الاتحاد

دنيا

من يكسر حاجز الصمت؟!


دمشق ـ فاطمة شعبان:
رغم شيوع ظاهرة العنف ضد المرأة في كل المجتمعات، إلا أنها ما زالت مسكوتاً عنها، حتى من المرأة ذاتها، وتلعب عوامل عديدة منها الاجتماعي والاقتصادي والثقافي والتعليمي دوراً في إبقاء حاجز الصمت مرتفعاً أمام ظاهرة تفرز جرائم بحق النساء كل لحظة· ولكسر حاجز الصمت عن هذه الظاهرة أصدرت منظمة الصحة العالمية دارسة لها تحمل عنوان: 'صحة المرأة والعنف المُمارس ضدها في البيت' يعالج على مدى 198 صفحة هذه الظاهرة وتأثيرها على النساء· ومن جهته أصدر صندوق الأمم المتحدة للسكان تقريره 'حالة سكان العالم ،'2005 والذي يحمل عنوان 'وعد المساواة: الإنصاف بين الجنسين، والصحة الإنجابية، والغايات الإنمائية للألفية' والذي يتعرض بدوره لظاهرة العنف التي تمارس على المرأة·
يقدر تقرير صندوق الأمم المتحدة للسكان 'أن امرأة من بين كل خمس نساء على نطاق العالم ستكون ضحية للاغتصاب أو لمحاولة الاغتصاب في حياتها· وستتعرض واحدة من ثلاثة نساء للضرب أو للإكراه على ممارسة الجنس أو الإيذاء على نحو آخر، عادة على يد فرد من أفراد الأسرة أو شخص من معارفها'· وفي أغلب الحالات يفلت الجناة من العقاب· وحسب التقرير في كل عام يتاجر بمئات آلاف من النساء والأطفال ويستعبدون، ويتعرض ملايين آخرون إلى ممارسات ضارة· ويقتل العنف الممارس على المرأة ويسبب إعاقة عدد من النساء ممن تتراوح أعمارهن بين 15 و44 سنة، وهو عدد يماثل عدد النساء اللائي يقتلهن السرطان·
تكلفة اقتصادية هائلة
إضافة للآثار النفسية الجسدية التي يتسبب بها العنف الممارس على المرأة، فهو يكلف بلدان العالم ثروات هائلة، تتجسد في زيادة نفقات الرعاية الصحية، والمطالب المتزايدة على المحاكم والشرطة والمدارس، والخسائر في التحصيل التعليمي وفي الإنتاجية· ففي شيلي بلغت تكلفة العنف العائلي بالنسبة للنساء 1,56 بليون دولار كدخل مفقود في عام ،1996 أي ما يتجاوز 2 في المئة من الناتج القومي الإجمالي· وفي الهند، تبين من استقصاء أن النساء فقدن سبعة أيام عمل في المتوسط بعد حادث عنف·
كما يشكل العنف العائلي أكبر خطر فردي على الصحة بالنسبة إلى المرأة الأسترالية في سن الإنجاب، بحيث يسفر عن خسائر تبلغ قرابة 6,3 بليون دولار سنوياً· وفي الولايات المتحدة يبلغ الرقم نحو 12,6 بليون دولار سنوياً·
تعميم العنف
العنف العائلي هو أكثر أشكال العنف الممارس على المرأة شيوعاً، وتقول البيانات المستمدة من الاستقصاءات، يتعرض ما يتراوح من 10 في المئة من النساء في بعض البلدان إلى 69 في المئة في بلدان أخرى للعنف العائلي· وفي حوالي ربع الحالات يحدث أيضاً اعتداء جنسي· وقد ينطوي العنف الجنسي على تخوف جسدي ونفسي، وتحرشات أو أفعال جنسية غير مرغوبة، واغتصاب في إطار الزواج، وابتزاز·
وقد يتلاعب أيضاً بانعدام أمن المرأة مالياً، من خلال التهديدات بالفصل من العمل أو الاستغلال من قبل عرض تقديم غذاء أو مأوى في مقابل الجنس· وحسب تقرير الصندوق فقد أصبح الإتجار بالبشر، الذي يسمى أحياناً 'أكبر تجارة رق في التاريخ' يسبق تهريب المخدرات باعتباره أحد أكبر أشكال التجارة غير المشروعة الأسرع نمواً في العالم· ويقدر تقرير الإتجار بالأشخاص الصادر عام 2005 عن وزارة الخارجية الأميركية، أن ما يتراوح بين 600 ألف شخص إلى 800 ألف شخص يتاجر بهم كل عام لكي يعملوا بالسخرة، ويكون القصد في ما يتعلق بغالبيتهم هو استغلالهم في الجنس التجاري· وقرابة 80 في المئة يكونون من النساء والفتيات، وما يصل إلى 50 في المئة يكونون من القصّر· ويعتقد أن حوالي مليونين من الأطفال، معظمهم من البنات، عبيد جنسيون في صناعة الجنس التجاري التي تدر بلايين الدولارات·
استمرار ثقافة الصمت
منذ أمد طويل كان العنف ضد المرأة محاطاً بثقافة الصمت، وما زال· وحسب تقرير الصندوق، فمن الصعب الحصول على إحصاءات موثوقة عن العنف ضد النساء، لأن العنف لا يُبلغ عنه، سوى بالحد الأدنى، وذلك بسبب الإحساس بالعار والوصمة والخوف من الانتقام· ومن الشائع بالنسبة للمرأة أن تُلام على اغتصابها وعلى تلطيخها شرف أسرتها·
ومن أسباب استمرار صمت المرأة أن العنف ضد المرأة مقبول في مجتمعات كثيرة باعتباره جانباً 'طبيعياً' من جوانب العلاقات بين الجنسين· وفي بعض البلدان تعتقد نسبة كبيرة من النساء أن ضرب الزوجة قد يكون له ما يبرره لأسباب، من قبيل رفض ممارسة الجنس أو عدم إعداد الطعام في الوقت المناسب· إن 94 في المئة من النساء في مصر و91 في المئة في زامبيا و70 في المئة في الهند و48 في المئة في هايتي يعتقدن أن ضرب الزوجة له ما يبرره لسبب واحد على الأقل·
كما بينت دراسات أجريت في البيرو وجنوب إفريقيا، أن البنات والبنين الذين أجريت مقابلات معهم يعتقدون على حد السواء أن ضحية الاعتداء الجنسي هي التي يجب أن يُلقى اللوم عليها، وأنها ربما حتى تكون هي التي تسببت في الاعتداء عليها·
أغلب العنف في المنازل
يقدر تقرير منظمة الصحة العالمية، أن واحدة من كل ست نساء يعانين من العنف المنزلي، وعلى يدي زوجها، مما يؤدي إلى تعرض حياتها للخطر· وخلصت المنظمة في تقريرها الأول عن العنف إلى أن حالات العنف الممارس ضد المرأة من قبل الرجل الذي يقيم معها وتعرفه، أكثر انتشاراً من العنف من قبل رجل غريب·
وتبين الدراسة أن النساء يتعرضن لمخاطر العنف في البيت أكثر من الشارع، وان لذلك العنف آثاراً كبيرة على صحتهن· كما تبين أيضاً الحاجة الماسة إلى تسليط الأضواء على العنف المنزلي في جميع أنحاء العالم ومعالجته كأحد أهم أعراض الصحة العامة·
توصلت الدراسة إلى نتائجها بعد إجراء مقابلات مع أكثر من 24 ألف سيدة في المدن والأرياف في عشرة بلدان· واستمر العمل على هذه الدراسة لسبع سنوات، وصدرت عشية احتفال الأمم المتحدة باليوم العالمي للقضاء على العنف ضد النساء· وأكد التقرير أن النساء اللائي تُساء معاملتهن جسدياً أو جنسياً من المرجح أكثر أن يعانين من مشاكل صحية طويلة الأمد، بما فيها الأعراض النفسية مثل الاكتئاب ومحاولات الانتحار· ولفت التقرير إلى أن غالبية النساء اللواتي يتعرضن للضرب لا يبلغن أحداً عما يعانينه لأسباب عدة، أبرزها الخوف من الفضائح وعدم وجود مأوى يمكنهن اللجوء إليه إذا فررن من المنزل الذي يتعرضن فيه للضرب· كما أن الدراسة بينت أن في كثير من الحالات، توافق نساء على أنه من المبرر أن يضرب الرجل زوجته في ظروف معينة· وتعتبر هذه المسألة عادة من تبعات العنف المنزلي الذي يؤثر في الأطفال الذين يترعرعون في هذه الأجواء، فيشعرون انه من الطبيعي أن يمارسوا أو يتقبلوا العنف في منازلهم عندما يتزوجون·
جرائم تحتاج إلى وقفة
وتقول وزيرة الصحة الإسبانية إلينا سالجادو، الرئيسة الحالية للتجمع الصحي السنوي للمنظمة: 'كل 18 ثانية في مكان ما تعاني امرأة من العنف أو إساءة المعاملة· ينبغي أن نضع حدا لهذه الممارسة المخجلة'· ووفقاً لكلوديا غارسيا مورينو، منسقة دراسة منظمة الصحة العالمية، فإنه من ناحية الأعراض المرضية مثل الألم والدوخة والإجهاض، فإن النتائج عبر 15 تجمعا حضرياً وريفياً 'متقاربة بنحو ملحوظ'· وأضافت: 'سواء كانت المرأة تعيش في مدينة برازيلية أو يابانية أو منطقة ريفية في أثيوبيا أو بيرو، فإن العلاقة بين العنف وضعف الصحة تظل كما هي'· وتابعت: 'اللافت للنظر هو درجة استمرار هذا العنف مستترا، فلم يسبق لنسبة 20 و60 في المائة من النساء اللاتي أجريت المقابلات معهن التحدث مع أي شخص عن تجربتهن مع العنف من جانب شركائهن'· وشددت على أن هذا الشعور بالعجز هو 'تعذيب في حد ذاته'·
لا شك بأن الجرائم التي يشير إليها التقريران تحتاج إلى وقفة جدية للتعامل معها، فلا يكفي أن تصدر الأمم المتحدة تقريرين على أهميتهما، ولا يكفي أن تكتفي الدول والمؤسسات بإصدار ادانات· وعلى أهمية هذه الادانات، فإن المجتمع الدولي والدول والمؤسسات تستطيع أن تفعل أكثر مما تفعله اليوم لوقف هذه الظاهرة الشاملة، ولذلك يجب التحرك منذ الآن لكسر حاجز الصمت، وتجريم العنف ضد المرأة تجريماً واضحاً·

اقرأ أيضا