صحيفة الاتحاد

دنيا

قصر العظم الدمشقي تاريخ عظيم في ذاكرة بيت كبير

بنى باشا العظم والي دمشق عام 1749 قصراً جميلاً جنّد لبنائه أمهر العمال والحرفيين في دمشق، واستغرق العمل في القصر أكثر من ثلاث سنوات واستخدم في بنائه شتى أنواع الفنون الدمشقية من موزاييك وحجارة ونجارة وحدادة.
لكن القصر تعرض لأضرار كبيرة خلال القصف الفرنسي لدمشق إبان الثورة السورية عام 1925، إنما تم ترميمه ليصبح من أجمل نماذج العمارة الدمشقية بقاعاته وأقسامه المتعددة.. ويتحول إلى متحف يعد من أهم مقاصد السياح في مدينة دمشق القديمة.



يقسم شارع الثورة الحديث منتصف دمشق من الشمال إلى الجنوب لينتهي عند أسوار دمشق القديمة، مخترقاً حي سوق ساروجة. وحيث يسير المرء في هذا الشارع المزدحم الذي تحتل جانبيه أبنية حديثة ومرتفعة تلفته لوحة تحمل عبارة (متحف دمشق التاريخي)، وأخرى ملاصقة لها تحمل عبارة (مركز الوثائق التاريخية). فيظن للوهلة الأولى أن المكانين المشار إليهما يقيمان في أحد المباني الحديثة، لكن عندما يدلف الزائر إلى المكان ينتقل إلى عالم آخر مختلف، هو أحد وجوه دمشق القديمة التي أقامها خارج الأسوار أمراء المماليك وأهل الشام.
حكاية قصر
خلف مبنى مديرية المصالح العقارية المتعدد الطبقات والمشاد من الإسمنت والحديد، وخلال زيارتنا للمنطقة نكتشف روعة البيت العربي القديم، وواحة الدار الشامية، ونجد أنفسنا أمام ثروة معمارية آسرة، تداعبها نوافير المياه، وتظللها أشجار النارنج والياسمين والورود، وتنسكب فيها وداعة النسمات وروعة الزخارف العربية والشرقية. إنه قصر خالد العظم رئيس وزراء سورية الأسبق.
بنى آل العظم في دمشق صروحاً معمارية خالدة، منها قصر العظم (متحف التقاليد الشعبية حالياً) وخان أسعد باشا العظم، وكلاهما في دمشق القديمة ضمن السور، أما قصر العظم فقد أشيد في سوق ساروجة في القرن الثامن عشر- أي في فترة الحكم العثماني- وقد ورثه خالد العظم عن والده فوزي باشا العظم، ليشهد العديد من الاجتماعات السياسية المهمة لرجالات سورية، وكانت تعقد فيه الاجتماعات الحكومية عندما كان خالد العظم رئيساً للحكومة السورية، حيث شغل هذا المنصب خمس مرات.
ترميم وتأهيل
تعرض القصر عام 1945 للقصف من قبل جيش الاحتلال الفرنسي، فهدمت قنابل المستعمرين القسم الجنوبي منه، ثم تحول إلى مدرسة، وتعرض بعد ذلك لحريق كبير عام 1956. ونظراً لأهمية هذا القصر العربي، قامت مديرية الآثار والمتاحف السورية باستملاكه عام 1969 بعد رحيل صاحبه، وباشرت عام 1970 بترميمه وإعادة تأهيله ليعود كما كان، وقد استمرت أعمال الترميم والتأهيل مدة عشر سنوات، وروعي فيها الدقة والأمانة، باستخدام مواد البناء التقليدية القديمة ذاتها، وكذلك أخشاب السقوف، وزخرفتها بالألوان والتعتيق الذي كانت عليه، ومعالجة الأرضيات الحجرية بعد فكها وإعادة تركيبها.
في عام 1980 كانت دارة خالد العظم قد عادت إلى ما كانت عليه عندما شيدت، لتكون نموذجاً حياً للبيت الدمشقي العتيق في القرن الثامن عشر الميلادي، مع فارق وحيد أنها لم تعد داراً للسكن، بل أصبح هذا القصر مقراً لمتحف دمشق التاريخي ومركزاً للوثائق التاريخية.
أقسام وقاعات
تشير إدارة القصر إلى أنه “يتألف من كتلة المدخل والفناء الجنوبي (الحرملك) وكتلة المدخل والفناء الشمالي (السلملك)، وتبلغ مساحة القصر 3136 متراً مربعاً، وهو مبني بواسطة الحجر واللبن والخشب، ويضم ثلاثة أقسام وحديقة خلفية، فالقسم الخارجي الجنوبي تتوسطه باحة سماوية ويضم جناح الزوار، والقسم الأوسط يضم باحة سماوية ثانية، وفسقية وإيوانا مؤلف من قاعتين وأربع قاعات أثرية، أكبرها القاعة الشمالية التي تكسو جدرانها زخارف هندسية شرقية رائعة، وقد شغل متحف دمشق التاريخي القسم الشمالي من القصر، وهو يتوزع في عدة قاعات مستقلة تعرض تاريخ وتراث مدينة دمشق، وفنون عمارة القاعات وزخارفها وأثاثها، إضافة إلى الحمام والمطبخ اللذين يعبّران عن تقاليد دمشق الاجتماعية، وفي المتحف أيضاً نماذج لنساء ورجال يمارسون حياتهم اليومية”.
وثائق مهمة
توجد في مركز الوثائق التاريخية أكثر من خمسة ملايين وثيقة ومخطوطة يعود بعضها إلى ما قبل خمسمائة عام، إضافة إلى صور للنشاط السياسي القديم الذي كانت تشهده سورية كصور الملوك والزعماء والسياسيين، وصور أخرى تعكس طبيعة الحياة في سورية، ويضم هذا المركز سبعة أقسام. وهي بحسب إدارته “هناك القسم العثماني الذي يضم سجلات المحاكم الشرعية في المدن السورية الرئيسية، والأوامر السلطانية العثمانية، وسجلات المحاكم و(الطابو)، والتي تعطي جميعها صورة عن المجتمع السوري خلال الحكم العثماني في مختلف جوانب الحياة الاجتماعية والدينية والسياسية والعسكرية.
كذلك في المركز قسم للوثائق الرسمية الصادرة عن الحكومات السورية بين عامي 1920 و1966، وهي تتضمن مراسيم جمهورية وقرارات وزارية ووثائق تتعلق بالحدود والانتداب الفرنسي على سوريا، وكذلك نسخ الجريدة الرسمية السورية منذ عام 1919 وحتى الآن”.
أوراق خاصة
من الملفت أن القسم الخاص في مركز الوثائق التاريخية يضم مجموعة من الأوراق والمذكرات والرسائل لشخصيات سورية وطنية وسياسية بارزة أدت دوراً في تحقيق الاستقلال والثورة على المستعمر، وذلك خلال الفترة الممتدة من عام 1910 وحتى العام 1950. وممن تضمن المركز وثائق شخصية عنهم: سلطان باشا الأطرش (القائد العام للثورة السورية الكبرى ضد الانتداب الفرنسي) وفخري البارودي، وفوزي القاوقجي (قائد جيش الإنقاذ عام 1948) وسعد الله الجابري، وعبد الرحمن الشهبندر، وإحسان الجابري. وفي المركز قسم صحفي يحتفظ بعدد من الصحف العثمانية والسورية القديمة والتي يعود بعضها إلى أواخر القرن التاسع عشر. وهناك قسم آخر للتصوير والميكرو فيلم يحوي حوالي ستة آلاف صورة فوتوغرافية لشخصيات سورية وعربية، وصور المجاهدين والشهداء السوريين الذين استشهدوا في الثورات السورية ضد الاستعمار الفرنسي. ويضم مركز الوثائق التاريخية نحو خمسة آلاف كتاب من الكتب المهمة والمختصة في تاريخ سوريا والوطن العربي، وتطمح إدارة المركز لأن يكون مرجعاً للباحثين والمؤلفين وطلاب الدراسات العليا”.
على الرغم من أهمية ما يضمه قصر العظم في حي ساروجة الدمشقي كونه أصبح متحفاً لمدينة دمشق ومركزاً للوثائق التاريخية، فإنه يظل تحفة معمارية دمشقية ارتحل صاحبها لتسكنها دمشق والتاريخ معاً.