لم تكن ولادة جبار أبو القزف عابرة، فقد اعتبرها البعض، هتكاً صارخاً، للمعتاد، في تلك القرية الحافلة بالخرافات..، ولد أبو القزف وأمه تنزل سلم البيت الطيني، المكشوف دون رادع، عن ظلال فقره، وقد أطلق صرخته الأولى، وأدركها على السلمة الثالثة. والأغرب من ذلك، وما زاد من حجم أسطورة ولادته، فقد قصّ  حبل مشيمته، وهو يرضع ثدي أمه. والسلالم كانت تمهّد لامرأة عجوز، تشقّ  جدار باحة البيت، تنبثق حيناً وتضيع بظلال نداءاتها حينًا آخر، في حثّ النسوة، نسوة الحي، وهن مشدوهات بيقين ما يحدث، لجمع أحجار الخافق والحليب، وغيرها، كحجر الجن، وخرزة الحسد! الحسد فعلهم الشاقولي الأوحد، الذي يشدّهم من فعل السقوط في بؤرة العين ومصائبها، ليصنعن له من هذه الأحجار أسورة تليق بعضده الغضّ   وتحفظه من أدران الدنيا. وضعوا تحت رأسه ذي الفروة الكثيفة السوداء سكيناً وملحاً وحرملًا، يقطر ماء عشب الأرض. تبرّعت خالته دفتر، بقذف سر مشيمته الذي بدا كعقب سيجارة غالف في باحة المدرسة القريبة من بيتها. لينقطع للنجاح والسرور، تواصلاً مع عادت أسلافه، المقيمة في تربية الأمل. بدت الأسابيع الأولى هادئة تماماً، إذ جبار لا يبكي إلا حين يتأخّر موعد رضاعته، مما أثار شكوك أمّه، باعتقادها أنه لا يمكن لرضيع بعمره، أن يسكت كل هذا الوقت، وكيف له أن يقاوم صامتاً هجوم وجع الأمعاء الحاد؟ الذي يتعرّض له أقرانه من المولودين حديثاً. طوال هذا الوقت، وأبو القزف الصغير، بدا متصالحاً مع سكون دائرة مكانه الجديدة، لا يعكّر من خاطره إلا الزيارات الثقيلة، وما أكثرها في قريته التي أدمنت هذه العادات المسكوت عنها، ودائماً ما تأتي دون موعد سابق، مما يضّطره، مسكيناً مرغماً، أن يتنقّل كارهاً، من حضن إلى آخر، متحملاً نزق ما يدور حوله من أحاديث ضالّة، لذلك قرّرت أمّه الذهاب لسيد ناصر، وهو المعروف بتمائمه وإيحاءاته اللامعة، استغرق سيد ناصر طويلاً وهو يتأمّل وجه وعينيّ الصغير جبار. كانتا، تطاردان ببطْء مروحة سوني بريشاتها الصفراء الدبقة المعلّقة في فضاء الغرفة الغائمة وهي تنفث هواء قائظاً. قام سيد ناصر من مكانه مفتعلاً مشهداً استعراضياً قصيراً، لحكاية توصّله إلى صندوق قديم محاط بخرق خضراء وآثار أكفّ حنّاء اختفت معظم أصابعها، يسكن في زاوية غرفته ويشبه بقايا عرس قديم. يتلفّت سيد ناصر، بصيغة العارف، حين يموت الكلام ويستخرج نوعاً صحراوياً جافاً من الهندباء، من قلب صندوقه الأخضر، يقرأ هلوسات تشبه حلماً يتلاشى. صلّى طويلاً وسجد. كانت تسابيحه تصل إلى رأس الشارع، وتعود إليه على شكل انكسارات، كان يتلذّذ بها وهو يدعك عشبة الهندباء بخفّة مفرطة مع جذور الخروع الزلقة التي كان يحتفظ بها في جيب سترة قديمة، كان قد اشتراها من سوق البصرة القديم، ربّما تعود إلى أحد أفندية ذاك الزمان، معلّقه بمسمار خلف باب حجرته مردداً: الشفاء من الله، لا شك في ذلك، إلا أن الله يورث علمه لبعض من عباده الصالحين. وهو يطلق صيحات «أستغفر الله ربي» الاستفزازية، موحياً إلى أم جبار بإشارة فلتت من بين ثنايا استغفاره، وهو يبدّد تهمة الرياء عنه، بأن تأتي بجبار إليه. وحين استقر الصغير شبه النائم بين يديه، بصق عليه، ومسح غبار تمائمه العشبية الجافة، على جبهته. قابلها جبار بنوم عميق، قبل أن تستسلم أمه لدهشتها في أبهاء المكان. أوصاها السيد بأن تجلب نبتة ظلّ الحنّاء من أقاصي أبي الخصيب، وتخلطها كل ليلة خميس مع رشاد البر، والحندقوق، وقراءة المعوّذتين وآية الكرسي، حين تدهن جسده، عاد أبو القزف الصغير إلى دائرته الأليفة، محمولاً، على أمل بكفّ، وبكفّ أمه الأخرى، في أن يبكي، ويصرخ ويملأ الكون بضجيجه المرتجى، كي تستريح هي الأخرى من ظنونها، التي أنهكتها طويلاً، وهي لا تنفك تردّد: جبار مريض، أصابته العين، وإن لم يبك الليلة، فإن سيد ناصر، كلب ابن كلب&hellip تأخّر بكاؤه، وأوغل بالصمت أكثر، تقرّح جسده الضئيل إزاء الفرك والدهن المستمر بفضل وصايا سيد ناصر، وصار يتلاشى، صار رضيعاً ممحوّاً بالكاد يمكن قراءته، فيما كان نواح أمّه يتّسع ويأخذ شكل دائرة العمى، أصبحت لا ترى الطعام ولا تبصر نومها، وأدمنت شمّ ثيابه وعصابته البيضاء، وصار الناس يلومونها وكانت تنكسر وسرعان ما تعاود النمو، إذا ما أطلق جبار صرخة لا يتعدى حجمها فضاء «كاروكه» المزنر بالتعاويذ والخرز، ربما تكون صرخة من ألم محنته، وليس من شعوره بالجوع. .............................................. مجتزأ من نوفيلا قيد الكتابة. * العراق &ndash هولندا