الاتحاد

رأي الناس

لا مفر من الاعتراف

مهما حاولنا التنصل منهم، وتبرأنا من جرائمهم، وأقسمنا بأغلظ الإيمان أنهم ليسوا منا ولا نحن منهم، وزعمنا أنهم لا يمثلوننا، ولا نعرفهم، وبيننا وبينهم حجاب أو ما بين المشرق والمغرب .. لا مفر من أن نعترف بالحقيقة المرة. إنهم منا، نبتوا من أرضنا، شربوا ثقافتنا، رضعوا تاريخنا، تبنوا أفكاراً تروج في مجتمعاتنا. وإن كانوا بالتأكيد نبتاً شاذاً ارتوى من ماء آسن، تراكم في مستنقعات الفكر والتاريخ.
نعم، هم كذلك للأسف. ولابد من وقفة مع النفس، ونظرة متمعنة في المرآة، علها تكشف مواطن العيوب والقصور ونقاط الضعف ومكمن الخلل.
بوضوح شديد، تكشف جرائم الإرهاب المروعة التي طالت فرنسا ودولاً أخرى عدة، والعنف الديني والطائفي الذي يأكل الأخضر واليابس من حولنا في شتى بقاع الشرق الأوسط، عن خلل عميق على مستويات عدة، تتحمل مسؤوليته جهات كثيرة، رغم كل حبر وبيانات الإدانة والغضب بعد تلك الأفعال المجنونة التي أساءت لسمعة المسلمين بأكثر مما فعل أعداؤهم على مدار التاريخ.
مثلاً، تضع هذه الجرائم، علماء الدين أمام مسؤولياتهم الجسيمة في هذا الشأن. فما يحدث يؤكد حاجة العالم الإسلامي إلى جيل جديد من العلماء يستطيع مواكبة العصر ومقتضياته.
فالعالم الإسلامي لم يعد بحاجة للصورة التقليدية لعالم الدين، بل صار في أمس الحاجة إلى نموذج جديد، لديه من القدرة والكفاءة، ما يمكنه من التواصل مع الأجيال الشابة، لإنقاذ أولئك الذين قد يسقطون في هاوية التطرف وأفكاره، منعاً لوصولهم لاحقاً إلى مرحلة الإرهاب والعنف.
ويتحمل الأئمة وخطباء المساجد وقادة الفكر الإسلامي، دوراً كبيراً في هذا الصدد لأنه يمكنهم أكثر من غيرهم تصحيح المفاهيم الخاطئة، وتقديم قراءة جديدة سليمة للتاريخ الإسلامي خاصة في فتراته الملتبسة عند البعض،لبيان ما غمض، على الأقل لنزع فتيل النزاعات الطائفية المروعة، واستيعاب فكرة التعايش السلمي مع الآخر.
في الوقت نفسه، يتعين أن يمتلك الجيل الجديد من علماء الدين، القدرة على التواصل مع العالم الخارجي، لتقديم صورة صحيحة، سليمة عن ديننا الحنيف، بلغة يفهمها ويستوعبها المجتمع الدولي.
ولا يمكن أن يتحقق ذلك، إلا بثورة في التعليم الديني، إذا كنا نريد درء الفتنة في نفوس الشباب عند مراحلها الأولى.
أيضاً، يكشف «تسونامي» الإرهاب المروع، في المنطقة وارتداداته خارجها، ضعف أداء وسائل الإعلام العربية، التي تتحمل قدراً من المسؤولية، مع علماء الدين، في ضعف تأثيرها وتواصلها مع الشباب والعالم الخارجي.
لقد غرقت كثير من الميديا العربية، رغم كل البهرجة والميزانيات والضجيج والفضائيات التي لا يمكن حصرها، في هوة البحث عن الإثارة والتجارة، ودغدغة الغرائز، والتلاعب بعواطف الرأي العام العربي. وتناست دورها ومسؤولياتها في التوعية والإرشاد وفتح أبواب النقاش مع أجيال متطلعة تعصف برؤوسها التساؤلات وتغويها جماعات التطرف والإرهاب، بحيل شيطانية.
لقد كان من الممكن لوسائل الإعلام أن تنقذ كثيرين من مستنقع التطرف والإرهاب، لو أن القائمين عليها حاولوا تغيير طريقة الأداء وفتحوا الباب واسعاً لإثارة النقاش حول القضايا الشائكة بطريقة عقلانية، تدحض في نهاية المطاف دعاوى المتطرفين، فتجفف الينابيع التي ينهلون منها.
يكشف أيضاً مأساة الإرهاب وتوابعه، الدور الخطير لوسائل التواصل الاجتماعي في نشر التطرف ومكافحته في آن واحد.
فالمتطرفون يستخدمونها بمهارة شديدة في نشر أفكارهم والترويج لبضاعتهم، فيستقطبون ضعاف الفكر، وشذاذ الآفاق، ومحدودي التعليم وأولئك الذين ملأ الغضب نفوسهم فأعمى أبصارهم.
بينما يعجز المعتدلون عن استخدام الوسائط نفسها في دحض وتفنيد أباطيل المتطرفين.
تتحمل المسؤولية أيضا، أنظمة التعليم الفاشلة، التي تخرج أجيالاً من أنصاف المتعلمين، دون أن تمنحهم الأدوات الصحيحة لفهم العالم والتاريخ، فيخرجون للحياة العامة، وقد التبس عليهم الأمر في قضايا كثيرة، ليلتقطهم أئمة الضلال والإرهاب، فيزرعون في نفوسهم ما يحولهم إلى قنابل موقوتة تبحث بجنون عن لحظة انفجار من أجل قضايا خاسرة.
باختصار .. الاعتراف هو بداية الحل.

أحمد مروان - أبوظبي

اقرأ أيضا