صحيفة الاتحاد

دنيا

إفطار الفريج.. على مائدة التآلف الاجتماعي

أشرف جمعة (أبوظبي)

تعايش المجتمع الإماراتي على المحبة والتمازج بين أبنائه في أرقى صور التآلف الإنساني، وهو ما يبرز في اللحظات التي يجتمع فيها أهل الفريج على مائدة واحدة تشترك فيها بعض البيوت المتجاورة فيأكل كل واحد من هؤلاء من أطباق مختلفة، وهو ما يخلق حالة من التنافس المحمود، التي تجعل كل عائلة تحضر أفضل ما لديها من أطباق، تبسطها على هذه المائدة، التي تجمع الصغار في محبة فياضة وتجمع الصغار الذين يراقبون هذه المهرجان اليومي في شهر رمضان الكريم بعين متأملة فتغرس في داخلهم تلك الفيوض الروحانية والطقوس المتوارثة والعادات، التي تبرز معاني الوفاء والتقارب بين أبناء الإمارات، ولقد كان إفطار الفريج مظهراً أصيلاً في البيئة الإماراتية القديمة، عبر عن ألوان صادقة من التكافل ونماذج راقية من التجمع الإنساني على مائدة واحدة أمام البيوت أو في المجلس، وعلى الرغم من طغيان قيم عصرية جديدة، فإن إفطار الفريج موجود في الكثير من إمارات الدولة يتبادل الأهل والجيران، ويعمرون موائدهم بتلك الألفة السابقة، التي تبث في النفس معاني الوفاء والكرم والاحترام، وتعظيم قيم وعادات رمضانية على مدى الدهر.

دلالات تاريخية
ويقول الدكتور عبد الله المغني أستاذ التاريخ الحديث المعاصر في جامعة الشارقة: إفطار الفريج من المظاهر الأصيلة في دولة الإمارات، حيث عاش الآباء والأجداد في ظل هذه العادة، التي تخطت الزمن ولا زالت باقية رغم مرور الأيام والسنين في بعض المناطق في الدولة، وهذا المظهر له دلالات تاريخية، فهو يعبر عن الواقع المعيش في ظل القيم والعادات والتقاليد الإماراتية الراسخة عبر الزمن، حيث اجتماع الجيران في رمضان على تلك المائدة، التي توضع بين البيوت، والتي تتعدد أشكالها بتعدد الذين يبسطونها في هذه الأماكن، حيث يشترك عدد من البيوت في هذه المائدة، التي تمتلئ بصنوف الطعام، الذي تعده النساء خصيصاً لهذه المناسبة الغالية، وهي فرحة قدوم الشهر المبارك، وتستمر هذه المظاهر طوال أيام وليالي رمضان وبالنسق نفسه.

ابتسامة استقبال
وأشار إلى أن أبناء الإمارات عرفوا في هذا اللون من التكافل، الذي يشيع المحبة ويثبت دعائم العلاقات الإنسانية بين أبناء المنطقة مند زمن بعيد ومن أجل مميزاته أن مثل هذه الموائد المشتركة، كانت تقام أيضاً في أثناء غياب بعض الرجال في رحلات الصيد والسفر، حيث يتولى الأبناء المشاركة مع الجيران، فتشيع الأجواء المدهشة وتعلوا الجلوس ابتسامة استقبال الآذان، ومن ثم الدعاء أن يتقبل الله من الصائمين جهدهم.
ويرى أن «طعام الفريج» وإن كان قد اختفى في بعض الكثير من الأماكن التي ارتفعت فيها البنايات الضخمة، فإن هناك أماكن كثيرة في الدولة تستحضر عظمة الشهر الفضيل وتعمل على إحياء عادات إماراتية لها ارتباط وثيق بالشهر الفضيل، خصوصاً أن هذه المظهر الذي يتمثل في طعام الفريج يعبر عن فرح يسكن قلب كل مشارك ويرخي أسباب المودة بين الجميع.

تراث الآباء
وأوضح الدكتور حماد الخاطري الباحث في الموروث الشعبي الإماراتي أن إفطار الفريج له مظاهر خاصة، فهو متوارث من تراث الآباء والأجداد وأنه كان سمة غالبة في شهر رمضان المبارك، حيث تجتمع الأسر على تجهيز مائدة يشارك فيها مجموعة من البيوت، مشيراً إلى أن الفرجان قديماً كانت تنعم بهذا المظهر، حيث كان الفريج كله يخرج أطباقه للمشاركة في موائد تبسط أمام البيوت لا يفرق فيها بين غني وفقير، وأن مثل هذه العادة الكريمة لا تزال تحتفظ بوجودها في الحياة الإماراتية، لكنها لم تعد موجودة بالكثافة القديمة، التي كانت عليها منذ ما يقرب من ثلاثين عاماً.
ويرى أن المناطق التي احتفظت بهذه العادات وعملت على إحياء التقاليد منتشرة في مناطق متفرقة من الدولة، وأن الأطباق يتم توزيعها على المائدة فيأكل الجيران من طعام بعضهم بعضاً، وهم يشعرون بسعادة وألفة ومحبة غامرة، فالحياة الإماراتية تعبر عن طبيعتها التي تتكئ على مورثات عريقة تنتقل من جيل إلى جيل، وأنه من الضروري أن تظل هذه العادات مستمرة، خصوصاً أنها تشبع جانباً اجتماعياً مهماً في حياة الناس، وتذكرهم بقيم الماضي وتسافر بهم إلى زمن الآباء والأجداد، خصوصاً أن إفطار الفريج كان يتم بشكل تلقائي وفق عادات الناس وأنه اليوم يظهر في الحياة الإماراتية بشكله الاجتماعي العميق ليرسخ في ذهن الأجيال الألفة والمودة.

أجواء روحية
خالد النعيمي من سكان الشارقة يستمتع كثيراً بالمظاهر الرمضانية الإماراتية المتعلقة بإفطار الفريج ويجلس كل يوم وسط جيرانه، الذين يحملون أطباقهم ويضعونها على مائدة غنية بأطعمة منزلية محببة للجميع، ويشير إلى أن المغزى الحقيقي من الإفطار وسط الفريج وعدد من العائلات يتمثل في هذه الأجواء الروحية التي تغمر الجميع بالفرح والسعادة والالتقاء على المحبة، وهو لا يتغيب عن هذه المائدة إلا لدعوة إفطار عند أحد الأصدقاء أو خلال زيارته لبعض الأقارب في أماكن أخرى، وعدا ذلك يحرص على أن يكون موجوداً وينعم بهذه الصحبة الكريمة على مائدة الفرجان، ويرى أن هذه العادة الحميدة تقاوم الزمن، حيث يعمل العديد من أبناء الإمارات على أن تظل موجودة رغم التطور العمراني، الذي فصل الفرجان عن بعضها.

معاني إنسانية
بطي المنصوري تعود منذ سنوات طويلة على تناول الإفطار مع الجيران بمنطقة الكرامة في أبوظبي، ويذكر أن هذا المظهر الذي نشأ عليه في ذهنه رسخ لديه الكثير من المعاني الإنسانية العميقة، وأنه مع مرور السنين أدرك الأهمية التي تجعل الجيران يقيمون موائدهم بين البيوت ويتناولون الطعام كأسرة واحدة في بهجة منقطعة النظير، مبيناً أنه لا يستطيع أن يفطر خارج هذه الأجواء التي شكلت حياته الرمضانية، وأنه رغم كثرة دعوات الإفطار فإنه يحرص على أن تكون الأولوية لإفطار الفريج، الذي يشعر من خلاله بالألفة وقيمة العادات والتقاليد الإماراتية المستمدة من قيم شهر رمضان المبارك وأن هذه المظهر من ضمن الأسرار، التي تعبر عن تلاحم أبناء الوطن ومدى قوة العلاقات الاجتماعية بينهم وأنه ينظر إلى عادة إفطار الفريج على أنها من المظاهر الأصيلة في البيئة الإماراتية.

أطعمة شعبية
إبراهيم آل علي من دبا الحصن يقول إنه اعتاد على الإفطار مع الأهل والجيران منذ سنوات بعيدة، أوضح أنه في كل مرة يهل فيها شهر رمضان المبارك فإنه يجد تلك الموائد تبسط للكبير والصغير ويجتمع حولها الجميع في محبة فياضة، لافتاً إلى أنه يحب أن يتناول الأطعمة الشعبية المعروفة في الإمارات والتي يكون لها حضور قوي على هذه المائدة، وأن قبل الآذان يتم تجهيز المائدة مع بعض الجيران ويتم تنسيقها بحيث تتداخل الأطباق، وهو ما يتيح للجميع تناول أطعمة مختلفة في أجواء تظللها السعادة والمودة، وأنه منذ يشعر بالراحة الكبيرة لوجود هذا العادة التي اختفت في بعض الأماكن لكنها لم تختف فهي باقية في وجدان كبار السن والأجيال الجديدة تكتسب من خلالها القيم والتقاليد الأصيلة وأنه يحرص على أن يتناول بانتظام طعام الإفطار وسط هذه الصحبة المتجانسة.