صحيفة الاتحاد

الإمارات

«محلس زايد الرمضاني» زاخر برموز قيادية وسياسية واجتماعية من مختلف ربوع الوطن

بقلم: الكاتب الصحفي حمدي تمام

«لقد نشأ القائد المؤسس المغفور له الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، طيب الله ثراه، منذ طفولته على ممارسة الواجبات الدينية في ورع، وترعرع في جو ديني يستقي قوته الروحية من الإسلام، يبدأ يومه باكراً بصلاة الفجر، ويتبع صلواته بتأملات دينية طويلة ويسجد له شاكراً، ويردد آيات القرآن الكريم في كل وقت، ويستشهد بها في أحاديثه اليومية.
والذين يعرفونه من قرب، رحمه الله، ولازموه سنوات طويلة، يقولون إن زايد، رحمه الله، قد بدأ صوم رمضان وتعود عليه منذ بلغ العاشرة من عمره، وكان نشاطه ملحوظاً طوال يوم الصوم، ولا يخلد إلى النوم أكثر من 6 ساعات يومياً.
كيف كان القائد المؤسس، طيب الله ثراه، يستقبل شهر رمضان المعظم في كل عام بما يستوجبه أقدس الشهور من عبادات وطاعات وعمل وعطاء، وتكافل وتراحم وبهجة ومتعة روحية، كيف كان يعيش أيام شهر الصوم المبارك بكل ما يتجلى فيه من رحلة إيمانية وروحانيات وتقاليد تراثية عريقة؟ كيف كان زايد، رحمه الله، يؤدي واجباته الدينية والحياتية في هذا الشهر؟ وكيف كانت ممارساته اليومية، وسلوكياته وأخلاقه في هذا الشهر الفضيل؟
كيف كان زايد يمضي يومه الرمضاني.. منذ صلاة الفجر إلى ما بعد صلاتي العشاء والتراويح.. منذ أول أيام الصوم.. وصولاً إلى مقدمات العيد وصلاته والاحتفاء به؟ وما هي أجواء التواصل الإنساني الراقي التي كانت تسود مجلس زايد الرمضاني العامر؟
من الأحبة والضيوف الذين كانوا يشاركون الشيخ زايد طعام الإفطار.. وماذا كان يقدمه لهم على مائدته العامرة من أطايب الطعام الرمضانية والحلوى الإماراتية الشهيرة؟.
الإجابة عن كل هذه الأسئلة وغيرها تنفرد بها «الاتحاد» في هذا التقرير الإخباري الموسع عن «زايد والعمل الإنساني.. رمضانيات زايد» كما يرويها الكاتب الصحفي حمدي تمام «كشاهد عيان»، لنستذكرها بالبحث والدراسة والتدقيق بكل ما فيها من تفاصيل ووقائع وعبر وزخم وتواصل ونهج يلتزم بها أبناء الوطن من الأجيال القادمة، ويسير عليها الخلف الصالح من أبناء زايد النجباء الكرام الذين تفاخر بهم إمارات «زايد الخير».

لم يكن مجلس الشيخ زايد، رحمه الله، يوماً مجلساً للصفوة والنخبة.. بل كان مجلساً للحكم والحكمة ومتابعة أحوال الوطن والمواطن. كان مجلس زايد دائماً مشرع الأبواب عامراً ومزدحماً بالزوار والضيوف وذوي الحاجات، وكان يضم كل يوم عدداً من القيادات والرموز السياسية والشخصيات الوطنية وكل الأطياف والفئات من شرائح المجتمع في وقت واحد.
كان الكل يأتون إلى المؤسس فرادى وجماعات من كل أنحاء الإمارات من المدن والقرى.. ومن أعالي الجبال والسهول.. ليستقبلهم بكل الترحيب والإصغاء إلى مطالبهم في بساطة متناهية، ويحدثهم عن الاتحاد، والآمال التي يعلقها عليه كل مواطن، وكان يقول لهم إنه لا تقدم ولا مستقبل إذا لم يكن هناك أداء حضاري راقٍ للمجتمع، ولو سادت الألفة والمحبة بين أعضائه لبلغ التقدم الحضاري ذروته.
وفي مجلس زايد - رحمه الله - كان تواضعه يتجلى في أجمل معانيه وفي بساطة متناهية تخلو من التعقيدات.. وقد سمعته يقول حياتي بسيطة جداً، وأحب الطبيعة والهواء الطلق، وأكره ما هو اصطناعي.. يسرني أن أتسلى مع المجموعة التي تعيش معي، وأرفض تناول الطعام من دون الأصحاب والأخوة، والأكل على انفراد لا يعجبني، والجلسة على انفراد لا تعجبني، أحب الناس وأتوق للحديث معهم دائماً.. وفي أوقات فراغي وهي قليلة نسبياً أتكلم مع أهلي نجلس معاً نأكل ونتبادل الحديث معاً، وأزور وأواصل الرحم دون قطع.
وفي تعليق لأحد الصحفيين الأجانب عن حياة زايد، كتب يقول: تلك الحياة لم أرَ زعيماً من كل الذين عرفتهم يحياها، فالعمل عنده يحتل أعلى منزلة، وهو يدعو مواطنيه إلى بذل المزيد من الجهد وحسن أداء الواجب.
ولنتأمل قوله رحمه الله:
- إن المرء لا يعيش ليأكل أو يشرب فقط بل يجب أن يكون لكل منا هدف أسمى في الحياة.
- إن الإنسان يفنى والعمل سيبقى، وإن الأيدي تفنى وفسادها يبقى.. وعلى كل منا أن يراجع كل تصرف من تصرفات ويستعد بكل ما لديه من قوة وغيرها لحساب الآخرة.. إن العمل الذي نؤديه لوطننا في هذه الدنيا هو خير ما نذهب به إلى الدار الآخرة.
- إن إيماننا بالبعث والحساب يتولد منه اليقين بأن هذه الحياة ليست إلا زرع الحياة الآخرة.. فمن أحسن في الأولى كفل الفوز في الآخرة.

وصايا الأب
وكان زايد يحرص على قضاء بعض الوقت مع أبنائه جميعاً ،ويحب أن يراهم ولو لبضع دقائق مهما كانت مشاكله ويداعبهم ويسأل كل منهم عن دراسته ويجاملهم في أحادث جانبية ويوصيهم بالتواضع ومكارم الأخلاق والاختلاط مع مواطنيهم وعدم الانفصال عن مجتمعهم.
وكانت أسعد أمسيات زايد - رحمه الله - هي التي يلتقى فيها مع نجله الأكبر صاحب السمو الشيخ خليفة بن زايد.. وكان الجميع يلحظون جيداً الابتسامة العريضة التي تشيع على محيا القائد الأب.. والبهجة والفرحة العارمة عندما يدخل الشيخ خليفة إلى مجلس الوالد فترتسم البسمة على محياه، ويزول على الفور ما قد يكون لديه من أمور كانت تعكر صفوه في تلك الليلة.. ويشب خليفة على قدميه ليقبل رأس الولد زايد، ويجلس إلى يمينه ويذوب رقة وحياءً وحباً لوالده.

معين لا ينضب
وتتكرر تلك الصورة الرائعة ثانية عندما كان يأتي صاحب السمو الشيخ محمد بن زايد إلى مجلس والده، وقد كان بالأمس بمثابة المستشار لدى قائده لشؤون الأمن القومي.. وينحني بكل إجلال ليقبل والده الذي سكن كل قلب.. بينما كنا نسمع دعاء زايد لنجله محمد أن يحفظه المولى، وأن يوفقه على طريق الخير والفلاح والنصر المبين.. بينما ينهل الشيخ محمد إلى جوار والده من معين لا ينضب، ويغترف من كنز هائل من الخبرة والقيادة، ومن بحر هائل من السياسة والثقافة، ويتأمل قرارات والده، وهو يرسى دعائم الوطن ويبني معارفه ويلتزم باتباع مبادئ الوالد الحكيم والعمل وفق قيمة موروثه الحضاري الزاخر والاقتداء به في كل سلوكياته.

لقاءات القمة
وقبل ذلك كله، كان الشيخ زايد - طيب الله ثراه - حريصاً على الالتقاء بأخيه ورفيق دربه الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم - طيب الله ثراه - الذي كان يأتي مع ولي عهده حينئذٍ الشيخ مكتوم - رحمه الله - وتلحظ مدى العلاقة الحميمية التي تربطه بهم جميعاً، وغالباً ما كان يدور الحديث بينهم لساعات طويلة حول أمور الوطن والمواطن.
أما عن علاقة صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، مع الشيخ زايد، فإنها كانت علاقة من نوع خاص، وتتسم بكل الود والمحبة، وكثيراً ما رأيت صاحب السمو الشيخ محمد يأتي باشاً باسماً لسعادته بلقاء الوالد في ود واعتزاز، حيث يدور بينهما الحديث من كل أطرافه السياسية والاجتماعية والعسكرية، ويتطرق تفصيلاً إلى كيفية بناء القوة الذاتية للقوات المسلحة، واستراتيجيها القريبة والبعيدة، وكيفية تنمية المجتمع وبناء البشر، باعتباره أثمن ثروة في الوجود.

تحالف بني ياس والقواسم
وكان زايد يلتقي كذلك في مجلسه الرمضاني مع صاحب السمو الشيخ الدكتور سلطان بن محمد القاسمي حاكم الشارقة سليل القواسم حلفاء بني ياس القدامى، ويأنس إليه، ويتحدث في ارتياح في كل الأمور المتعلقة بدعم الكيان الاتحادي وترسيخ دعائمه، فيلقى منه كل العون والمبادرة، كما كان زايد يلتقي في مجلسه الرمضاني مع معالي رئيس المجلس الوطني.. ومن بعده الوزراء الواحد تلو الآخر.
ومع معالي ثاني بن عبدالله أول رئيس للمجلس الوطني الاتحادي كان زايد يستمع باهتمام بالغ إلى مطالب المجلس وتطلعات أعضائه وإلى أمانيهم قبل أن ترد إليه ضمن وقائع الجلسات عن طريق وزارة شؤون الرئاسة.
ومع سمو الشيخ حمدان بن راشد كان زايد يناقش التدفقات المالية الاتحادية، وأوجه الإنفاق وما أكثرها، ويبادر بتوفير أي عجز في الموازنة من أموال أبوظبي.

الزراعة واللون الأخضر
مع سمو الشيخ طحنون بن محمد آل نهيان كان زايد يستمع ويسأل عن تفاصيل وتطورات التجربة الزراعية في العين ومدى انتشار اللون الأخضر في كل بقعة بطريقة أدهشت العالم، ويتذوق زايد عينات من الآبار الجديدة التي تم حفرها، ويتعرف على درجة عذوبة مياه تلك الآبار ومدى إسهامها في زيادة منسوب المياه الجوفية.
ومع معالي سعيد الرقباني وزير الزراعة والثروة السمكية الأسبق كان الشيخ زايد يتابع العمل الذي أمر به لبناء السدود بالإمارات، ويخصص مبالغ جديدة في الميزانية لزيادة عددها رغبة في زيادة رصيد الإمارات من المياه وتنمية الموارد المائية، ومع معالي عبدالله عمران تريم وزير التربية والتعليم الأسبق كان زايد يتابع بوجه خاص مدى التقدم الذي أحدثته الوزارة في مجال مكافحة الأمية وتعليم الكبار ويرصد لهم الحوافر والمكافآت.

تعليم البنات
ومع معالي الشيخ نهيان بن مبارك آل نهيان وزير التعليم العالي الأسبق والرئيس الأعلى لجامعة الإمارات كان يسأل بكل الاهتمام عن أحوال جامعة الإمارات في العين، ومدى ما أحرزته من تقدم، وكذلك الزيادة في أعداد الطلبة المواطنين في الأقسام المختلفة، ويسعد كلما عرف مدى إقبال الفتيات على استكمال دراستهن الجامعية وتقدمهن في الدراسة بشكل يفوق ما يحققه الذكور في مختلف التخصصات، فقد كان تعليم البنات أحد أهم شواغل زايد القائد المؤسس.
وفي الوقت الذي كان زايد - رحمه الله - لا يتوقف عن متابعة أمور الوطن، إلا أن اهتمامه كان شديداً بالوقوف على أحوال الأمة العربية والإسلامية، ويفكر في مستقبلها، ويدفع بالمساعدات وكل أشكال الدعم المادي والمعنوي لإخوانه في كل أنحاء الوطن العربي والإسلامي.

فلسطين في قلب زايد
وفي ليالي رمضان، كان الشيخ زايد يجري بشكل دائم اتصالاته مع الزعماء والقادة العرب والمسلمين في كل مكان كان يستقبل في رمضان السفراء العرب والمسلمين المعتمدين لدى الدولة، ويهتم في لقاءاته المتعددة مع ممثل منظمة التحرير الفلسطينية أو السفير الفلسطيني فيما بعد بمتابعة تطورات القضية الفلسطينية التي تمثل في قلب زايد قضية العرب الأولى، وكان يؤلمه أن تعامل القضية الفلسطينية في بعض المحافل الدولية، ومن بعض الدول والقوى الكبرى بانحياز كامل على حساب الحق العربي، مطالباً العرب بالاتحاد ونبذ الخلافات ووقف التدهور الذي تعيشه الأمة العربية ومطالباً بالنزوع فوراً إلى الوقوف صفاً واحداً والتكاتف ضد الأعداء.

أمانة الدعاة
وفي كلماته إلى الفقهاء والدعاة وضيوفه من الوعاظ الذين يستضيفهم كل رمضان كان زايد، رحمه الله، يقول لهم «إنني لست بحاجة إلى تذكيركم بالأمانة الملقاة على عاتقكم بالمزيد من الدعاء بأن يوحد الله صفوف المسلمين، ويجمع كلمتهم على الحق والدين، وأن يبعد عنهم الفرقة والشتات والتخلص من تلك الظلمة الباغية التي تحيك بالمؤامرات التي تحاول النيل منا».
ويؤكد أن قدرة المسلمين في القيام بالدور المطلوب منهم مرهون بوحدة كلمتهم وتراص صفوفهم، انطلاقاً من أن الدين الإسلامي هو دين الوحدة والسلام، ولذلك فإن واجبنا أن نهدم الهوة التي تفصل بين المسلمين جميعاً.?? ويذكر زايد في حديثه أن أسلافنا كانوا أقل منا قدرة ورهطاً وإمكانات، ومع ذلك فإنهم كانوا أكثر منا مجداً ورفعة، بينما نحن على العكس من ذلك تماماً، نتناحر ويدب فينا الضعف والهوان، ونحن نملك عدة وعتاداً وقوة تفوق ما كان متاحاً لهم.

الشقيقة الكبرى
ومع سفراء دول الخليج العربية كان زايد يلتقي بهم.. ويتحدث عن الوحدة الخليجية وضرورتها في تلك المنطقة التي تموج بالأحداث المهمة والخطيرة، ومع السفير السعودي كثيراً ما كان زايد يتحدث بالفخر والاعتزاز عن علاقته الأخوية مع ملوك المملكة العربية السعودية، وفي مقدمتهم أخوه الأكبر المغفور له، بإذن الله، الملك فيصل بن عبدالعزيز، طيب الله ثراه، وبقية ملوك المملكة العربية السعودية الشقيقة، وكان زايد يصف دائماً علاقة المملكة العربية السعودية بأنها علاقة تاريخية ودائمة، وأن ما تهتم به الإمارات يهم المملكة العربية السعودية، وما يهم السعودية تهتم به الإمارات وشعبها.

مواقف الكويت
ومع السفير الكويتي، كان الشيخ زايد يشيد بمواقف دولة الكويت الشقيقة تجاه الإمارات، ويتحدث باعتزاز عن علاقاته الحميمة مع الشيخ صباح الأحمد الصباح أمير دولة الكويت على مدى عقود من المحبة والأخوة، وأكثر من ذلك كان الشيخ زايد يتحدث باعتزاز عن مواقف الكويت تجاه دولة الإمارات قبل وبعد الاتحاد.. ولا ينسى الإشادة بالمشروعات التي أقامتها دولة الكويت من أبنية تعليمية ومؤسسات إعلامية مثل محطة الساحل الإذاعية في الشارقة ومحطة الإرسال التلفزيوني في دبي، ولكن السفير الكويتي بدوره سرعان ما يرد: يا صاحب السمو: «إن الأخوة القائمة بين البلدين هي علاقة لا تنقصم مع الأيام.. والشعب الكويتي لا ينسى لكم وقفتكم مع الكويت أثناء الغزو العراقي للكويت واستضافتكم الكريمة أبناء الكويت طوال تلك الفترة على الرحب والسعة.. في كل الإمارات».
ويستطرد السفير الكويتي، قائلاً: يا صاحب السمو، إن القاصي والداني يعرف مواقفكم المعروفة والمشهودة في السلم.. وقد أضفتم إليها بشرف صفحة جديدة من الشهامة والعطاء حين احتاج الأمر إلى الحرب، وأمرتم بمشاركة قوات الإمارات في عمليات تحرير الكويت التي انتهت إلى النصر المؤزر، ورفعت رايات الشرف، وبهذا الحس القومي جسدتم ضمير الأمة وعبرتم عن وجدانها أصدق تعبير.

صدق المشاعر
يقول صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد عن علاقته الوثيقة بالوالد المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه: «علاقتنا كانت علاقة الابن بأبيه لما يتضمنها من الحب وصدق المشاعر، وكان وسيبقي مثالاً ونموذجاً رفيعاً للمؤمن المثالي في طيب خلقه وتعامله وكرمه، ونحن نهتدي بمواقفه القائمة على الحكمة، لم نغب عنه لا سفراً ولا حضراً، لا يغيب أبداً عن بالنا ولا يزال يشغل حيزاً كبيراً من مخيلتنا، فهو الملهم لنا في الأفكار والرؤى والمواقف برجولته المعروفة وفروسيته وشجاعته وصفاته المثلى وسخائه كالغيمة الممطرة فقد كان، رحمه الله، كريماً متواضعاً عفواً قوياً مع الحق صادقاً مخلصاً أميناً مع ربه ومع نفسه وأمته لم يبخل عليهم لا بالمال ولا بالنصيحة والمشورة، قلبه مفتوح للناس جميعاً.. بنى دولة الإمارات على الإسلام والتعايش مع الكل.

شعراء ومثقفون
كان المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، يستقبل في معظم أيام رمضان بمجلسه العديد من شعراء الإمارات كافة، ويستمع إلى أشعارهم، ويشجعهم ويعجب على وجه الخصوص بأشعار الشاعر القدير حمد بو شهاب، وأيقونة الشعر النبطي ربيع بن ياقوت الذي كان يتناول بالنقد الكثير من الظواهر السلبية في المجتمع الإماراتي، مثل ظاهرة ارتفاع المهور والعمالة والوافدة، وخدم المنازل والغلاء والتغييرات الاجتماعية والاقتصادية، وكان الشيخ زايد، باعتباره من الحكام القلائل الذين يجمعون بين القدرة على تصريف أمور الحكم والدولة والإبحار بين الشعر والأدب.. يتذوق الأشعار التي يلقيها الشعراء بين يديه، خاصة عندما يتناولون الأمجاد والبطولة والطموح، والتطلع إلى المثل والقيم الرفيعة، خاصة شعر البادية المعروف «بالطرد» الذي يعشقه وينظمه.

مصر العروبة «وصية زايد»
كان السفير المصري يأتي إلى مجلس زايد الرمضاني في ذكرى حرب أكتوبر التي توافق العاشر من رمضان من كل عام ليهنئ سموه، وليؤكد امتنان الشعب المصري لموقف الشيخ زايد في تلك الحرب، وصيحته المشهودة «إن البترول العربي ليس بأغلى من الدم العربي»، ويختزل في تلك العبارة تحليل دور البترول، كما دعاه المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، وكما مارسه بالفعل في المبادرة التاريخية بقطع النفط عن الدول المساندة للعدو الإسرائيلي، فاستطاع بذلك أن يلغي المسافات، لتصبح الإمارات واحدة من دول المواجهة المؤثرة الفعالة، وليس من دول الدعم فقط، وكان لموقفه الأثر البالغ في تحقيق الانتصار الساحق الذي حققه المقاتل المصري والسوري.
ولا ينسى المغفور له الشيخ زايد، طيب الله ثراه، في حضور أبنائه أن يوصيهم خيراً بمصر، وأن يكون سنداً دائماً لها.. ويكرر وصيته لأبنائه قائلاً: هذه وصيتي أكررها لكم، فهذا هو الطريق لتحقيق العزة للعرب جميعاً.. لا يمكن أن يكون للأمة العربية وجود من دون مصر.. كما أن مصر لا يمكن بأي حال أن تستغني عن الأمة العربية.

زايد وحضارة اليمن
وكان الشيخ زايد، رحمه الله، يطرب كلما كان الحديث يتطرق في مجلسه عن العلاقة بين شعبي الإمارات واليمن ويبدي حرصه على الاستقرار في مهد العرب، وأهمية تحقيق الاستقرار والسعادة للأشقاء اليمنيين، ويطمئن على «سد مأرب»، تلك المنارة الحضارية التي أعادها زايد إلى الوجود منارة أكثر عطاء وشعلة تضيء درب العمل العربي المشترك.
وكثيراً ما سمعت الشيخ زايد يتبادل في حديثه مع القاضي الحجري، وهو من أوائل سفراء اليمن لدى الإمارات والرئيس اليمني السابق مدى حرص زايد على وحدة النسيج اليمني، وضرورة تماسك القطر الشقيق دون أي تأثير أو اختلاف، وتطلع لأمن الشعب اليمني الشقيق وعن قناعته الراسخة، طيب الله ثراه، بأن أجداده الأوائل هم بناة حضارة سبأ المجيدة، وأنهم لجأوا إلى سواحل الخليج شرقاً بعد انهيار السد القديم منذ آلاف السنين، مشيراً سموه إلى ما يحاك ضد اليمن من مؤامرات خارجية ومحاولات دنيئة لتفكيك وحدة الأشقاء باليمن، محذراً من الفرقة والإرهاب في كل صوره ومصادره، مؤكداً دعمه الكامل للجهود الإقليمية والدولية لمكافحة هذه الظاهرة التي لا تمثل الإسلام في شيء، واعتبرها عملاً بغيضاً لا يرضى عنه الإسلام وغيره من الأديان السماوية، وعدواً لدوداً للإنسانية جمعاء.