الاتحاد

دنيا

ضحية عين الحسود

بلا اختيار من أي منا، جمعنا العمل في غرفة مشتركة مع عدد من الزملاء فالمكان متسع وبلا حواجز، يتيح رؤية الكل وملاحظة أي حركة وسكنة، وتتناهى إلى أسماعنا معظم الحوارات والمناقشات وغالبيتنا من النساء، لذلك كانت أسرار البيوت والعلاقات الزوجية من المباحات عند بعضهن، ومنهن من لا تترك شاردة ولا واردة إلا وتناولتها ولا مانع من الإعادة والتكرار، فهي ترى من وجهة نظرها أن الحدث يستحق، وكنت أتعجب ممن تسب زوجها أو تطعن في حماتها، أو أقارب زوجها، أو التي تقص بكل فخر خلافاتها مع أمها وأبيها وأخوتها وجيرانها، أما أنا فطبيعتي مختلفة، لا أحب أن يعرف أحد شيئا عن بيتي وزوجي وأسرتي فهذا يخصني ولا علاقة للآخرين به.
حافظت على ما يدور بيننا ونجحت في أن أفصل بين البيت وبين العمل، خاصة عندما تعلمت الكثير من الدروس، حين تسبب خلاف بين اثنتين من الزميلات كانت تدعيان الصداقة القوية بينهما، وإذا بهما لمجرد مناوشة بسيطة وقعت بينهما مباراة في “السباب” وكشف المستور وكانتا تتسابقان في كشف أسرار بعضهما التي كانت بينهما من قبيل هذه الصداقة المزعومة أو التي كشفت المواقف زيفها، وآمنت بأنه لا أسرار بين النساء رغم أنني من جنسهن، وأصبحت حكمتي في الحياة أن السر إذا تجاوز اثنين فشا. لذلك طالما أنني أحافظ علي حياتي بأسرارها أو تفاصيلها واعتبرها أسرارا أو من الحرمات التي يجب ألا يطلع عليها احد فيجب أن احتفظ بها، فالثرثرة مفسدة كبرى، توقع الإنسان في شر أعماله، وتضطره لذكر ما يحاول ان يحتفظ به، فلا يستطيع السيطرة على لسانه ولا الإمساك به.
البعض من الزميلات في البداية اعتبرنني متعالية متكبرة أتباهى بجمالي وأناقتي، ثم أثبتت لهن التجارب والأيام أن هذا ليس صحيحا فانتقلن بي إلى وصف آخر وهو، أنني ربما أكون معقدة أو أعانى مشكلة قد تكون نفسية، وثبت لهن أيضا عدم صحة ذلك، وقد ألقين بهذه الاتهامات الجزافية كنوع من التجريب للبحث عن مفاتيح شخصيتي واقتحام حياتي لأصبح مثلهن، لكن فشلت محاولاتهن، فظللت ربما لسنوات بلا صديقة منهن، وزميلتي هذه عندما جاءت إلى العمل معنا كان موقعها على بعد خطوات من مكتبي تبدو عليها مسحة حزن وشخصيتها مغلقة وحياتها لا يعرف احد عنها إلا أقل القليل ، إنها متزوجة ولها ثلاثة من الأبناء ومعدومة الصداقات وعندما تحضر في الصباح لا تلقي التحية أحيانا، وتنغمس في العمل إلى أن ينتهي بلا تبادل أي كلام، ثم بدأ هذا الوضع يتحسن حتى أصبحت تلقي السلام ولم نر منها ابتسامة قط، ولم تنجح مكائد النساء في الوصول إلى معلومة ذات فائدة تشبع رغباتهن في النميمة، وهن دائما يبحثن عن أحداث جديدة تصلح للتداول وأنا كما قلت من جانبي لا مع هؤلاء ولا هذه، وان كنت لست مثلها في التعتيم والتكتم الشديد، فالزملاء والزميلات يعرفون عني كثيرا من المعلومات التي لا تنفع ولا تضر، مثل مكان مسكني، وزوجي وأبنائي وبعض أقاربي ومؤهلي، وكلها معلومات ليست سرية، فربما يكون معظمها مطلوبا من الشخص عندما يتقدم لوظيفة.
ثلاثة أعوام مضت أو يزيد على التحاق هذه الزميلة بالعمل معنا، لم يحاول أي منا ـ أنا وهي ـ الاقتراب من الأخرى، فقد كانت المسافات بيننا بعيدة، ولم تقدم واحدة منا على الخطوة الأولى، فربما كان التباعد هو الذي يزداد حتى أنها تغيبت فجأة وبلا مقدمات لمدة تزيد على الشهر، فلم يبادر احد من الزملاء والزميلات ـ وأنا منهم ـ بمحاولة معرفة السبب رغم ان ذلك على غير المعتاد، وظروف العمل لا تسمح بهذه الإجازات الطويلة، وعندما عادت كانت تبدو غير طبيعية وأثار المرض بادية على وجهها وتأكدت لأول وهلة أنها كانت مريضة طوال هذه الفترة، فكان لابد من أن اقترب منها بعد التحية والسلام والترحيب، واستفسرت عما حدث، فأجابت بردود مقتضبة بانها تعرضت لوعكة صحية جعلتها تلازم الفراش، واضطرت لإجراء بعض التحاليل، والتردد على عدد من الأطباء وأنها تخضع للمزيد من الفحوصات، ولم تخبرني بحقيقة مرضها واكتفيت بأنها أخيرا تجرأت على الكلام.
وكان ذلك بداية لمزيد من التقارب والارتياح الأقرب للتعاطف معها من جانبي، لم يتطور لأكثر من ذلك، حتى عندما تغيبت لفترة أطول بعد ذلك بعدة اشهر علمت أنها أجرت عملية جراحية خطيرة، ولا احد يدري متى ستعود إلى العمل، لكن من المؤكد أن ذلك لن يكون قريبا، حينها وجدت من الواجب عليًّ أن أبحث عن هاتفها واجري اتصالا للاطمئنان وعرض المساعدة أو تقديم أي شيء في وسعي أن افعله والمفاجأة الكبرى أنني وجدت منها ترحيبا غير عادي، وامتنانا كبيرا لمجرد هذا الاتصال البسيط، لذلك استجمعت شجاعتي وكنت أعاود الاتصال بها، فأجد منها الثناء والشكر على هذا التصرف البسيط أو الأقل من الواجب، لذلك قررت الإقدام على خطوة اعتبرتها جريئة وانقلابا في حياتي، لابد أن ازورها في بيتها خاصة أن أمامها وقت طويل للعودة إلى العمل، أما هذا الحدث فهو انقلاب لأنني لم أتعود زيارة أي زميلة أو صديقة في منزلها، وهذه الزيارات تقتصر على أفراد عائلتي وأقاربي واستفسرت منها ان كانت تسمح بزيارتها فرحبت أيضا واستأذنت زوجي الذي لم يتردد في الموافقة والمرافقة، وحملنا بعض الهدايا المعتادة في مثل هذه المناسبات والزيارات، ووجدت منها ومن زوجها أيضا امتنانا وترحابا، وفهمت من هذه الزيارة أنني الوحيدة التي كنت على اتصال بها، وأنني الوحيدة التي قامت بزيارتها، ورغم أن الجميع يعرفون كل تفاصيل مرضها في المرحلة الأخيرة غير انهم انكروا ذلك، وحملوني المسؤولية لأنني لم أخبرهم وأنا على علم بأنهم كاذبون وعلى يقين من انهم يلوون عنق الحقيقة وهي لانها تعرف ذلك جيدا فلم تلمني بل تكشف لها ما كان خافيا.
وشفيت زميلتي بفضل الله وعادت إلى العمل ولم تتغير سلوكياتها وتصرفاتها، والجديد أن صداقة ربطت بيني وبينها، وبين زوجينا وبدأت استكشف بعض أسرار أحزانها، فهي وحيدة أبيها وأمها اللذين توفيا منذ صباها، وعانت كثيرا عدم وجود أقارب فليس لها أخوال ولا خالات، ولا أعمام بجانب أنها لا أخوة لها ولا أخوات، فنشأت في عزلة ليس لها إلا عمة واحدة متزوجة وقد هاجرت منذ سنوات والعلاقة بينهما تقتصر على اتصالات متباعدة في المناسبات والأعياد، ووجدت لزاما عليّ ان استطعت أن أعوضها عن ذلك بصداقة خالصة من المصلحة والمنفعة وكان لنا ذلك، خاصة عندما وجدت انها امرأة نقية ذكية، بعيدة عن الخبث والمكر، مخلصة بحق وهذا لا مراء فيه، لكن الكمال لله وحده، فلا يخلو البشر من عيوب وإن كانت متفاوتة ومختلفة ومتباينة، فقد اكتشفت أن صديقتي هذه تخاف الحسد، بل تعيش في حالة رعب وتتخوف من كل الناس أو معظمهم، وأنها مبالغة في الأمر كثيرا بما يصل إلى حد الوهم والمرض رغم أنها مثقفة وعلى وعي.
صديقتي جعلت الحسد إحدى قضايا حياتها، فقد فوجئت بها تروي لي واقعة انها كانت تنشر الملابس المغسولة على الحبال ومرت امرأة في الشارع ونظرت إلى هذا الغسيل فحسدته لأن الملابس جديدة وتم تنظيفها بشكل غير عادي فانقطع الحبل واتسخت الملابس واضطرت لغسلها مرة اخرى، ولم استطع إقناعها بأن ذلك أمر وارد وقد حدث معي عدة مرات، فتشبثت برأيها وموقفها وتفسيرها، ثم أخبرتني مرة أخرى بأن الحادث الذي تعرضت له بسيارتها منذ أيام كان بسبب نظرة من رجل في الشارع عندما كانت السيارة متوقفة، وفشلت أيضا في إقناعها بأن السيارات تتعرض لعشرات الحوادث يوميا، وهذه لم تكن السيارة الأولى التي تقتنيها في حياتها، وأخبرتني بأن زوجها كاد يطلقها ونشبت بينهما مشاجرة كبيرة لان قريبته شاهدتهما يتعاملان معا بحب واحترام، وان الطعام احترق منها على النار لان حارس البناية نظر إليه وهو يحمله لها ويوصله إلى شقتها، وهكذا حولت كل ما تتعرض له في حياتها هي أو زوجها أو أبنائها إلى هذه المرجعية وكل شيء بسبب الحسد، وبالفعل بدأت اشعر بقلق وخوف في تعاملي معها، أخشى أن تتهمني مرة بواحدة من هذه الاتهامات التي لم يسلم منها أي شخص ممن حولها حتى من المقربين إليها من الأهل والأقارب لذلك يجب ألا استثني نفسي من ذلك ولا أحب أن تصفني بهذه الصفة القبيحة.
لم يكن أمامي إلا أن أضع علاقتي بها في حدود الواجب والاضطرار خاصة عندما أخبرتني أن سبب مرضها أيضا هو الحسد لأنها جميلة وممشوقة وتعيش في رغد، فبدأت اختلق الحجج والأسباب للانسحاب من هذه الصداقة رويدا رويدا فيجب أن تقتصر على الضروريات، وعندما انتقلت إلى شقة جديدة في حي راق واشترت لها أثاثا فخما حسب وصفها وقد رفضت أن أشاركها أي شيء من ذلك حتى بالرأي وكانت تدعوني لزيارتها في هذا المسكن الجديد الذي لا تكف عن الحديث عنه وعن مميزاته، بيني وبينها دون أن يعرف بقية الزملاء وفي كل مرة توصيني بالكتمان حتى هددتني بالمقاطعة إذا لم ازرها فاضطررت لزيارتها على مضض وأنا أكاد أموت رعبا من أن يحدث لها أي شيء في هذه الأيام فترجعه إلى الحسد بسبب زيارتي ونجوت من ذلك.
سنوات طويلة مرت وهي على نفس طريقتها حتى وصل بها الأمر لأن تذهب إلى بعض الدجالين لحل عقدة ابنها المحسود لأنه لا يستذكر دروسه بشكل جيد، والناس يحسدونه لانه كان متفوقا وابنتها محسودة لانها فائقة الجمال ولم يتقدم احد لخطبتها رغم أنها بلغت العشرين وفي النهاية فشلت تماما في أن أجعلها تتخلص من هذا المرض فاتخذت قراري بالمقاطعة خاصة بعدما تأكدت ان السبب الرئيسي في العزلة التي تعيش فيها هو خوفها من الحسد. وأخيرا اشترت سيارة جديدة وحسب وصفها لي أنها فاخرة بمواصفات فريدة وتلح عليّ لأراها، وأصبحت غير قادرة على الاستمرار في التهرب ورفضي مطلبها برؤية السيارة فهي معرضة لأي خدش، وأخشى كما خشيت من قبل أن تتهمني بتلك التهمة.

اقرأ أيضا