الاتحاد

الملحق الثقافي

التصوف.. ليس علاجاً لأزمة الإنسان المعاصر

«رقصة الدراويش» للفنان المصري محمود سعيد

«رقصة الدراويش» للفنان المصري محمود سعيد

يمكننا أن نعالج إشكالية العلاقة بين التصوف وأزمة الإنسان المعاصر بنهجين مختلفين تمام الاختلاف: النهج التاريخي الذي يعنى بتوظيف التصوف السياسي قبولاً أو رفضاً؛ كلاهما يكتفي بأحد وجوه ما يترتب على التصوف دون أن يغوص إلى أعماق حقيقته وطبيعة دوره في الوجود الإنساني الفردي والجمعي. والنهج البنيوي الذي يدرس التصوف لذاته، أولاً معتبراً توظيفه السياسي أحد المترتبات على صدام المناظر القيمية في المجالات النظرية والعملية والجمالية والجهوية والوجودية ومن ثم من حيث حقيقته التي لا ينبغي أن تقتصر على توظيفاته خلال حقب التاريخ خاصة المنحط منها.

البحث في التصوف من المنظور العقلي والنقلي يبقى مسألة أساسية في الفكر الإسلامي خاصة وفي الفكر الإنساني عامة قديمه وحديثه، ومن المعلوم أن علاقة التصوف بالدين الإسلامي نجد من يثبتها ونجد من ينفيها قديماً وحديثاً. فنفاة العلاقة بين التصوف والإسلام يحاولون رد التصوف في الإسلام إلى ظاهرة غريبة عنه ويرجعونها إما إلى تأثير الهندوسية (ماكس هرتون) أو إلى تأثير المسيحية فيه مباشرة أو حتى في المرجعية الإسلامية ذاتها (ماسينيون). ومثبتوها يحاولون التأسيس بالاعتماد على بعض آيات القرآن والسنن المتعلقة بالحب وبالمقابلة بين الظاهر من الوجود والباطن.
لكن المعركة القيمية التي كان الأبرز من وجوهها الصدام التاريخي بين التصوف والفقه من حيث الموقف العملي وبين التصوف والكلام من حيث الموقف النظري لازمت تاريخ الفكر الإسلامي ملازمتها لتاريخ كل فكر غربياً كان أو شرقياً.
إن كل سوء تفاهم حول التصوف ودوره ينتج عن عموم لفظ التصوف؛ لأنه يستعمل أحياناً للدلالة على المجاهدة الروحية المقصورة على التقوى والاستقامة في مراعاة حدود الله، كما وردت في الشريعة ويستعمل أحياناً للدلالة على السعي للكشف و”التنبي”، بل وتجاوزه إلى الولاية بالمعنى الذي يجعلها اللبنة الذهبية المتفوقة على اللبنة الفضية.
وتحيط بالتصوف أصناف من سوء التفاهم التي قرأته قراءة وحيدة المنظور مقتصرة على أحد جوانب توظيفه، أحدها الذي نكتفي بذكره سريعاً لإزاحته والولوج إلى إشكالية التصوف المستندة إلى حقيقته بصرف النظر عن توظيفه السياسي الممكن. فأول سوء تفاهم نجده عند حركات التحرير التي اكتفت بدوره في التعاون مع العدو بسبب فهم خاطئ للقضاء والقدر، لكنها تناست أن جل حركات التحرير كانت نابعة من حركات صوفية، فضلاً عن دوره في نشر الإسلام وفي الحفاظ على هوية الجماعة. وثانيها سوء تفاهم نجده عند المخططين لاستراتيجيات استعمار الأرض الإسلامية بمحاولات يتصورون التصوف فيها ذا دور إلهائي يبعد المسلمين عن واجبهم الجهادي، لكنهم تناسوا أن أهم حركات التصوف السني كان منطلقها الرباط وحماية الثغور.

عناصر الإشكالية
إن عبارة “التصوف والإنسان المعاصر” = شبه مبتدأ خال من الخبر يضمر علاقة بين علاقتين: واحدة ذات حدين صريحين (الأزمة + الإنسان المعاصر) والثانية بقي أحد حديها مضمراً (التصوف + “س” قد يكون هو بدوره الإنسان المعاصر، إذ لا شيء يفرض أن يكون التصوف بمعزل عن مفعول التاريخ)، وعلينا إذن أن نحلل مفهوم الإنسان المعاصر ومفهوم الأزمة المنسوبة إليه ومفهوم التصوف وطبيعة العلاقة بين هذه المفهومات الثلاثة لكي نجيب عن السؤال المضمر: ما الذي يمكن أن ينتظره الإنسان المعاصر من التصوف في تعامله مع أزمته؟
وهذا يستدعي الإجابة عن الأسئلة التالية: ما مفهوم المعاصرة المنسوبة إلى الإنسان؟ ما مفهوم الأزمة المنسوبة إلى الإنسان المعاصر؟ ما مفهوم التصوف في علاقته بأزمة الإنسان المعاصر؟ لم تضمر هذه الجملة أن التصوف يمكن أن يقدم حلاً لأزمة الإنسان المعاصر؟ وأخيراً هل يمكن البحث في هذه الإشكالية إن صح وجودها مع الذهول عن توظيفها أداة لتحييد التزام المسلم بحماية البيضة ظناً أن التصوف يمكن أن يعني الخلط بين التدين الصادق وخمول الفاعلية التاريخية بخلاف ما تقتضيه حقيقته وحتى وقائعه التاريخية، وبين أنه لا بد من تحديد الخيار المنهجي الذي نميل إليه في هذه المحاولة وتعليله.

المعاصرة والأزمة
الإنسان المعاصر ما هو؟ وما أزمته؟ “الإنسان المعاصر”، هذه العبارة لها من الضمائر ما لا يحصى، فهي قد تفهم بمعنى يضمر التسليم بأن الإنسان واحد وجميع البشر متعاصرون خبراً لا إنشاء، ويترتب على هذا الضمير أن المعاصرة مفهوم يتحد فيه الزمان التاريخي اتحاد الزمان الفلكي، وبدهي أن كل أجيال البشرية المتساوقة في الوجود متعاصرة فلكياً بصرف النظر عن تنوعها الثقافي.. لكن هل يعني ذلك أن التاريخ الإنساني ذو زمانية مماثلة لزمانية الفلك؟ أليس مثل هذا القول غير صحيح تاريخياً حتى في الثقافة نفسها؟.
وقد تفهم هذه العبارة بمعنى معاصرة كل إنسان لذاته خبراً، وهذا المعنى مقبول عقلاً؛ لأن مفاده المترتب عليه هو أن الزمانيات التاريخية متعددة ومتنوعة ومن ثم فعدم المفاضلة بينها من لوازم هذا التصور، بحيث إن كل ثقافة تكون معاصرة للمرحلة الأخيرة من نموها الذاتي لها دون إضافة إلى غيرها.
وقد تفهم على نحو يجعل هذا المعنى الثاني عائداً إلى المعنى الأول إذا نفينا التعدد والتنوع فقلنا بفلسفة خطية للتاريخ تحصر الاختلاف في التوالي وتنفيه في التساوق؛ لأنها تجعل الثقافات حلقات متوالية على السلسلة نفسها، وهو ما يؤسس للتفاضل بينها فيصبح مفهوم المعاصرة مفهوماً معيارياً تقاس به الحضارات، بالإضافة إلى حضارة ممثلة له.
ونكوص المعنى الثاني إلى المعنى الأول المفهوم خبراً كاذباً (عن وحدة الإنسانية الثقافية) يولد إنشاء مرضياً (فرض إحدى الثقافات على الجميع باعتباره ممثلة لما هو إنساني دون سواها) هو الغالب على المعاصرة في الجدل الدائر بين دعاة الحداثة الوحدانية، فالمفاد من خطابهم هو أنه توجد معاصرة معيارية تقتضي أن تعاصر كل الحضارات واحدة منها معاصرة لذاتها؛ فيكون المعنى المضمر هو أن كل الحضارات عليها أن تسعى حثيثاً لتكون معاصرة لهذه المعاصرة، ومن ثم أن تتخلص من معاصرتها لذاتها حتى تكون معاصرة لمن يمثل الإنسان الكامل (بالمعنى الصوفي إن صح التعبير).
وأخيراً: فإن مفهوم المعاصرة بهذا المعنى هو جوهر الأزمة الجامع بين دلالاتها المتعددة، فقد تكون الأزمة أزمة كونية تشمل الإنسان من حيث هو إنسان ومنها يصبح التحديد بالمعاصرة عديم المعنى؛ لأنها تكون أزمة مقومة للوجود الإنساني من حيث هو وجود إنساني بمعزل عن ظرفيات التاريخ وتقلباته. إن مجرد الكلام عن وحدة الإنسانية خبراً لا إنشاء يعني أننا ألغينا التاريخ والثقافة وقلنا بطبيعة إنسانية واحدة متحققة بالفعل وليست أمراً موجوداً بالقوة نسعى إليه، تحققت فتعينت في من تعينت فيه المعاصرة وعلى الآخرين معاصرتها؛ أعني تبنيها بل إن هذا الذي تعينت فيه الإنسانية عليه أن يفرضها بحد السلاح إن لزم الأمر.
وبذلك تصبح الأزمة المقصودة أزمة إنسان معيار بالقياس إليه يحدد كيف الوجود عند الآخرين؛ لأن أزمته هي عين الأزمة الإنسانية: الأزمة هي أزمة من على الحضارات الأخرى أن تعاصر معاصرته حتى تعيش أزمته، بل إن اختلاف الآخرين مع هذا المثل تعد أحد عناصر الأزمة؛ ومن ثم فمحو الاختلاف يصبح الحل المقترح، والمطلوب من التصوف أن يقوم بدور اللامبالاة بالاختلاف حتى يسهم في حل الأزمة التي من بين عناصرها عدم القدرة على التعايش مع الاختلاف.
لكن الأزمة أزمات؛ لأن الوحدة الإنسانية الخلقية مثال أعلى ننشده وليست حقيقة فعلية نجدها، فشتان بين الوحدة الخلقية والوحدة العضوية، الوحدة الخلقية وحدات وهي بعدة مراحل النضوج الحضاري المختلفة التي وإن تعاصرت فكلياً، فهي غير متعاصرة تاريخياً وثقافياً حتى لو قبلنا بالتاريخ الحضاري الخطي، والقول بالتعدد من حيث هو أمر واقع لا ينفي الإيمان بالوحدة من حيث هي مثال أعلى.
لذلك فالمطلوب تحديد مرحلة النضوج التي بلغت إليها الحضارة التي نسعى إلى تشخيص أزمتها، فيكون المقدم في بحثنا هو التعدد والتنوع في التأزم الإنساني، ولا يمكن في تلك الحالة أن يكون العلاج علاجاً واحداً صالحاً للجميع: التصوف من حيث هو ممثل للامبالاة المذهبية مثلاً يمكن أن يكون حلاً لصاحب الأزمة التي تتأتى من رفض الفروق الحضارية لفرض نموذجه يكون مشكلاً لا حلاً بالنسبة إلى من يريد الدفاع عن الاختلاف خوفاً من الذوبان في النموذج الوحداني المفروض بالقوة، فضلاً عما يترتب عليه من استعمار مباشر ونهب للثروات واستعباد للبشر.
وفي الحقيقة، فإن الأزمة هي حال التصاحب الجامع بين هذه المعاني الثلاث؛ بحيث إن أزمة الإنسان المعاصر هي في الحقيقة الصراع بين ما ينتج عن الإيقاعات التاريخية المختلفة من أزمات مختلفة، وبين العلاجات المقترحة لهذه الأزمات: فدواء أزمة زيد يمكن أن يكون داء أزمة عمرو، ذلك أنه لما كان لا يمكن الكلام على أزمة واحدة للإنسان المعاصر لملاحظة تعددها وتنوعها البينيين، بحسب إيقاع الزمانيات التاريخية المتباينة، فإن البحث ينبغي أن يتعلق بالخلط بين الأزمة التي تنبع من الثابت المشترك المفترض بين كل مراحل التاريخ الإنساني، أعني ما يجعله يوصف بكونه تاريخاً إنسانياً وبين أزمة الإنسان الذي أنزل نفسه منزلة المعيار الذي على الحضارات الأخرى أن تعاصر معاصرته لذاته.

بنية الصراع القيمي
لما كان مفهوم التصوف متعدد الدلالات ومشتركها فإنه غير متواطئ، ومن ثم فعلينا أن نميز في كلامنا عن علاقته بأزمة الإنسان بين المعنيين الأساسيين اللذين يمكن أن يكونا مقصودين في المطلوب من البحث في ما يمكن أن يقدمه التصوف إلى الإنسان المعاصر علاجاً لأزمته، وفي كتاب “شفاء السائل لتهذيب المسائل” يميز ابن خلدون بين هذين المعنيين، معتمداً على نظرية المجاهدة التي ميز فيها بين ثلاث مراحل يمكن تكون معاً، ويمكن أن تنقلب إلى ضدياتها بمجرد أن تصبح ثالثتهما مطلوبة من قبل المتصوف بدلاً من أن تبقى مجرد ابتلاء وامتحان يحصلان له رغماً عنه: مجاهدة التقوى: العبادة العادية. مجاهدة الاستقامة: العبادة العادية + مع المراقبة الدائمة للذات لتجنب النفاق الأصغر. مجاهدة الكشف: كشف غير إرادي لصاحب الاستقامة واعتبار ذلك بلوى.
كيف تنقلب هذه المجاهدات إلى ضدياتها؟
فمجاهدة الكشف اللاإرادي تتحول إلى تمحض لطلب الكشف بالرياضة، ويبدأ التوهم والشطح، سعياً إلى مجاهدة الولاية التي تظهر التبعية للشريعة تبطن تعطيلها. وعندئذ تنقلب مجاهدة الاستقامة من مراقبة باطن الذات إلى دعوى الباطنية، أي تأويل العبادات، بحسب هوى المتعبد الذي يتحول إلى شارع. وتنقلب مجاهدة التقوى من التقيد بالشرائع إلى التقيد برسومها، ومن ثم إلى مجاراة للعامة من أجل السلطان على أرواحها بدعوى التوسط بينها وبين الله ومن ثم تأسيس دولة الوسطاء والأولياء المتحالفين مع مستبدي كل عصر.
والسؤال هو ما العلة في حصول هذا الانقلاب؟
لا بد من صراع القيم بين الفنون الخمسة التي تتنازع السلطان على نظر الإنسان وعمله: الفن الموظف والفنون الموظفة، وهي الفنون القابلة للتوظيف العملي خاصة: الفقه والتصوف، والفنون القابلة للتوظيف النظري خاصة: الكلام والفلسفة. والتوظيف العملي مصدره حاجة السياسة إلى السلطان الروحي أو الرمزي لعدم كفاية السلطان المادي للسيطرة على الإنسان. والتوظيف النظري مصدره حاجة العلم إلى ما بعد مضاعف يحدد أفقاً لمنظوره النسقي من كلا طرفيه: الانثروبولوجيا الدينية والانطولوجيا الفلسفية.

منظور العلاج ونوعه
يقتضي المشكل الموضوع أن نقابل بين نوعين من العلاج: علاج يقبل بالخلط بين تصورين للإنسان وأزمته: الخلط بين الوحدة الخلقية للإنسانية المنشودة حقاً والوحدة الخلقية المزعومة الموجودة وهماً. وعلاج يسعى قدر الإمكان إلى التحرر من هذا الخلط: “يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوباً وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم إن الله عليم خبير” (الحجرات 13). “يا أيها الناس اتقوا ربكم الذي خلقكم من نفس واحدة وخلق منها زوجها وبث منهما رجالاً كثيراً ونساء واتقوا الله الذي تساءلون به والأرحام إن الله كان عليكم رقيبا” (النساء 1).
فهذا التمييز بين المنشود والموجود علته أن القرآن الكريم يعتبر التعدد شرط التنافس في الخيرات، كما بينت الآية 48 من المائدة: “وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقاً لما بين يديه ومهيمناً عليه فاحكم بينهم بما أنزل الله ولا تتبع أهواءهم عما جاءك من الحق لكل جعلنا منكم شرعة منهاجاً ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات إلى الله مرجعكم جميعاً فينبئكم بما كنتم فيه تختلفون”.
فضلنا إذن، ألا نجاري المطلوب من موضة الكلام في التصوف فنعتبره علاجاً ممكناً لأزمة الإنسان المعاصر، بمعنى الإنسان المعيار الذي على الآخرين أن يعاصروا معاصرته ونقتصر على ظاهر من الإشكالية: لن نكتفي بعرض التعريفات والتاريخ والبحث عن المساعدة الممكنة التي يقدمها لعلاج أزمة الإنسان المعاصر بهذا المعنى انطلاقاً من الظن أن التصوف يمثل التسامح الديني ويؤسس للأخوة البشرية: لا نقبل بأن يصبح واضع استراتيجية هذا الإنسان المعيار هو الذي يفتي في علاجات الأزمات الروحية للأمم الأخرى، كأن يعتبر التدين الصوفي الإندونيسي النموذج الذي ينبغي فرضه على المسلمين جميعاً.
فضلنا أن نبحث عن حقيقة دور التصوف في تاريخ فعل التقويم الإنساني بأصنافه جميعاً نظرياً كان أو علمياً أو جمالياً أو جهوياً مؤسساً لها جميعاً أو وجودياً هو منبع النموذج القيمي في الفطرة البشرية، وهذا يقتضي أن نغوص إلى باطن الإشكالية: من خلال فهم المنطق الجامع بين ما يظهر عليه التصوف من تعالٍ عن الفروق الدينية يؤسس للتسامح وما يبطنه في الحقيقة من تأسيس أصل كل الأيديولوجيات الحديثة، أعني وحدة الوجود التي تؤول إلى سلطان الإنسان الوهمي على الكون وتأليهه ليصبح الشارع المطلق لضربٍ جديد من الأديان هي الأيديولوجيات الشمولية التي عرفها القرنان الأخيران (التاسع عشر والعشرين)، وأفضل ممثل لها في التاريخ هو الأيديولوجيات التي نبعت من المثالية الألمانية الجامعة بين ضربي الأيديولوجيا الشمولية المثالي (ممثلاً بفلسفة هيجل خاصة) والمادية (ممثلاً بفلسفة ماركس خاصة) في آنٍ باعتبارهما وجهي العملة التأليهية نفسها للإنسان؟.
والجامع بين هذين المعنيين هو التوظيف السياسي للتصوف: فهو يحتاج إلى وجهي العملة، ذلك أن التوظيف السياسي سواء في الدولة نفسها أو بين الدول يحتاج إلى المقابلة الكامنة في العلاقة بين وجهي التصوف؛ النخبوي للإنسان السيد والعامي للإنسان العبد في دولة ذات رئاستين يمكن الرمز إليها بدولة فرعون وهامان، وهي قد تجسدت في نظام الطرق الصوفية المتحالفة مع الأنظمة السلطانية قديماً، والأحزاب الشمولية المتحالفة مع الأنظمة الاستبدادية حديثاً أو للبلاد المستعمرة التي يراد لها أن تسودها منظومات الدروشة والرقص الروحي والبلاد المستعمرة التي تقول وتسيطر بسلطان الإنسان السيد.
والمعلوم أن التصوف قد وظف في تاريخنا الحديث مرتين، وكان التوظيف في الحالتين دالاً على قوة فاعلية سلطانه، لكنه مفيد لفساد غايته، فالتوظيف في الحالتين لم يظلم التصوف عندما يتحول إلى تحريف قصدي لمجاهدتي التقوى والاستقامة بدعوى الكشف والوساطة بين الوجود الدنيوي والوجود الأخروي، إذ هو حينئذ لا يختلف عن توظيفاته السياسية:
* التوظيف الأول تمثل في استعمال الاستعمار القديم لمنظومات الزوايا والاستناد إلى سلطة رؤساء الزوايا لتسهيل التحكم في الشعوب: لكن ذلك لا ينفي أن التصوف السوي كان على رأس مقاومة الاستعمار.
* التوظيف الثاني، يتمثل في استعمال الاستعمار الجديد لمسحنة (من مسيحية) كل الأديان أو بصورة أدق لبوذنتها (من بوذية) من أجل ترك الشأن العام والاكتفاء بالتعبد اللامبالي بمجريات التاريخ تسليماً بالثنائية الفصامية بين الدنيوي والأخروي.

التصوف: دواء أم علة؟
هل التصوف دواء للأزمة أم هو علتها؟
أميل إلى الفهم الثاني، وفرضيتي هي أن اللجوء إلى التصوف علاجاً لأزمة الإنسان المعاصر هو في الحقيقة عملية تقبل العنونة بـ “داوني بالتالي هي الداء”، لأن التصوف بمقتضى ما يفرضه من علاقة جدلية بين الدنيوي والأخروي وبين الظاهر والباطن هو في الحقيقة أصل الأزمة وعلتها وليس علاجاً لها؛ فالحداثة ليست إلا انتصار النزعة الصوفية الأفلاطونية مع قلب العلاقة بالتصوف الأخروي والاستعاضة عنه بالتصوف الدنيوي، والتغلب على النزعة الوضعية الأرسطية بمعنى تأليه الإنسان والسلطان على الكون من خلال الانتقال من العلم والتأويل إلى العمل والتحويل، وهذه النزعة قد بدأت مع ديكارت الذي كان منتسباً إلى حركة صوفية باطنية، ثم اكتملت مع المثالية الألمانية.
هل الاستسلام للقضاء والقدر الأخروي يمكن أن يعالج الاستسلام للقضاء والقدر الدنيوي؟ وهل الثاني ليس إلا الأول مقلوباً، ومن ثم فهو ثمرته المرة؟ بحيث إن المشكل هو الفصل بين الوجهين في حياة الإنسان رفضاً للاستخلاف والاستعمار بمعناهما الإيجابي وتعويضهما بمعناهما السلبي أي الاستبداد والاستعمار بالمعنى المتعارف (إفساد الأرض).
المزعم المعرفي الصوفي أكبر نماذجه ماثل في المثالية الألمانية بوجهيها الروحاني والمادي، ويجمع بينهما القول بوحدة الوجود المتعينة في الإنسان وما ولدته من أيديولوجيات هي النقيض المعادل، حيث يصبح الإنسان المزعوم مطلق السيادة لكونه تجسيد الله في التاريخ المهدم المطلق للوجود: مركزية مفهوم الإنسان الذي حلّ في الرب هو جوهر التصوف وجوهر أزمة الإنسان المعاصر.
أزمة الإنسان المعاصر ليست أمراً يعالج بالتصوف لكونها هي الحصيلة الفعلية للتصوف الذي افتكَّ رئاسة الفكرين الفلسفي والديني منذ النهضة الأوروبية خاصة منذ العصر الكلاسيكي: بقلب القيم.
الجواب عن سؤال الدور الممكن الذي قد يؤديه التصوف في علاج أزمة الإنسان المعاصر بعد تعريفها يمكن أن ينطلق من طبيعة القيم التي يبني عليها التصوف نظرته الوجودية وهي: أولاً: القيم المتعلقة بصورة العمران وأصلها جميعها هو تحريف مفهوم القضاء والقدر ورفض الاستخلاف الفاعل في التاريخ بما في ذلك اللامبالاة الشرعية، والتسيب الناتج عن الحرمان في القاعدة والناتج عن النسبوية الشرعية، وتحلل النخبة الصوفية من القيود الشرعية وتطبيقاتها هي السياسة (ظل الله في الأرض)، والتربية (غسل الميت).
وثانياً القيم المتعلقة بمادة العمران: وتتمثل في الاقتصاد بـ (عدم الإنتاج والعيش على الكفاف والصدقات)، وفي الثقافة بـ (عالم الخيال والكرامات).
أما الأصل، فهو المنظور الوجودي المؤسس لكل هذه القيم، أعني طبيعة العلاقة بين الله والإنسان المنظور العائد في الغاية إلى القول بوحدة الوجود والمتجاوز لوحدة الشهود بأبعاد هذا القول بوحدة الوجود:
1 - النظري.
2 - والعملي.
3 - والجمالي.
4 - والتوجيهي (= شرط التكليف).
5 - والوجودي (= التكليف هو استعمار الأرض والاستخلاف فيها) وينتج عنها تحديد دور الإنسان في التاريخ نظرياً وعملياً وجمالياً وتوجيهياً، ووجودياً أو دلالة استعمار الأرض والاستخلاف فيها بمقتضى هذه الأبعاد جميعاً.

أمثولة الاستخلاف: علاجاً
العلاج كما ورد في أمثولة الاستخلاف القرآنية، يمكن تلمسه بتحليل الموقف وتأويل الرمز الديني للإشكالية نفسها، كما وردت في القرآن الكريم: الجمع بين اعتراض الملائكة واعتراض إبليس في تحديد الموقف من الاستخلاف ومن استعمار الأرض. (البقرة 30-38). وفيه يظهر جوهر التصوف من منظور يتطابق فيه العقل والنقل: عقلاً: تنكر لمقومات الوجود الإنساني الطبيعية والنفسية يؤدي إلى التنكر لمقوماته الدينية والروحية. ونقلاً: سوء فهم العبادات هي رمز هذا التنكر. والجمع بين الموقفين هو عين قصة استخلاف آدم عليه السلام. الموقف الملائكي: المحتج على استخلاف آدم بالتمحض للعبادة. والموقف الإبليسي المحتج بأفضلية معدنه. وبالنسبة للإنسان المعاصر: عقلاً: حصر مقومات الوجود الإنساني في مقومات معدنه وإشباع الرغبات المادية. ونقلاً: سوء فهم المعاملات، وهو رمز هذا الحصر. والجمع بين الموقفين هو عين عبادة العجل. وجمع الجمعين وهو ما بدا تمحضا للعبادة لله ليس هو في الحقيقة إلا الموقف الذي يؤول بالطبع إلى التمحض لعبادة البديل منه أعني العجل الذهبي: كلاهما نفي لأهلية آدم للاستخلاف. فالاحتجاج الملائكي والاحتجاج الإبليسي عندما يجتمعان يؤديان إلى نفس الموقف الوجودي وإن بصورة مقلوبة فيبين أن رفضهما هو عين رفض ما يؤدي إلى أزمة الإنسان المعاصر: عندما يدعي المرء التحرر من مقومات الوجود الإنساني السوي ينتهي إلى التحرر المزعوم من هذا التحرر فيحقق عين ما هرب منه. ومن ثم، فالحقيقة هي السعي لتحرير الإنسان من العجل الذهبي الذي هو رمز الموقفين.

* مفكر تونسي والنص من المحاضرة التي ألقاها بدعوة من هيئة أبوظبي للثقافة والتراث

اقرأ أيضا