صحيفة الاتحاد

دنيا

«جوهرة مسقط» هدية حكومة سلطنة عمان إلى شعب سنغافورة

برهنت الصناعة العمانية تحديداً صناعة السفن الخشبية على جدارتها في بناء صروح السفن. حيث شكلت «جوهرة مسقط» السفينة الخشبية المصنعة في سلطنة عمان بلا مسامير أو معدن أو قطع حديدية حكاية روت للعالم أن التاريخ البحري العماني عاد ليسطر نفسه عندما أبحرت هذه السفينة لمدة خمسة أشهر من التحديات والمغامرة والصراع مع أهوال البحر وتقلبات الطقس لتصل إلى محطتها الأخيرة «ميناء كيبل بيه» في سنغافورة هدية لشعبها.


خطت سلطنة عمان خطوة تاريخية جديدة في وقت تتصارع فيه الدول لبناء وتشييد أكبر السفن وأعتاها مستخدمة أقوى وأصلب المواد لتجابه السفن صراع الأمواج عبر المحيطات، وذلك حين أنجز مواطنوها صناعة سفينة رائعة ومتميزة بخصائصها وأسلوب بنائها.

سطور الحكاية
أبحرت السفينة التي أطلق عليها اسم «جوهرة مسقط» في 16 فبراير 2010 من ميناء السلطان قابوس لتخوض بحر عمان وبحر العرب وخليج البنغال ومضيق ملقا متخطية أعاصير عاتية وأهوالا بحرية عديدة، مدعومة بكفاءة الطاقم الملاحي المستند بإرث تاريخي سطرته عمان في صفحات التاريخ، خاصة أنها اقتفت أثر الطريق الذي سلكه العمانيون القدامى منذ 1200 عام مستخدمة وسائل الإبحار التاريخية مهتدية بالنجوم في إحياء لإنجازات الماضي.
انتهت رحلة «جوهرة مسقط» وحطت رحالها في ميناء «كيبيل بيه» في سنغافورة، وطويت الصواري التي ارتفعت مع الرياح وألقت مرساتها في آخر فصل من حكاية إبحارها التقليدي. حيث كتب الحكاية قبطان الجوهرة الكابتن صالح الجابري ورفاقه، والتي طرزت بحروف من ذهب لتبقى خالدة في صفحات التاريخ العماني المشرق.
يقول صالح الجابري- قبطان السفينة: «إن جوهرة مسقط عبارة عن شراكة عمانية سنغافورية لإعادة بناء سفينة مصنوعة يدوياً بالألواح المربوطة بالحبال، وتم تنفيذ المشروع على شاطئ قرية قنتب في مسقط، وفور انتهاء تجهيزها تم إنزال السفينة التي يبلغ طولها 60 قدما إلى الماء».

تجهيز السفينة
يمثل مشروع إعادة بناء الجوهرة إنجازاً هندسياً في عالم الإبحار وتجسد السفينة مزايا وخصائص السفن التي كانت تبنى غرب المحيط الهندي، فالطريقة الفريدة التي كانت سائدة قبل حوالي 1200 عام يتم فيها ربط جوانب البدن بحبال مصنوعة من ألياف شجرة جوز الهند تجعل القارب متماسكاً وقوياً.. يقول الجابري: «تم استقاء تصميم «جوهرة مسقط» من حطام سفينة يعود تاريخها للقرن التاسع الميلادي وكانت تحمل أكثر من 60 ألف قطعة من الخزف الصيني، والمشغولات الذهبية والفضية والتوابل والبضائع والمعروفة بكنز سلالة تانج التي اكتشفت في عام 1998 في المياه الأندونيسية. وقد تم استخدام أخشاب «أفزاليا أفريكانا» التي جلبت من غانا وكذلك أخشاب «التيك» من بورما وأخشاب «البونا» من الهند، واستخدمت للسواري والأخشاب المساندة للحبال».
يضيف الجابري: «بعد وصولها إلى ميناء «كيبل بيه» وجدت الحفاوة البالغة والاستقبال البهيج الذي حظيت به السفينة في محطتها الأخيرة على المستويين الرسمي والشعبي، بما يؤكد المكانة التي نالتها السفينة والتقدير الذي ستحاط به في متحف يضم كنوز تانج، وهي الكنوز التي عثر عليها في حطام السفينة التي اكتشفت في المحيط الهندي قبالة السواحل الأندونيسية وشيدت على أثرها سفينة «جوهرة مسقط» وكان في مقدمة مستقبليها فخامة سيلابان راما ناثان رئيس جمهورية سنغافورة، وصاحب السمو السيد حارب بن ثويني آل سعيد المكلف من قبل صاحب الجلالة السلطان قابوس بن سعيد سلطان عمان لحضور حفل الاستقبال وجمع من المواطنين السنغافوريين ووسائل الإعلام المختلفة».

حفل التسليم
سلمت سلطنة عمان جمهورية سنغافورة السفينة «جوهرة مسقط» في 3 يوليو 2010 كهدية وسط تثمين رسمي وشعبي لهذه البادرة الطيبة، وألقى فخامة الرئيس السنغافوري سيلابان راما ناثان كلمة في حفل التسليم عبر فيها عن الشكر والامتنان وعالي التقدير من حكومة وشعب سنغافورة لهذه الهدية الثمينة من حكومة وشعب سلطنة عمان الكريم، مشيراً إلى قيمة الصداقة ومن ثم العلاقة التجارية عبر طريق الحرير الذي يعد أطول طريق تجاري في العالم، حيث كانت عمان أحد أطراف هذا الطريق التجاري مما أفرز بحارة وملاحين ماهرين شقوا عباب طريق الحرير وخلدوا إنجازاتهم ومغامراتهم من خلال القصص الشعبية التي تتوارثها الأجيال كقصة السندباد البحري».
بينما أشاد المسؤولون في سنغافورة بالرحلة التاريخية التي قامت بها الجوهرة والتي سجلت لحظاتها عبر الفيلم الوثائقي لقناة «ناشيونال جيوغرافيك» كلبنة جديدة تضفي بريقاً لامعاً على ذلك التراث البحري الغني بحيث تبقى الجوهرة ورحلتها سفيراً للنوايا الحسنة بين الأصدقاء القدامى الذين تربطهم علاقات تاريخية.

مهمة سامية
إبان تسليم سفينة «جوهرة مسقط» إلى سنغافورة، عبر الكابتن الجابري عن سعادته بالقول: «كان لي ولزملائي البحارة أفراد طاقم السفينة عظيم الشرف في تولي هذه المهمة السامية وحمل الأمانة العظيمة بتوصيل السفينة إلى سنغافورة بعد أن تمكنا من خوض بحر عمان وبحر العرب وخليج البنغال ومضيق ملقا. فقد عبرت الجوهرة المحيط وهي تتهادى بين الرياح الخفيفة تارة، والرياح والأعاصير العاتية تارة أخرى، وتسير بنا أحيانا على عجل وأحيانا على مهل ساعية سعي المشتاق للوصول إلى سنغافورة بكل ما تحمله في طياتها من معان وقيم وذكريات جميلة وغالية عن موطنها عمان، وعن البلدان والموانئ التي توقفت فيها، وعن كل من رآها وعرفها وتواصل معها أو تغنى وطرب بروعتها».
يضيف الجابري: «مررنا بتجارب شاقة خلال الرحلة وتصارعنا مع رياح وأعاصير قوية، إلا أن السفينة أبت إلا أن تصل إلى المكان المقصود في يوم سعيد لتحتضن مستقبليها وسط حفل بهيج وحفاوة تكريم لمسناه منذ دخول الجوهرة في المياه الإقليمية السنغافورية». إبان التسليم شعر الجميع بدموع «جوهرة مسقط» وهي تودع قبطانها وطاقمها، وتعدهم بأنها ستحفظ في ذاكرتها كل ذكرياتها معهم وستخلد حكايات وطنها ما بقيت في بحر الحياة.

فريق الإبحار
أدرك البحارة على متن السفينة منذ البداية أن هذا المشروع يمثل مشروعاً عالمياً، يقول في ذلك آدم البلوشي- أحد بحارة سفينة «جوهرة مسقط»: «أكدت لنا هذه السفينة أن الحدود تذوب عندما يتعلق الأمر بالتواصل والصداقة بين الشعوب. فأفراد طاقمها أصبحوا مجموعة من الأخوة والأصدقاء فمنهم عماني ومنهم أسترالي، وكانوا حقاً من المخلصين. لذا كان حتمياً أن تتعمق العلاقات بيننا بعد أربعة أشهر قضيناها بين أحضان وجدران هذه السفينة في ظروف عاشها أجدادنا في القرن التاسع الميلادي لكن هذه المجموعة أصبحت أسرة متحدة وربما أكثر من أخوة».
ويستعيد البلوشي ذكرياته وترتسم البسمة على ملامحه حين يقول: «كانت المسرة والابتسامات تعلو وجوه مستقبلينا في كل ميناء توقفنا فيه، تلك الابتسامات تتحدث لغة عالمية واحدة بحيث أعادتنا تلك الابتسامات إلى أوطاننا لتذكرنا بأحبائنا وعائلاتنا في وقت كانت المسافة بيننا وبينهم تقدر بآلاف الأميال. ففي «جورج تاون» التقينا امرأة تبلغ من العمر سبعين عاما، وكانت مريضة منذ عدة أشهر عندما سمعت عن جوهرة مسقط تأثرت بشدة لدرجة أنها نهضت من سريرها لأول مرة منذ أسبوعين لتزورنا ثم عادت لزيارتنا مرة أخرى، وشاركتنا طوال حفل التوديع، وظلت واقفة في الشمس لمدة ساعتين تودعنا وتتمنى لنا رحلة سالمة، وتحدثت عن أنها تتمنى لقاءنا في سنغافورة.. لقد أصبحت هي الأخرى جزءاً من أسرة السفينة».
يذكر أنه في أيام الاحتفال بوصول «جوهرة مسقط» وقعت سلطنة عمان وثيقة نقل ملكية السفينة إلى حكومة سنغافورة، فمن الجانب العماني وقّع معالي السيد بدر بن حمد بن حمود البوسعيدي أمين عام وزارة الخارجية العماني، بينما وقّع من الجانب السنغافوري معالي جورج يو وزير الشؤون الخارجية بجمهورية سنغافورة.





إضاءات
? مشروع سفينة جوهرة مسقط هو مبادرة ثقافية مشتركة بين السلطنة وسنغافورة.
? طول السفينة 18 متراً- 60 قدماً، عرضها 6 أمتار.
? يوجد بها ساريتان ارتفاع كل سارية 17 متراً.
? لكل شراع عارضتان الأولى طولها 10 أمتار.
? توجد دفتان للسفينة طول الواحدة 3 أمتار.?? استغرق البناء بين 10 إلى 12 شهراً.
? السفينة مصنوعة يدويا، وتعود في تصميمها وطريقة بنائها إلى القرن التاسع ميلادي.
? تعود طريقة تثبيتها إلى 1200 سنة إذ تجمع الألواح الخشبية معاً بواسطة حبال من ألياف جوز الهند المغزولة يدوياً (دون استخدام مسمار أو برغي واحد).
? استلهم تصميمها من حطام سفينة عثر عليها في المحيط الهندي الغربي العام 1998.
? وضعت السفينة في متحف سنغافورة الوطني عام 2008 وقام الرئيس السنغافوري بزيارة موقع صناعة السفينة في قنتب، ودشن الموقع الإلكتروني الرسمي لجوهرة مسقط.
? صنعت بحوالي عشرين طناً من أخشاب أشجار السدر العماني والسمر والتيك.
? بلغ وزن الحبال التي شيدت بها السفينة أكثر من طن ونصف.
? بنيت السفينة على أيدي مواطنين عمانيين وأفراد من أستراليا.
? زودت السفينة بمصورين فوتوغرافي وتليفزيوني يغطون الرحلة.
? تدخل في العام 2011 « قصة جوهرة مسقط» المنهج التعليمي من خلال الجامعات والمدارس، وسينتج فليمين عنها يعرضان حول العالم.