الاتحاد

الملحق الثقافي

«الجامع».. الدين ليس مجرد «ديكور»

مشهد من فيلم «الجامع»

مشهد من فيلم «الجامع»

المصري داود عبدالسيد والمغربي داود أولاد السيد اسمان يجمعهما ليس فقط مهنة الإخراج ولا تشابه الأسماء، بل أيضا الأسلوب الفني في إخراج الأفلام واختيار المواضيع الهادفة ذات المضمون الفكري والفني المتميز، فكلاهما يغامر بأفلام مختلفة ويطمح إلى التحرر من قيود السينما واختيار نهايات غير متوقعة والخروج على الأسلوب التقليدي للسينما السائدة نحو سينما نابضة بالحياة تحمل رؤية فنية وأسلوب خاص. وكلاهما استطاع من خلال عدد قليل من الأفلام أن يؤسس لخصوصية ميّزت أفلامه عن كثير من الأفلام السائدة من خلال التدقيق في اختيار أماكن التصوير والديكور والإكسسوارات والحرص على مطابقتها للواقع، والاهتمام ببروز الشخصية وتألقها، فضلا عن اختيار القضية المطروحة في الفيلم بعناية وتعبير عنها بصدق.
إذا كان داود عبد السيد واحد من أعلام السينما المصرية، فإن داود أولاد السيد واحد من أبرز مخرجي السينما المغربية حاليا، الفرق بين الاثنين هو فرق في العمر والتجربة ومستوى السينما في مصر والمغرب من حيث الإمكانات والممثلين والرصيد الفني والاهتمام الجماهيري بالسينما كصناعة وفن. وكلا المخرجين يحتفل حاليا بنجاح فيلمه الأخير، عبدالسيد بـ “رسائل البحر” الذي تألق في عدة مهرجانات واختير لتمثيل مصر في مسابقة الأوسكار، وأولاد السيد بـ “الجامع” الذي حظي بإعجاب النقاد والجمهور حين عرض في مهرجانات سان سيباستيان وقرطاج والقاهرة.
والفيلم من بطولة مصطفى تاه تاه وبشرى أهريش، وعبدالهادي توهراش، ومديحة الضعيف، وعزيز دخوش، وحسن فوطة، وسالم بيلا، ويدور في منطقة “زاكورة” القريبة من مدينة وارزازات، حيث الاستوديوهات السينمائية العالمية وحيث تم تصوير أهم الأفلام الأجنبية مثل “المحارب” و”الإسكندر المقدوني” و”المومياء” و”مملكة السماء” والرسالة.

هدم المسجد حرام
يعرض فيلم “الجامع” بأسلوب ساخر مزج بين الجدية والهزل قصة فلاح بسيط يدعى “موحا” يقرر تأجير أرضه لإحدى الشركات السينمائية لبناء ديكور فيلم على أن يسترجعها بعد انتهاء الفيلم وهدم الديكورات التي تتضمن مسجدا، لكنه يفاجأ بعد انتهاء تصوير الفيلم ورحيل المخرج وطاقم التصوير بأن أهل القرية اعتبروا هذا الديكور مسجدا حقيقيا ومنعوا موحا من هدمه واتهموه بالكفر. وتتصاعد الأحداث ببروز الطامحين إلى الفوز في الانتخابات وتدخلهم من أجل إجهاض كل محاولات موحا صاحب الأرض لهدم “المسجد” وإقناع أهل القرية أن الجامع كان مجرد ديكور ولا بد من هدمه ليسترد أرضه خصوصاً أن قطعة ا?رض تلك مصدر رزقه الوحيد ويعتمد عليها جميع أفراد الأسرة الذين يعملون في مجال الفلاحة وزراعة التمور.
ويعري الفيلم واقع المنطقة التي تدر على المغرب أموالاً ضخمة بسبب إقبال الأجانب على تصوير الأفلام والمسلسلات والبرامج فيها، بينما سكانها يعانون من التهميش والفقر مما يدفعهم للعمل ككومبارس أو تأجير أرضهم لبناء ديكورات سينمائية عليها.
والمفاجأة التي يكشف عنها المخرج داود أولاد السيد أن موضوع الفيلم مستوحى من أحداث حقيقية، حيث يحكي قصة تصوير الفيلم السابق لأولاد السيد “في انتظار بازوليني”، عندما قام فريق العمل ببناء ديكورات، منها ديكور “جامع” على أرض مؤجرة يمتلكها “موحا”، وبعد انتهاء العمل رفض أهل القرية هدم ديكور “الجامع” حيث اصبح المصلون يترددون عليه، وأفتى شيوخ القرية بقدسية هذا الجامع ومنعوا موحا من هدمه.
رحل طاقم الفيلم ووجد موحا نفسه وحيدا في مواجهة أهل القرية وإمام الجامع الوهمي الذي حرض الناس على موحا وأقنعهم بأن هذا جامعا حقيقيا، فواجه موحا حصارا اجتماعيا داخل قريته فكان كلما ذهب إلى أحد ذكره بالثواب الذي ساقه الله إليه بفضل هذا الجامع، وعن الآخرة حتى وإن كان هذا كل ما يملك هو وأبناؤه في الدنيا، فالكل نسي أنه لم يكن مسجدا وإنما ديكور سينمائي.

نفاق باسم الدين
فرضت هذه القصة الواقعية نفسها على المخرج داود أولاد السيد لاسيما أنه السبب في إبقاء ديكور الجامع إلى أن ينتهي من مونتاج فيلم “في انتظار بازوليني”، فوجد فيها ضالته لكشف استغلال البسطاء في الأغراض الشخصية وفضح بعض ممارسات النفاق الاجتماعي واستغلال النفوذ الديني لتمرير خطب ظلامية وتأويل مفاهيم دينية لخدمة المصلحة الشخصية.
وعبر المخرج من خلال هذه القصة البسيطة عن سخطه على تحويل الدين لمجرد ديكور وتحول المظاهر إلى رمز للدين. ولأنه يدرك أكثر من غيره المناخ الذي ولدت فيه قصة الفيلم فقد حاول المخرج داود أولاد السيد من خلال شخصية الشيخ “سلام” إقناع الناس بضرورة هدم المسجد وقاد جرافة بصحبة موحا ووقف في وجه رئيس الحي والإمام المزيف ليخبرهم بأن الصلاة في هذا المكان باطلة لأن المسجد لا تنطبق عليه الشروط الشرعية للمساجد، لأنه لم يكن جامعا من الأساس وإنما بني لغرض استغلاله في السينما وانتهى هذا الغرض، وبالتالي عليهم رد الحقوق لأصحابها، كما أن الصلاة في هذا الجامع باطلة لعدم توجيه الصومعة نحو القبلة، لكن رئيس الحي يس وتنتهي محاولات “موحا” لاسترجاع أرضه بالقوة بتدخل السلطات، حيث يتم ترحيله من قريته تاركاً زوجته وأبناءه لمصير مجهول، ومعها ينتهي الفيلم دون أن يعرف الجمهور شيئا مؤكدا عن مصيره لأن السيارة التي نقلت موحا إلى محنته الجديدة خارج القرية تقاطعت في الطريق مع الجرافة المتجهة إلى القرية، وقد ترسم هذه النهاية الغامضة ملامح فيلم قادم لداود أولاد السيد.

قصة حقيقية
قال داود أولاد السيد كاتب ومخرج فيلم “الجامع” الذي من المتوقع عرضه في القاعات السينمائية بالمغرب في فبراير المقبل، “هذا الفيلم لم يكن ثمرة تخطيط مسبق فقد فرضت الحكاية الواقعية نفسها واكتفيت بتفريغ حوارات سجلها مع تعديلات بسيطة، وأكد إنه استوحى أحداث الفيلم من قصة حقيقية مشيراً إلى أن “الجامع” محل الجدل في الفيلم يعد ديكوراً حقيقياً لفيلمه السابق “في انتظار بازوليني” غير أنه لم يتم هدمه بعد الانتهاء من التصوير، مما أدى إلى اعتقاد سكان القرية أن الأمر يتعلق بجامع حقيقي أضحى بالنسبة لهم مكاناً للعبادة والصلاة مما أدى إلى مشكلة كبيرة جداً في حياة “موحا” صاحب الأرض.
وأضاف المخرج: “هي قصة حقيقية وحدثت بالفعل عندما قمنا ببناء ديكور لمسجد على قطعة أرض أثناء تصوير الفيلم السابق في انتظار بازوليني... فوجدت صاحب الأرض يتصل بي ويخبرني أن أهل القرية يريدون المفتاح ليدخلوا إلى المسجد لأداء الصلاة، ولأنه رجل متدين وافق على ذلك وحين أراد أن يستعيد قطعة الأرض لم يتمكن من ذلك”.
فاز فيلم “الجامع” بجائزة “سينما في حركة” في مهرجان سان سيباستيان السينمائي الدولي بإسبانيا والجائزة الذهبية “بايار دور” لأفضل سيناريو في المسابقة الرسمية للمهرجان الدولي للفيلم الفرنكفوني بنامور ببلجيكا، وبجائزة “التانيت البرونزي”، وجائزة الإنتاج في الدورة الــ 23 لمهرجان أيام قرطاج السينمائية، كما حصل على شهادة تقدير من لجنة تحكيم المسابقة العربية ضمن مهرجان القاهرة السينمائي الدولي. وخلف الفيلم أصداء إيجابية لدى النقاد والصحافة، وأبدى المخرج المصري محمد خان إعجابه بالفيلم فيما قال عنه الناقد فوزي سليمان، إنه يعري الواقع العربي الذي يملؤه الزيف والانتهازية واستغلال الدين لتحقيق مصالح شخصية.

اقرأ أيضا