الاتحاد

دنيا

الحياء صمام أمان للمجتمع بأسره

حكى أن الأسود بن يزيد عندما اشتد به مرض وفاته وبكى، فقيل له: ما هذا الجزع؟ فقال: ما لي لا أجزع، ومن أحق بذلك منى؟ والله لو أنبئت بالمغفرة من الله تعالى لأهابن حياء منه سبحانه مما صنعت، إن الرجل ليكون بينه وبين الرجل الذنب الصغير فيعفو عنه ، فلا يزال مستحييا منه. ولعل في هذه القصة ما ينبئ عن خلق من أهم الأخلاق التي ينبغي أن يتحلى بها الإنسان، ألا وهو خلق الحياء، ذلك الخلق الذي يدل على بقاء الخير في صاحبه، ذكراً كان أو أنثى.
ولا غرابة إن رأينا النبي - صلى الله عليه وسلم - وقد عدد شُعب الإيمان أعلاها وأدناها، ثم يخص الحياء منها بالتأكيد والذكر، فيقول صلى الله عليه وسلم «الإيمان بضع وستون شعبة، أعلاها شهادة أن لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان».
إن الحياء في حقيقته ليس دلالة على إيمان صاحبه فحسب، وإنما هو صمام أمان للمجتمع بأسره، فالإنسان الذي وكّل إليه الائتمان على الأموال والأعراض، ما الذي يمنعه من خيانة الأمانة فيهما؟ إنه الحياء الذي يجعل باطن الإنسان كظاهره، موقناً أن أعين الناس وإن غابت عنه، فإن رقابة رب الناس لا تغيب، ومن ثم يدفعه الحياء من الله عز وجل، إلا أن يجعل بينه وبين مخالفته فيما اؤتمن عليه ستراً وحجاباً مستحضراً ما أوحاه الله سبحانه في حديثه القدسي إلى بعض رسله وأنبيائه «إن كنتم تظنون أني لا أراكم فقد أشركتم، وإن كنتم تظنون أنى أراكم فلم جعلتموني أهون الناظرين إليكم»، ومن ثم يدفعه الحياء من الله تعالى إلى مخاطبة النفس قائلاً: «الله ناظر إلي، الله شاهد علي، الله محاسب إياي».
من هذا المنطلق نؤكد على أن الحياء أمارة صادقة على طبيعة الإنسان وحسن سريرته، فهو يكشف عن قيمه الإيمانية ومثله الأدبية، فإذا ما وقفت على إنسان يتورع عن فعل ما لا ينبغي، أوعلت حمرة الخجل وجهه إذا ما أتى بما لا يليق في حق الله تعالى وحق الناس، فكن على يقين بأنه ذو ضمير حي ومعدن ذكي وعنصر نقي، وفى المقابل إذا ما صادفت في الحياة بليداً مجاهراً بمعصيته وإثمه في حق الله تعالى وحق الناس، فهو إنسان لا خير فيه، وليس له من الحياء حظ و لا نصيب، ومن ثم فلا عاصم لديه عن اقتراف الشرور والآثام.
ومن هنا، كانت وصية الإسلام بالتمسك بخلق الحياء الذي يعد في عرف الدين من أبرز ما يتميز به الإنسان من فضائل. يقول النبي صلى الله عليه وسلم «إن لكل دين خلقا، وخلق الإسلام الحياء»، وقبل أن يجري هذا القول من النبي صلى الله عليه وسلم على لسانه، تمثل النبي - صلى الله عليه وسلم - صفة الحياء في خلقه وسلوكه، فكان أنبل الناس سيرة، وأرق الناس طبعا، وأبعد الناس عن الحرام.
يقول أبو سعيد الخدري فيما يصف به رسول الله - صلى الله عليه وسلم - «كان رسول الله أشد حياء من العذراء في خدرها، وكان إذا رأى شيئاً يكرهه عرفناه في وجهه».
إن انعكاس خلق الحياء على سلوك الإنسان المسلم تأسياً بنبيه ورسوله ليؤكد على أن الإيمان يمثل صلة كريمة بين الإنسان وربه، ولهذه الصلة حقوق وواجبات وآثار يأتي في مقدمتها تزكية النفوس وتهذيب الأخلاق، وتقويم الأعمال ولن يصل الإنسان إلى ذلك إلا إذا نبت في نفسه قيم سامية وعاطفة حية تسمو بالنفس عن الخطايا، وتجعله يغض الطرف عن محقرات الأمور التي باقترافها تكون الدلالة على فقدان النفس لإيمانها وحيائها.
يقول النبي صلى الله عليه وسلم «الحياء والإيمان قرناء جميعا، فإذا رفع أحدهما رفع الآخر»، ولا مبالغة في ذلك، فالإنسان إذا ما ذهب عنه خلق الحياء ينحدر في مهاوي الرذيلة من سيء إلى أسوأ ، فإذا ما فقد الحياء من الله تعالى، فمن باب أولى يفقد الحياء مع الناس، ولا يزال ينتقل من سيىء إلى أسوأ حتى يقذف به في النار . يقول النبى - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه ابن ماجة عن ابن عمر رضى الله عنه «إن الله عز وجل إذا أراد أن يهلك عبداً نزع منه الحياء، وإذا نزع منه الحياء لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، فإذا لم تلقه إلا مقيتاً ممقتاً، نزعت منه الأمانة، فإذا نزعت منه الأمانة لم تلقه إلا خائناً مخوناً نزعت منه الرحمة، فإذا نزعت منه الرحمة لم تلقه إلا رجيماً ملعناً، فإذا لم تلقه إلا رجيماً ملعناً نزعت منه رقة الإسلام».
وبهذا نوقن أن انعدام الحياء عند الإنسان ممهد لأن يقذف به في النار . يقول النبي - صلى الله عليه وسلم - فيما أخرجه الإمام البخاري عن ابن مسعود رضي الله عنه «إن مما أدرك الناس من كلام النبوة الأولى، إذا لم تستح فافعل ما شئت»، ويقول صلى الله عليه وسلم فيما يرويه أنس بن مالك «ما كان الحياء في شيء إلا زانه، ولا كان الفحش في شيء إلا شانه»، فإذا ما رزق الإنسان بخلق الحياء كان أبعد ما يكون عن الحرام وعن معصية الله سبحانه وتعالى.

د . محمد عبد الرحمن البيومي
أستاذ بكلية الشريعة والقانون- جامعة الإمارات

اقرأ أيضا