لندن، واشنطن (وكالات، موقع 24) نفت الإمارات العربية المتحدة، أمس، ما أوردته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية من اتهامات بأنها كانت وراء الاختراق المزعوم لموقع وكالة الأنباء القطرية قبيل تفجر الأزمة الدبلوماسية مع الدوحة في مايو الماضي. وقال معالي الدكتور أنور قرقاش وزير الدولة للشؤون الخارجية في تصريحات بمركز أبحاث «تشاتام هاوس» في لندن «تقرير واشنطن بوست كاذب، والقصة عن أننا فعلياً اخترقنا القطريين غير صحيحة على الإطلاق، وسترون خلال الأيام المقبلة كيف ستنطفئ من تلقاء نفسها». ونفى سفير الإمارات لدى الولايات المتحدة السفير يوسف العتيبة أيضاً صحة تقرير صحيفة «واشنطن بوست» حول التورط في قرصنة موقع وكالة الأنباء القطرية ونشر تصريحات للأمير تميم بن حمد بشأن إيران وحركة حماس وإسرائيل والولايات المتحدة. ونقلت الصفحة الرسمية للسفارة على موقع «تويتر» عن السفير القول «إن تقرير واشنطن بوست زائف، فالإمارات لم يكن لها دور بأي شكل في القرصنة المزعومة التي أشار إليها مقال الصحيفة». وأضاف «أن الأمر الصحيح هو سلوك قطر، في تمويل ودعم وتمكين المتطرفين من طالبان إلى حماس والقذافي، والتحريض على العنف، وتشجيع التطرف وتقويض استقرار جيرانها». وكانت «واشنطن بوست» زعمت نقلاً عما وصفتهم بـ«مسؤولين في أجهزة المخابرات الأميركية» قولهم إن الإمارات رتبت لاختراق صفحات على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع إخبارية تابعة للحكومة القطرية في أواخر مايو من أجل نشر تصريحات نارية، لكنها كاذبة منسوبة لأميرها. إلى ذلك، فند تقرير موسع لـ«موقع 24» زوبعة «واشنطن بوست» ومصادر ما يعرف بـ«صحيفة الحناجر العميقة» التي تميزت يوماً بكشف قضية «ووتر جيت» التي أطاحت الرئيس السابق ريتشارد نيكسون في منتصف السبعينيات، لكنها منذ نحو نصف قرن لم تعد تتميز إلا بما يطلق عليه اليوم اسم «فيك نيوز» (الأخبار الكاذبة). وحذر روبرت باري الصحافي المعروف بـ «الذئب» المنفرد الذي فجر عشرات الملفات والقضايا التي عصفت بالإدارات الأميركية ومراكز القوى الكبرى في الولايات المتحدة على امتداد الثمانينيات من القرن الماضي، مثل فضيحة «إيران جيت» مبكراً من صحافة الأخبار الكاذبة، وصناعتها، منبها منذ 2013، من تردي «واشنطن بوست» في صحافة الأخبار الكاذبة والمشبوهة، بحثاً عما أسماه «العصر الذهبي الجديد للصحافة» في أميركا. وقال باري في دراسة تحليلية نشرها موقعه «كونسيرتيوم نيوز» في نوفمبر 2016:«لم تتورط واشنطن بوست في صناعة الأخبار الكاذبة صدفةً أو من باب العبث والترف الصحافي، ولكن بعد ترديها في تحقيقات عن خضوع الرئيس الأميركي دونالد ترامب لروسيا، وابتزاز الكرملين للمرشح الرئاسي والتدخل في الانتخابات الأميركية عن طريق الإنترنت، اعتماداً على مركز أبحاث (مستقل) يجمع ديمقراطيين وجمهوريين، عبر قائمة تضم أكثر من 200 موقع إنترنت، يجمع بينها الترويج لنظرية التدخل الروسي في الانتخابات عن طريق موقع أسود (بروب أور نوت) تديره الأجهزة السرية الروسية، لنسف الديمقراطية الأميركية». ووفق باري، فإن «واشنطن بوست» ترددت ومنذ سنوات طويلة قبل ذلك في التشهير والتنديد بالصحافيين المستقلين الذين يرفضون الانصياع لأوامر وزارة الخارجية، أو بعض المصادر الموثوقة التي لا ترقى إلى الحقائق التي تكشفها الشكوك، ولا تقبل المراجعة أو النقد. ولخص عقيدة «واشنطن بوست» الجديدة، واصفاً إياها بـ«الوضيعة» التي لا تتردد في التشهير والإساءة إلى شخصيات وطنية كثيرة، لا تُشاركها مواقفها الأيديولوجية أو الإعلامية والسياسية. وتعددت سقطات «واشنطن بوست» على امتداد السنوات الأخيرة، بدايةً بإعلانها عن امتلاك العراق أسلحة دمار شامل عبر سلسلة من التقارير اعتمدت على مصادر مجهولة وتبين أنها كاذبة، إلى خبر العلاقة المحرمة بين الرئيس السابق باراك أوباما والمغنية بيونسي في 2014، إلى خبر دفع أوباما 400 مليون دولار فديةً إلى إيران في 2016، بعد رفع العقوبات عن طهران، وعشرات الوقائع الأخرى، التي نشرتها الصحيفة قبل أن تعتذر عن بعضها مثل خبر العلاقة بين ترامب وروسيا، أو التدخل الروسي في الانتخابات. وقالت صحيفة «لاستامبا» الإيطالية أمس، تعليقاً على الاختراق المزعوم، إن وصول تسريبات من وكالة المخابرات إلى واشنطن بوست ليس صدفةً على الإطلاق، بل هي محاولة للالتفاف على جهود الدولة المقاطعة لقطر، ومحاولة لإفشال استراتيجيتها. وأضافت أن المثير في التقرير المستند إلى مصادر من المخابرات، قاموسه ومصطلحاته المثيرة «يبدو أن» و«لم يتضح بعد إذا ما كان» و«لا يُعرف على وجه الدقة إذا ما» وباستثناء المقدمة المباشرة التي تتهم الإمارات بالاختراق، لا يبقى في التقرير الذي جاء في حوالي 1800 كلمة، سوى 49 كلمة هي مجمل ما قالت الصحيفة في مقدمتها لتسوق اتهامها، وذلك رغم رفض كل الجهات التي عادت لها الصحيفة الخوض في مثل هذا الاتهام بشكل رسمي ومسؤول، كما يُفترض في المصادر المسؤولة والرسمية، من وزارة الخارجية، إلى المخابرات، إلى وزارة الأمن القومي، إلى مكتب التحقيقات الفدرالي، إلى غيرها من الوكالات والأجهزة المعنية بشؤون التجسس وتحليل المعلومات. واقتصر التقرير على استطرادات طويلة، وربط غير سلس في أكثر من مناسبة وموقع، بين الإمارات والاختراقات المزعومة، التي حولت قطر إلى ما يُشبه الغربال أو قطعة جبن سويسري، بسبب عددها وكثرتها، وأهميتها. وطرح التقرير أسئلة حول مصداقيته والهدف منه، أكثر مما يدعيه وواضعوه من حقائق صحافية أو انفرادات، بما أن قطر نفسها التي ادعت التحقيق في الاختراقات بمشاركة «إف بي آي»، توقفت جرأتها عند اتهام دول مجاورة بالمسؤولية عن الاختراقات التي تعرضت لها مواقع حكومية، بواسطة أجهزة «أي فون»، أما مكتب التحقيقات الفدرالي الذي تحول عملاؤه إلى الدوحة، فقدوا القدرة على تسريب المعلومات التي توصلوا لها بعد تحقيقاتهم السرية والعلنية عن الهجوم الإلكتروني، ويتخلوا عن المهمة لزملائهم في وكالة المخابرات ووكالات الظل الأخرى، التي تطوعت لوضع الصحيفة في صورة الأحداث كما حصلت فعلاً! وبالنظر إلى كاتبي التقرير «عصابة الأربعة» وهم كارن دي يونغ، وإلين ناكاشيما، وكريم فهيم من إسطنبول، وكارول موريلو، فإن أي متابع عادي أو قارئ، لا بد أن يدفعه الفضول إلى محاولة التعرف على خلفية المحررين. فمثلاً كارين دي يونغ الفائزة بجائزة بوليتزر المرموقة، واحدة من المتهمات بالتنظير لامتلاك العراق سابقاً أسلحة الدمار الشامل. وفي الأسابيع الأخيرة تولت الدفاع عن قطر عن طريق تقارير لم تثبت صحتها أبداً مثل «تهديد برلماني أميركي بحظر بيع الأسلحة إلى الدول المقاطعة لقطر» أو «تهديد الولايات المتحدة للدول المقاطعة لقطر» أو غيرها من المواقف. أما إلين ناكاشيما، فقد برزت بعشرات المقالات المتهمة بنشر سلسلة الأخبار الكاذبة عن ترامب، وعن روسيا، وقبلها عن أوباما، واعتبرها باري نموذجاً لصناعة الأخبار الكاذبة. في حين أن كارول موريلو، مكلفة بتغطية أخبار وأنشطة وزارة الخارجية، ليتأكد مرة أخرى بذلك مسار التسريب الاستخباراتي ومصدره، باعتباره من محيط وزير الخارجية تيلرسون نفسه، وليس من لانغلي مقر المخابرات. أما الرابع الأميركي من أصل مصري كريم فهيم، المراسل من إسطنبول، والذي يقتصر نشاطه على تغطية أخبار الرئيس رجب طيب أردوغان، فإن مداخله وعلاقاته بالدوائر التركية المسؤولة تسمح له بالحصول على ما يكفي من معلومات أو تسريبات معظمها ترويجية لنظرية المؤامرة على قطر. وبالنظر إلى المعلومات الواردة في التقرير، وهوية واضعيه، فالحقيقة الثابتة لتقرير «واشنطن بوست» إنه «فيك نيوز».