الملحق الثقافي

الاتحاد

تعرية الملتبس.. كشف المزيّف

مشهد من المسرحية

مشهد من المسرحية

كان أبي جنديا طيلة عشرين سنة، بيد أنه لم يطلق رصاصة على العدو ولم يتلق رصاصة من عدو... الرصاصة الوحيدة التي أطلقها كانت على صدر أختي!. هذا المشهد ليس سوى واحد من المشاهد الكثيرة المؤثرة التي توفرت عليها المونودراما الأردنية “أكلة لحوم البشر”، والتي قدمت مؤخراً في مهرجان “عشيات طقوس” المسرحي. وهي من تأليف ممدوح عدوان وتمثيل محمد الإبراهيمي وموسيقى إدريس عبدالله وإخراج علي الجراح. حملت المسرحية التي توفرت على مشاهد ذات سوية فنية عالية الكثير من الطروحات والأفكار الاجتماعية والفلسفية، لعل التناقض الصارخ الذي أبرزه المشهد الذي أوردناه سابقاً هو أكثرها رمزية ودلالة على الازدواجية والزيف والتناقض الذي يعيشه الإنسان العربي في حياته اليومية وفي شؤونه الكبرى.
لقد كانت تلك العبارة هي الامتحان الصعب الذي وضعه مؤلف المسرحية أمام المشاهدين على اختلاف أطيافهم ومشاربهم السياسية، فاتحاً المجال للجميع لكي يتخيلوا أو يحللوا أو يمتحنوا ثقافتهم ويستبطنوا مطمورات العمل ورمزياته. بالطبع أول ما يذهب الذهن حين يسمع هذه العبارة الى جرائم الشرف، لكنه ليس سوى استنتاج أولى وسيتضح خلال العرض أن الغايات والمقاصد أبعد من ذلك.

أحلم بأن أحلم
على مدى ساعة ونيف صدمنا واستفزنا بطل المسرحية: محمد الإبراهيمي حينما أعلن – متلعثماً بحرف الشين – أن الحقيقة شجاعة، من دون أن يحدد ما هي ولا أين هي؟ لكنه مارسها دون أن يتجاوز الخطوط الحمراء. وعندما كاد أن يقطع ما أطلق عليه “الدائرة” الرمز المعروف في دول عربية عديدة كان يرتعش بصعقة كهربائية ليعود معدداً الأشكال الهندسية الأخرى: المثلث والزاوية والمربع والمستطيل، معبراً عن رفضه وتمرده من خلال تكسير العديد من الجرار الفخارية التي ترمز لحيتان من ذوي السلطة يمتصون دماء البسطاء.
ولكي يمارس وعيه التمردي هذا يلجأ البطل إلى الجنون الذي يجد فيه وسيلة مثلى للبوح والرفض والحديث عن الغائب أو المغيب أو المسكوت عنه.
وقال الإبراهيمي لـ”الاتحاد الثقافي” إن النص الأصلي مزدحم بالأفكار والطروحات والرؤى الفلسفية التي يصعب تجسيدها بكاملها على الخشبة، وقد أخذنا الثيمة الأساسية الخاصة برفض تسلط الأقوياء على الضعفاء، ومص بعضنا دم بعض. ولو قدمنا النص كما كتبه ممدوح عدوان لما بقي الجمهور في المسرح سبع دقائق.
لهذا انتصرنا للعرض أكثر من انتصارنا للنص الأصلي لنقول تلميحاً انه لا شجعان في هذه المرحلة. والعرض - والحديث للإبراهيمي - مفتاح لفلسفة المؤلف القائمة على فكرة جوهرية مفادها: “لا لسلطة القوي، والمجد لأحلام الضعفاء”... وهذا ما يعبر عنه البطل بقوله: “أريد فقط أن أحلم... انزعوا من أجفاني رعب الكوابيس فحياتنا كلها كوابيس. حلمي أن أقدر أن أحلم. عشر سنوات وأنا احمل مقبرة أحلام”.
المحمولات المجتمعية
وحول المحمولات الاجتماعية التي يوحي بها العرض لا سيما جرائم الشرف، قال إنه يعارض هذه الجرائم لكن النص له دلالات أخرى، ولذلك “وظفنا ثيمة الجندي الذي حمل سلاحه عشرين سنة ولم يطلق رصاصة على عدوه الذي سلب الأرض والعرض لنوحي بأنه لا مكان للسلاح “راح زمن السلاح” و”لا سلام إلا للمحارب.. السلام ليس للضعفاء”.
ويلمح العرض، وفق الإبراهيمي، إلى أنه “لو توفرت الإرادة منذ اللحظة الأولى التي حمل فيها أبي السلاح لكان من الممكن أن نسترد بالرصاصة أشياء أثمن من الشرف. فتسلسل المشاهد يبحر في تيار معاكس للكل ليصطدم بالعالم الخارجي لكنه يبقى رافضا الاستسلام للحالة او فلسفة “حط رأسك بين الرؤوس وقول يا قطّاع الروس”.

إسقاط سياسي
ومن وجهة نظر الناقد والأكاديمي بالجامعة الأردنية الدكتور مؤيد حمزة فإن المسرحية “قامت على أداء الممثل وقيام المخرج بتجييش عناصر العرض لتوفير الجو المناسب؛ فالعرض مختلف تماما عن النص الأصلي حيث تحول الصراع بين البطل والمجتمع والمستقويين بالسلطة ليصبح اكثر إقناعاً”.
وقال: “هناك بالطبع إسقاط سياسي ونقد لاذع لعادات اجتماعية بالية كالأب الذي ثار انتقاما لشرفه الذي ادعى أن ابنته لوثته فأطلق الرصاص عليها لكنه لم يطلق رصاصة واحدة انتقاما من العدو المغتصب”.
بدوره يرى الناقد العراقي مؤيد داود البصام أن المسرحية “قدمت صورة صادمة لكشف حقيقة الواقع الذي يعيشه المواطن العربي، ووضعت المتلقي في عمق مأساته أو الواقع المفروض عليه، والذي تلتبس فيه شؤونه الحياتية الى الحد الذي يجعل من القمع أسلوب حياة”.
وقال: “قدم محمد الإبراهيمي عرضاً رائعاً في تقمصه للأدوار، خاصة دور الرجل المجنون الذي يتخذ من الجنون وسيلة لتحقيق ذاته وعدم الاستسلام للضغوط”.

اقرأ أيضا