الاتحاد

الملحق الثقافي

ترجمة المسرح

أسئلة المسرح كثيرة، لعل أخطرها اليوم يتعلق بطاهرة انحساره، على الرغم من الجهد المضني الذي بذلته عدة أجيال من المولعين به، وما تبذله بعض العواصم الفنية في الخليج. وقبل أن أستطرد إلى ما أراه سببا رئيسيا فى خفوت جذوة المسرح واقتصاره على الاستعراض والكوميديا، أحب أن أشير إلى أنه الفن الوحيد الذي لم تفلح محاولات رده إلى أصول عربية قديمة، لتبرير قطيعته مع الآخر الغربي، الذي أصبحنا شغوفين بتعليق خيباتنا عليه من ناحية، وقياس حركتنا دائما برصد موقعه منها من ناحية ثانية.
لم يثبت إطلاقا علاقة الأشكال المسرحية الدرامية الجادة بأية تجليات للأدب أو للفرجة الشعبية في العصور الوسطى، وظل المصدر الأساسي لها هو نصوص هذا النموذج الغربي الأصيل للمأساة والملهاة وما بينهما من دراما وميلودراما بتنويعاتها المختلفة، وأقصى ما أشبع حسنا القومي في شبابنا ما تم اكتشافه من فضل المسرح الفرعوني على الإغريقي في إطاره الديني ودلالاته الميثولوجية، لكن ذلك تاريخ موغل في القدم قد انقطعت عراه ولم يعد موصلا بالثقافة العربية. ظلت ترجمة المسرح الأوربي في مطلع عصر النهضة العربية هي المنبع الحقيقي لتخليق هذا الفن واستزراعه في تربتنا بشروطه ومواصفاته. واعتمد توليده كجنس أدبي على ما أشرنا إليه من التفكير الجماعي، وابتكار المكان المخصص له، واعتبار الستارة الفاصلة بين الخشبة والجمهور بمثابة الجدار الرابع المفترض، وهي ترفع خلسة دون أن يلحظ الممثلون، فيظلون في أداء أدوارهم كأن أحدا لا يطلع على ما يقومون به، وكأن هذا الجدار الرابع الافتراضي هو الذي يضمن جدية المحاكاة، وعزل الوقائع عن استجابات الجمهور، لتتم في مناخ إبداعي مستقل بمعناه وبنيته. وعندما تداعى هذا الجدار الرابع وشعر الممثلون بوجود الجمهور وأخذوا يخرجون على النصوص المحكمة فنيا التماسا للتأثيرات العارضة تفككت بنية هذه النصوص المسرحية وفقدت قوامها الدرامي وتدهورت العروض حتى أوشكت النصوص على الذوبان في تيار الارتجال الذي يلج حينا ويسف في معظم الأحيان.
الطريف أن عمليات التعريب لنصوص المسرح الفرنسي والإيطالي على الخشبات العربية كانت تأخذ في اعتبارها الواقع ومشكلاته، فتنتقي ما يتلاءم معه ويعبر عنه. وساعد على ذلك أن كبار الكتاب الذين أسسوا للأدب المسرحي العربي قد عكسوا تاريخ الفن، فبدأ شعراء الإحياء تأليف المسرح الشعري، مستلهمين التراث العربي في موضوعاته وتجاربه، والإطار الغربي في أشكاله وبنيته. كان شوقي كما هو معروف أبرز المؤسسين بأعمال لقيت استجابة عظيمة وعروضا ناجحة في “مصرع كيلوباترا” و”مجنون ليلى” و”عنترة وقمبيز” وغيرها، وكان الشعر مانعا من الخروج على النصوص والارتجال، وتبعه عزيز أباظه وباكثير والشرقاوي، ووصلت الدراما الشعرية إلى ذروتها الفائقة عند صلاح عبد الصبور قبل أن ينكسر خط صعودها على يد شعراء أقل تمكنا وإتقانا فنيا، لكن ظلت الترجمة هى المعين الأساسي لنضج تيارات جديدة لدى المؤلفين الكبار، واعتمدت هذه الترجمة على مبدأ حاكم هي اختيار ما يتلاءم مع روح الفترة وشواغل العصر، وإشباع الحاجات الجمالية والإنسانية بالتوازي مع التأليف الخلاق.

drsalahfadl@gmail.com

اقرأ أيضا