يوصفُ تاريخُ الفنّ بأنه قصّة تعاقب الأساليب المُختلفة، قراءة في تحوّلات الزمن واتّجاهاته، والانتقال من الواقع إلى حِراك التاريخ. إنها «قصّة الفن» مرّة جديدة، وهذه المرّة باللّغة العربية، بعد أن صدر الكتاب بأكثر من 16 لغة حيّة، ووصل عدد مبيعاته إلى أكثر من 8 ملايين نُسخة، منذ أن صدرت الطبعة الأولى منه سنة 1950 عقب الحرب العالمية الثانية. مؤلّف الكتاب إرنست غومبرتش (1909-2001) قدّم موسوعته بلغةٍ بسيطة، تُمكّن القرّاء من الاطّلاع على تطوّر الفنّ وتذوّقه، ورؤيته كوحدة مُتماسكة، وأصبح الكتاب مرجعاً للفنّانين وطلاب الفنون في أنحاء العالم.  يؤكّد غومبرتش في كتابه أن أحداً لا يعرفُ كيف بدأ الفنّ مثلما لا نعرفُ كيف نشأت اللّغة، إذ لا يوجد شعب بلا فنّ إذا اعتبرناه نوعاً من الأعمال مثل بناء المعابد والتماثيل والبيوت والزخارف والصور. ولأن قصّة الفنّ لا يمكن روايتها بمعزل عن الخلفية المعماريّة، فقد ركّز المؤلّف على مُناقشة الأساليب المعماريّة في كلّ حقبة، ووضع الأعمال التي يُناقشها في بيئتها التاريخية، من أجل فهم الأهداف الفنّية للرسّامين الكبار. كما تَرك غومبرتش قصّته مفتوحة على الإضافات طبعةً بعد أخرى، وتعمّد زيادة فصول عليه، وخصوصاً إلى الطبعة الحادية عشرة، لمواكبة التطوّرات الفنّية الحاصلة. يرى غومبريتش في كتابه أنه لا يوجد في الحقيقة شيء اسمه الفنّ، بل يوجد فنّانون وحسب، هؤلاء أناس تناولوا ذات يوم تراباً ملوّناً وخطّطوا صور ثورٍ على جدارِ كهف. فكلّ من حاول أن يُرتّب باقة من الورد، وأن يخلط الألوان وينقلها، أن يضيف شيئاً هنا ويُنقِص شيئاً هناك، اختبر هذا الإحساس الغريب بتوازن الأشكال والألوان، من غير أن يعرف على نحو دقيق أيّ  نوع من الانسجام يريد أن يُنجز، فكلّ  واحد منّا لديه شيء يرغبُ في جعله «صحيحاً». قلّما يذكر الفنّانون تلك الأفكار المُتعلّقة بالجمال والتعبير، والتي تُقلقنا نحن الذين لا ننتمي إلى أهل الفن، فهم يرون أن استخدام كلمة جمال أمر مُربك. ما يُقلق الفنان عملياً وهو يُخطّط أو يتساءل عمّا أنجزه أصعب من أن يُعبّر عنه بالكلمات، ولعلّ  ما يشغله هو صحّة العمل الذي أنجزه. إنه أمر مُمتع أن نُراقب الفنان وهو يُجاهد كي يُنجز التوازن الصحيح، ولو سألناه لماذا فعل ذلك لربما عجز عن الإجابة، لأنه لا يعمل وفق قواعد ثابتة، بل يتحسّس طريقه لا غير. إن تعلّم الفن لا ينقضي، وهناك أشياء جديدة قابلة للاكتشاف دائماً، وأعمال الفنّ العظيمة تبدو مختلفة في كلّ مرّة نقف أمامها، وتبدو غير قابلة للنضوب، ولا يُمكن التنبؤ بها. صيرورة زمنيّة يمضي الكتاب وفق صيرورة زمنيّة تبدأ من البدائيين وشعوب ما قبل التاريخ، أميركا القديمة، حيث لا يمكننا أن نفهم هذه البدايات ما لم نحاول اكتناه تفكير الأقوام البدائية، واكتشاف التجربة التي جعلتهم يعتقدون أن الصور ليست شيئاً جميلاً للنظر إليه، بل شيئاً قويّاً للاستخدام. ويُناقش الكتاب فنون مصر وبلاد الرافدين وكريت كفنّ للأبدية، ويعرضُ   أساليب المصريين الذين صوّروا واقع الحياة تصويراً مختلفاً، واهتمّوا بالاكتمال وليس الجمال، ورسموا بطريقة رسّامي الخرائط وليس الفنّانين. يُسهب غومبرتش في الحديث عن ثورة الفنّ الإغريقي الكبرى، واليقظة العظمى لليونان من القرن السابع إلى القرن الخامس قبل الميلاد. إذ كانت أثينا هي الأشهر والأهمّ في تاريخ الفن، وفيها أثمرت أعظم ثورة فنّية. إن ثورة الفنّ الإغريقي، أي اكتشاف الأشكال الطبيعية والخطوط المُتقاصرة، حدثت في العصر الذي بدأ فيه سكان المدن الإغريقية يرتابون في التقاليد القديمة، وأساطير الآلهة، ويتحرّون طبيعة الأشياء. هو العصر الذي شهد أوّل مرّة صحوة العِلم والفلسفة وتطوّر المسرح، حيث أقيمت احتفالات تكريماً للإله ديونيسوس. لم يكن فنّانو تلك الأيام من فئات المدن المُثقّفة، فالأغنياء وربما حتى الشعراء والفلاسفة، كانوا يزدرون في الغالب النحّاتين والرسّامين، الذين كانوا يعملون بأيديهم كسباً للعيش، يجلسون في مُحترفاتهم عرقى ومُتّسخين، ولم يكونوا محسوبين على المجتمع الراقي. يُخصّص الكتاب محوراً لمملكة الجمال، اليونان من القرن الرابع قبل الميلاد إلى القرن الأول الميلادي، إذ إن يقظة الفنّ الكبرى للحرية قد حدثت في المئة سنة الواقعة بين 520 و420 ق.م. وفي نهاية القرن الخامس أصبح الفنّانون مُدركين لقوّتهم وبراعتهم، وبدأ الناس يهتمّون بأعمالهم بوصفها أعمالاً فنّية وليس من أجل وظائفها الدينية والسياسية. وقد أنتجت المنافسة أساليب عدّة في مجال العمارة، وكذلك الرسم والنحت تميّزا بالرشاقة في هذه المرحلة. وقد تغيّرت مُقاربة الفنّ تدريجياً خلال القرن الرابع، وأصبح المثقّفون الإغريق يُناقشون اللوحات والتماثيل كما يُناقشون القصائد والمسرحيات، وأخذ الأغنياء يجمعون أعمال الفنّ، ويطلبون نُسخاً منها. القرن الأول إلى القرن الرابع الميلادي كان عصر الرومان والبوذيين واليهود والمسيحيين، وكان معظم الفنّانين الذين عملوا في روما من الإغريق، ومع ذلك فقد تغيّر الفنّ نوعاً ما عندما أصبحت روما سيدة العالم. ولعلّ أبرز ما أنجزه الرومان كان في مجال الهندسة المعمارية، فطرقاتهم وقنواتهم المُرتفعة وحماماتهم العامّة لا تزال محطّ إعجاب العالم، أمّا الحلبة الضخمة المعروفة بالمدرج الكبير(الكولّوزيوم)، ربما تكون من أشهر هذه المباني. إن الفنّ الإغريقي واليوناني الذي علّم الناس تصوّر آلهتهم وأبطالهم في أشكال جميلة، ساعد الهنود أيضاً على إبداع صورة مُخلّصهم. أما الدين الشرقي الآخر الذي تعلّم كيف يُصوّر قصصه المقدّسة من أجل تعليم المؤمنين، فهو دين اليهود. وبدءاً من القرن الخامس إلى القرن الثالث عشر، وبعد تفرّق الطرق بين روما وبيزنطة، وتحوّل الكنيسة المسيحية إلى سلطة من سلطات الدولة بقرارٍ من الإمبراطور قسطنطين، أصبح بناء أماكن للعبادة خلال فترة الاضطهاد أمراً لا ضرورة له. وحالما أصبحت الكنيسة أقوى سلطة في المملكة، كان لا بدّ من إعادة النظر في مُجمل علاقتها بالفن. فالمعابد الوثنية لم تعد خياراً مِعمارياً جيداً، والكنائس بُنيت على طراز قاعات الاجتماعات الكبرى المعروفة بـ«البازيليك»، أي القاعات الملكيّة، ومُشكلة تزيينها كانت هي الأصعب والأخطر، نتيجة حظر استخدام الصور في الدين وتسبّبها بنزاعات عنيفة. ومع أن المسيحيين الورعين عارضوا التماثيل الكبيرة المُماثلة للحياة، لكنهم اعتقدوا بفائدة الرسوم لتذكير المُصلّين بتعاليم الدين، وإبقاء الأحداث المُقدّسة في الذهن. وهو الموقف الذي تبنّاه البابا غريغوري الكبير، الذي قال إن «الرسم للأُمّيين مثل الكتابة للقرّاء»، وكان لموقفه أهمّية بالغة في تاريخ الفنّ. فنون الشرق وفي نظرة إلى الشرق، الإسلام والصين من القرن الثاني إلى القرن الثالث عشر، يذكر غومبرتش أن الإسلام كان أكثر تشدّداً من المسيحية في مسألة الصور، لذلك ابتدعَ حِرفيّو الشرق من مخيّلتهم أدقّ أعمال الزخرفة المعروفة بـ «الأرابسك»، بعد أن مُنعوا من تصوير البشر؛ إن قصر الحمراء الأندلسي شاهدٌ على الزخارف المُذهلة. وقد لعب السجّاد الشرقي دوراً في إطلاع العالم على هذه الإبداعات، وتُظهرُ القصص والحكايات المزوّدة بالصور في بلاد فارس منذ القرن الرابع عشر وفي الهند بعدها، ما تعلّمه فنّانو هذين البلدين من تصميم الزخارف والمهارات العالية. وفي الصين كان تأثير الدين قويّاً أيضاً، إذا اشتهر الصينيّون بفن سبك البرونز منذ زمن بعيد. وكانت نظرةُ كبار المُعلّمين في الصين إلى قيمة الفنّ تُماثل نظرة البابا غرغوري، لأنهم اعتقدوا أن الفنّ وسيلة تُذكّر الناس بالسلف الصالح. ويُرجح أن أهمّ دافع للفنّ الصيني، جاء بتأثير دين آخر هو البوذية، وفلسفة التأمّل العقلي والروحي. وفي القرون اللاحقة، تبنّت اليابان التصوّرات الصينية أيضاً. لقد كانت أوروبا تختلف دائماً عن الشرق في ناحية واحدة، فالأساليب في الشرق كانت تدوم آلاف السنين، أما الغرب فلم يعرف هذا الثبات، بل كان قلقاً وباحثاً عن أساليب جديدة دائماً. عصر النهضة يخوض غومبرتش في عصر النهضة الذي استمرّ على نحو ما منذ أيام بروتليسكي وحتى اليوم، وثمّة كتب عدّة حول فنّ العمارة تعتبر هذه الحقبة كلّها عصر نهضة. لقد أحدثت الاكتشافات التي قام بها فنّانو إيطاليا والفلاندر هزّة في أوروبا كلّها في المرحلة الفاصلة بين التراث والتجديد أواخر القرن الخامس عشر. وكانت نتائج هذه الثورة اندفاع الفنّانين في كلّ  مكان للتجريب والبحث عن تأثيرات جديدة. كانت بداية القرن السادس عشر من أشهر مراحل الفنّ الإيطالي، بل أعظم مرحلة في كل العصور. إنها عصر ليوناردو دافنشي، ومايكل أنجلو، ورفاييل، وتيشان، وكوريجيو، وجورجوني، وهولباين، وغيرهم. وقد يسأل أحدنا لماذا وُلد هؤلاء العظام في زمنٍ واحد؟ بعدها جاءت مرحلة انتشار العلوم الجديدة في ألمانيا والأراضي المُنخفضة، وارتبط الفنّ الهولندي بالمزاج المرِح، وجمال الطبيعة، وكان تصوير الأشخاص (البورتريه) من أهمّ هذه الفروع التي استطاعت الاستمرار في المجتمعات البروتستانتية. ولا بدّ من ذكر رامبرنت أعظم رسّام هولندي، الذي أضاف المزيد إلى أسرار الوجه الإنساني، وأبدع في دراسة تأثير الضوء والظلّ، واكتشف جمال الطبيعة الشمالية مثلما اكتشف كلود شاعرية الطبيعة الإيطالية. لقد شكّل القرنان السابع والثامن عشر رمزاً للسلطة والمجد في إيطاليا، وفرنسا وألمانيا، والنمسا. وعُرف القرن الثامن عشر بعصر العقل في إنجلترا وفرنسا، وجاءت الثورة الدائمة في القرن التاسع عشر لتغيّر أوضاع الفنّانين بالمجمل، ثم بدأ البحث عن معايير جديدة من خلال الفنّ التجريبي في النصف الأول من القرن العشرين، حيث أخذ الفنّانون يُجرّبون أساليب ويشكّلون مذاهب، حتى وصلوا إلى انتصار الحداثة. إبداع الشرق في نظرة إلى الشرق، الإسلام والصين من القرن الثاني إلى القرن الثالث عشر، يذكر غومبرتش أن الإسلام كان أكثر تشدّداً من المسيحية في مسألة الصور، لذلك ابتدعَ حِرفيّو الشرق من مخيّلتهم أدقّ أعمال الزخرفة المعروفة بـ «الأرابسك»، بعد أن مُنعوا من تصوير البشر، إن قصر الحمراء الأندلسي شاهدٌ على الزخارف المُذهلة. وقد لعب السجّاد الشرقي دوراً في إطلاع العالم على هذه الإبداعات، وتُظهرُ القصص والحكايات المزوّدة بالصور في بلاد فارس منذ القرن الرابع عشر وفي الهند بعدها، ما تعلّمه فنّانو هذين البلدين من تصميم الزخارف والمهارات العالية. الطاهر لبيب: صدور الكتاب بالعربية حدثٌ الكتاب صدر عن مشروع «نقل المعارف» التابع لهيئة البحرين للثقافة والآثار، برئاسة الشيخة مي آل خليفة، والمُشرف على المشروع عالم الاجتماع التونسي الطاهر لبيب الذي قال لـ «الاتّحاد»، إن «صدور «قصّة الفنّ» في العالم العربي هو حدثٌ بحدّ ذاته، وأهمّيته تكمن في كونه يروي قصّة الفنّ، وليس تاريخ الفن بالمعنى التقليدي، إنه يروي مراحل الفنّ ومذاهبه بأسلوب سهل، ويجمعُ بين دقّة المعرفة والسرد السلس غير المُخلّ بالمعرفة، أيّ أنه يهُمّ المتخصّص والقارئ العاديّ، لذلك هو مكتوب بطريقة غير مألوفة. كما يتضمّن الكتاب اختيارات للوحات لها دلالات خاصّة تُضاهي النُسخة الأصلية، وقد نجح بطريقة غير مسبوقة عربياً لجهة التصميم والطباعة والإخراج المُتقن والصور العالية الجودة، إذ لا يقلّ جمالاً عن الكتاب الإنجليزي الأصلي».