الاتحاد

الاقتصادي

مصــر.. عودة «الخصخصة» ومطالب بتطبيق «الحوكمة» لمنع الفساد

رجل يتفقد أسعار العملات في بنك القاهرة (أرشيفية)

رجل يتفقد أسعار العملات في بنك القاهرة (أرشيفية)

عبدالرحمن إسماعيل (القاهرة)

تترقب الأوساط المصرفية والمالية في مصر قرارات حكومية بشأن طروحات زيادة رأسمال بنكين حكوميين لأول مرة في سوق المال المصرية، وسط تباين الآراء بشأن عودة برنامج الخصخصة من جديد، والذي أثار جدلاً واسع النطاق خلال عهد الرئيس الأسبق حسني مبارك.
ولم يحدد طارق عامر، محافظ البنك المركزي المصري، البنكين الحكوميين اللذين قال: إن الحكومة تنوي زيادة رأسمالهما عن طريق الاكتتاب العام، بيد أن مصادر مصرفية رجحت أن يكون بنك القاهرة أحد البنكين، وهو البنك الذي كانت حكومة الدكتور أحمد نظيف تعتزم بيع حصة 67% منه لمستثمر استراتيجي في العام 2008، وتراجعت عن هذه الخطوة بسبب ضعف العروض المقدمة، وفضلت بيع محفظته الاستثمارية لبنك مصر، لمعالجة ديونه.
وتمتلك الحكومة المصرية بالكامل كلاً من البنك الأهلي المصري، وبنك مصر، والمصرف المتحد، إلى جانب حصص كبيرة في بنوك أخرى، منها العربي الأفريقي، والتنمية الصناعية، والعقاري المصري.
وقال خبراء اقتصاد ووسطاء في البورصة المصرية: إن عودة برنامج الخصخصة من جديد، وفق شروط تراعي المعايير العالمية المتعلقة بالشفافية والإفصاح من شأنها أن تدعم القطاع المصرفي في زيادة رؤوس أموال بنوكه عن طريق التمويل من سوق المال، وليس من ميزانية الدولة التي تعاني عجزاً كبيراً، إلى جانب أنها ستنعش البورصة المصرية التي تنفرد دون غيرها من بورصات المنطقة بعدم وجود بنوك حكومية مدرجة بها.
وطال برنامج الخصخصة في مصر، الذي بدأ أوائل التسعينات في حكومة الدكتور عاطف صدقي والحكومات المتتابعة في عهود الدكتور عاطف عبيد وكمال الجنزوري وأحمد نظيف اتهامات عدة، أبرزها بيع أصول القطاع العام بأبخس الأسعار، وتقاضي رشى وعمولات بالملايين، خصوصاً بعدما حكم القضاء المصري برد العديد من شركات القطاع العام إلى الحكومة، بعد شرائها من قبل مستثمرين أجانب، أبرزها صفقة بيع محلات التجزئة الشهيرة عمر أفندي لمستثمر سعودي.
وهو ما دعا الدكتور فخري الفقي، أستاذ الاقتصاد بجامعة القاهرة، والمستشار السابق بصندوق النقد الدولي، في اتصال مع «الاتحاد»، إلى المطالبة بتصحيح مفاهيم الخصخصة في مصر، بعدما ثار لغط كبير على عملياتها في السابق، وباتت كلمة الخصخصة مرادفة للفساد على حد وصفه.
وأضاف: إن الخصخصة أتت ثمارها في الدول الناشئة في تخفيف العبء عن الموازنة العامة للدول، حيث تمت خصخصة الشركات والبنوك في إطار من الشفافية والمحاسبة والحوكمة، وهى قواعد حاكمة في حال التغاضي عن إحداها، يصبح الفساد هو الحاكم.
وأوضح أن مصر استوردت آلية الخصخصة من الخارج من دون تطبيق متطلباتها، حيث شابت عمليات الخصخصة عدم الشفافية والمحاسبة، لذلك كان من الطبيعي أن يحكم القضاء في العام 2012 باستعادة الحكومة لخمس شركات من شركات قطاع الأعمال، الأمر الذي كانت له عواقب وخيمة على الاستثمار في مصر، خصوصاً أن الحكومة لم يكن لديها الأموال الكافية لرد ثمن هذه الشركات للمشترين.
وأفاد الفقي بأن إعلان البنك المركزي عن زيادة رأسمال بنكين عن طريق الاكتتاب العام، والقيد في البورصة المصرية، يعتبر توجهاً إيجابياً لتخفيف العبء عن موازنة الدولة، خصوصاً أن البنوك بحاجة إلى زيادة رؤوس أموالها بما يلبي متطلبات بازل 2 و3، مشيراً إلى ملكية الحكومة لعدد من البنوك المرشحة لطرح جزء من أسهمها للطرح العام، منها بنك القاهرة الذي يمتلك بنك مصر كامل أسهمه، والمصرف المتحد الذي كان ثمرة اندماج عدد من البنوك الصغيرة، وبنك التنمية الصناعية.
وشدد على أهمية الالتزام بقواعد الشفافية والمحاسبة في الإعلان، وبوضوح للمصريين كافة، عن عمليات التقييم التي ستتم لأسهم البنكين، وأن يطرح الأمر بكامل تفاصيله قبل الطرح العام على مجلس النواب، بحيث يتم تجنب أية عمليات فساد قد تحدث كما في عمليات خصخصة سابقة.
وأكد أن إدراج أسهم بنوك حكومية في سوق المال المصرية من شأنه أن ينشط البورصة، خصوصاً أنه لا توجد بنوك عامة مدرجة حتى الآن.
توسيع الملكية
ومن جانبها، قالت الخبيرة المصرفية وعضو مجلس النواب الدكتورة بسنت فهمي: إنها طالبت منذ العام 1996 بطرح أسهم البنوك العامة للاكتتاب العام، لأن الحكومة، ممثلة في وزارة المالية، لا تمتلك الأموال الكافية لمساعدة البنوك الحكومية على زيادة رؤوس أموالها.
وأضافت: «يتعين على الحكومة أن تعمل على توسيع قاعدة الملكية للمصريين الراغبين في الاستثمار في أسهم شركات وبنوك ناجحة، خصوصاً وأن هناك رغبة حقيقية من قبل شريحة كبيرة من المصريين لتملك أسهم في البنوك الكبيرة».
وبينت أنه من الممكن أن تطرح حصص تتراوح نسبتها بين 10- 20% من أسهم البنك للطرح العام الذي يكون مقصوراً على المصريين، طالما لدى البعض مخاوف من تملك الأجانب لحصص في البنوك المصرية، رغم أن التجربة أثبتت أن الاقتصاد المصري حقق منافع كبيرة من الاستثمارات الأجنبية.
ولا تبدي فهمي أية مخاوف من تملك المستثمرين الأجانب لأسهم البنوك المصرية، طالما أن ذلك يتم وفق ضوابط متعارف عليها في البورصات، فضلاً عن أن أسهم البنوك عادة ما تكون محل جذب من قبل المستثمرين الأجانب.
وأكدت أن إدراج أسهم بنوك عامة من شأنه أن يُحدث نقلة نوعية في مسار البورصة المصرية، بعيداً عن الإدراجات التقليدية المتعارف عليها، وهو الأمر الذي اتفق معه الدكتور محمد عمران، رئيس البورصة المصرية، والذي وصف قرار الحكومة بزيادة رأسمال بنكين عن طريق الاكتتاب العام بأنه من أهم القرارات الاقتصادية التي شهدتها مصر في السنوات العشر الأخيرة.
وأضاف على هامش مؤتمر اتحاد المصارف العربية، الذي عُقد في مصر نهاية الأسبوع الماضي: «إن تداول أسهم بنوك بالبورصة سيعزز جاذبية البورصة المصرية، ويجعل المواطنين أكثر قدرة على متابعة أداء هذه البنوك من خلال إلزام البنوك بالإفصاح ونشر ميزانياتها».
وهو ما أكده إيهاب سعيد، خبير سوق المال، مضيفاً: إن قرار الحكومة بإدراج أسهم بنوك وشركات في البورصة، يستهدف ضخ دماء جديدة بالسوق تدعم من أدائه، وتحقق الاستفادة القصوى للدولة بتمويل بعض شركاتها، سواء بهدف زيادة رأس المال للتوسع في النشاط، أو بهدف إعادة الهيكلة.
وأضاف: «لقد كنت أول من نادى بضرورة عودة الطروحات الحكومية للبورصة منذ سنوات، ليس فقط لدعم سوق المال الذي يعانى منذ 8 سنوات حتى الآن، ولكن لأن الاستفادة من مثل هذه الطروحات تطول الأطراف كافة، خصوصاً الحكومة التي تعاني من عجز متفاقم بالموازنة يحول دون قدرتها على إعادة هيكلة أي من شركاتها، أو الشركات المطروحة.

اقرأ أيضا

الصين وأميركا تعقدان محادثات تجارية "بناءة" في واشنطن