، لا يمكن لأي زائر إلى المنطقة إلا أن يمر عليها ويزورها، وأغلب الزوار يدفعون بعض المبالغ العينية تقديرا لهذا الجهد في الحفاظ على هذا التراث، وهو ما ثمنته أيضا إدارة المقاطعة التابعة لها ورصدت مكافأة سنوية من أجل الاعتناء بها، ثم تحولت بعد ذلك إلى انتاج الكهرباء بشكل محدود للغاية وبوسائل بدائية تماما·
وقد أوحى نجاح تلك التجربة إلى بعض الجهات الجبلية الأخرى للبحث عن البقع التاريخية التي تضمها من أكواخ بسيطة أو بعض المعدات التي كانت تستخدم في السابق في انتاج الجبن، وتحويلها إلى نوع من الآرث الثقافي الذي يجب تجديده للحفاظ عليه، كأحد الرموز التي كانت تعيش وتعمل في تلك المنطقة، لربما يستفيد منها هواة تسلق الجبال أو هواة المشي الطويل أو التزلج على الجليد في الشتاء لأخذ قسط من الراحة وليجمعوا بين الرياضة والثقافة·
ولا تنضب أفكار من يرغب فعلا في البقاء في الجبال السويسرية، فهناك فريق اختار أن يحول عمله من الزراعة إلى الإنقاذ، وبخاصة للرياضيين الحريصين على مزاولة الرياضات الشاقة، الذين قد يتعرضون لمشاكل مختلفة مثل مرض طارئ أو فقدان بعض المعدات التي يصطحبونها معهم، أو مشاكل في الاتصال، فيقوم العاملون في فريق الإنقاذ بمساعدتهم وتقديم ما يحتاجونه، بأجر مناسب بالطبع، ونفس هذا الفريق يتدخل أيضا إذا تعطل التليفريك أو شب حريق في مكان ما ، ويحصلون على مكافآتهم من البلديات وبعض الشركات التي تثمن هذا الدور·

اقرأ أيضا

مقتل جنديين أميركيين في أفغانستان