الاتحاد

دنيا

الخادمة تشل قدرات الطفل الذاتية

حدثني متلعثماً، يجمع الكلمات، ينطقها بصعوبة واضحة، تلون وجهه حمرة الخجل، يصعب عليه الانسياب في التعبير عن دواخله وسكبها حروفاً وكلمات وجملاً مرتبة تعطي المعنى وتشفي الغليل، وتنقل صورة عن المتحدث، طفل تجاوز عمره الترويض عن النطق والحديث، طفل عادي وسوي لا إعاقة ذهنية تحول بينه وبين معرفة الحياة في الوقت المطلوب، ولا تأخر في النطق بسبب مرض من الأمراض، فقط هو طفل كباقي الأطفال، لكنه لم يتلق العناية اللازمة ليتعلم أبجديات الحياة، ويعبر عنها جملاً تحمل معاني ناطقة، لم تؤثر الشاشات الصغيرة على نطقه حيث أثبتت الدراسات أن الأطفال الذين يجلسون أما التلفزة لساعات طويلة قد يؤثر ذلك على نطقهم ويؤخر نموهم الذهني، بل هو طفل يتلقى تربيته في كنف الخادمة، طفل لا تحدثه أمه ولا تناغيه ولا تكلمه، لا يعرف إلا الصمت، كفى من الأسئلة، لا تصرخ، ولا تقترب منه إلا على يد الخادمة التي تقوم بكل احتياجاته، فتعطلت كل قدراته الفكرية والذاتية، وتعطل تطوره ومعرفته بذاته، تأخرت اكتشافاته الجسمية والذهنية، فينطق بكلماتها الملتوية، ويتعلم لهجتها ويتشرب أحيانا من ثقافتها، والطفل الصغير يشبه الوعاء يستوعب كل ما يفرغ فيه، وعندما يصل مرحلة من المراحل يبدأ تدوير كل المعطيات التي تلقاها من جديد، وهذا ما يحصل مع أطفالنا اليوم، فالأم تقضي ساعات طويلة في الخارج، أو بحكم ثقافتها تقضي وقتها في البيت، ولكن الطفل بين يدي الخادمة، بحجة أن هذه الأخيرة تتلقى راتبا ويجب أن تهتم به، وهو جزء من عملها، ومن جهة أخرى تقول الأم أن الخادمة أو (المربية) يجب أن تقوم بكل متطلبات الطفل، مهما ازداد نموه العاطفي والفكري واحتياجاته للتعرف على نفسه، وعلى العالم من حوله، وتقول انها هنا لتقوم بكل ذلك، وهنا تعمل على شل حركة الطفل وتعلمه الاعتماد على الغير، والابتعاد عن كل ما يكتشف به نفسه والعالم من حوله.
اشتكت مدرسة يوماً حال بعض الأمهات، وتساءلت وقالت: هل لا زال معنى الأمومة يتصدر أسمى المعاني، ويحتل نفس المكان، ويحمل نفس القيم، وله نفس المفعول؟ هل أفرغ هذا المعنى من محتواه السامي؟ وحقها في التساؤل كان واضحا، فهي تتحدث عن أمهات يزجون بأولادهم في المدارس ولا يعرفون عنهم شيئاً إلا من خلال الأوراق لو تصفحنها، أو عن طريق الخدم، لا حديث بين الأهل والطفل إلا نادرا، فشؤونه تدار كلها بأياد أخرى ليست يديه، ولا يدي أهله تسير به نحو النمو الفكري، وتجيب عن تساؤلاته الصامتة، والكثيرة التي قد تظل معلقة.


لكبيرة التونسي

اقرأ أيضا