الاتحاد

رأي الناس

أنامل الصياغة اللغوية المهنية

ليس أشد من غربة اللغة بين أهلها، وشكوى حروفها ومعانيها ومبانيها، من خيبات الصياغة اللغوية المهنية التي تستتر بين ثنايا ما نتصفحه كل يوم من إصدارات في شكل مراسلات، أو مذكرات، أو تقارير، أو أحكام، أو أبحاث أو دراسات، فاللغة هي وعاء الفكر، لها أصولها وقواعدها، فكيف إذا كانت تلك اللغة ما سُطرت به آخر رسالات السماء.
لا أعرف تحديداً ماذا أصاب فكرنا اللغوي المهني من عوارض وندوب، وتصدع في البنيان اللغوي وشروخ في جدار الشكل والمحتوى، حتى بات حصولك على مستند بلا شوائب في التحرير، أو قصور في التعبير، أو إتقان في الإخراج أمر نادر.
إننا بحاجة ماسة إلى كوادر في الصياغة اللغوية المهنية من حيث الأسلوب المهني المحترف، وانتقاء العبارات الخالية من الأخطاء الإملائية والنحوية والأساليب الركيكة، والبعيدة عن اللهجات المحلية أو العامية. واقعنا أليم في غياب الكثير من معايير الكتابة اللغوية المهنية الصحيحة، والتي تشترط في حدها الأدنى، السلاسة والجزالة والتوظيف الأمثل للمعلومة، وصياغة الفكرة بأسلوب واضح واحترافي يواكب ثروة المحتوى وثورة العصر الرقمي. يصيبك الإعياء حين يصلك مُخرج مهني كنت تنتظره بشغف لتبحر بين ثناياه حتى تتفاجأ بهشاشة عظامه اللغوية، وافتقاره إلى الكثير من جماليات وفنيات وأساسيات لغة الضاد التي تتصدر المرتبة الرابعة من حيث الانتشار عالمياً، والمعتمدة كلغة رسمية سادسة في الأمم المتحدة منذ 1973م.
لا شك في أن الجهود التي يبذلها محبو وعاشقو لغتنا في جانبها اللغوي أو الأدبي أو المهني، سيعود بنا إلى بستان اللغة المهنية الغني والمتجدد. وقد حمل صاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم على عاتقه مهمة النهوض بلغتنا وتعزيز الاهتمام العالمي بها، وسخر لذلك برامج ومشاريع وجوائز لتمكين اللغة في مختلف المجالات، كجائزة محمد بن راشد للغة العربية، وتحدي القراءة، ومؤتمر اللغة العربية؛ وأيضاً مشروع «لننهض بلغتنا» برعاية مؤسسة الفكر العربي؛ علنا ننشد يوماً مع أحمد شوقي: «إن الذي ملأ اللغات محاسناً ... جعل الجمال وسره في الضادِ».


اقرأ أيضا