الاتحاد

الملحق الثقافي

ملامح من الخطاب الشعري الإماراتي

يعاني المشهد الأدبي عموما، والشعري خصوصا، في الإمارات، من شبه غياب للدراسات الجادة التي تتابعه وتقرأ ملامحه الأساسية، فقليلة جدا مثل هذه الدراسات، ومن بين هذه القلة يبرز كتاب الناقد الدكتور صالح هويدي الذي صدر الجزء الأول منه ضمن إصدارات “دبي الثقافية” وحمل عنوان “الخطاب الشعري الحديث في الإمارات: قراءات تطبيقية”. ويتضمن الكتاب قراءات في عشر من تجارب الشعراء الإماراتيين هم: سعد جمعة، خالد البدور، أحمد منصور، إبراهيم الملا، خالد الراشد، خلود المعلا، محمد المزروعي، عائشة البوسميط، هاشم المعلم، وعادل خزام.
هذه بعض الأسماء والتجارب، لكن هويدي يتحدث عن تجارب لا بد من تناولها مثلك عبد العزيز جاسم، حبيب الصايغ، صالحة غابش، نجوم الغانم، إبراهيم محمد إبراهيم، أحمد راشد ثاني، ظبية خميس، الهنوف محمد، ميسون صقر، منى مطر، ثاني السويدي، سالم الزمر، عارف الخاجة، أحمد العسم وغيرهم. منذ البداية، يبدو للمؤلف، في مقدمة الكتاب، أن الخطاب الشعري الإماراتي يعكس “صورة مشرقة لما وصل إليه الوعي الشعري لدى ممثلي هذا الخطاب، ولما كشفت عنه تجاربهم المختلفة من رؤى وتقنيات ومغامرات تجريبية، إلى جانب ما أظهرته من حجم المشاركة غير المتوقع للشاعرات الإماراتيات، وما حقق بعضهن من إنجاز نوعي متميز، خلافا لما يمكن أن تنبئ عنه البداية المتأخرة نسبيا لاتجاهاته الحديثة إذا ما قورنت بمسيرة الحداثة الشعرية في الوطن العربي”.
سنفتح قوسين وندخل الكتاب لنستجمع منه، أبرز ملامح هذا الخطاب الشعري المتعدد أصواتا ومناخات، وباختصار ربما يكون مخلا وغير قادر على الأمام بالمشهد بسبب اتساعه، ولنأخذ من المؤلف أهم العناوين التي تشكل (الخطاب)، فهو يطل إطلالة واسعة ومعمقة على المشهد الشعري، ويقوم بقراءته قراءة تطبيقة للنصوص، قارئا ومتأملا ومحللا، ضمن منطق “الإنصات إلى نبض النصوص، لمقاربتها على وفق حاجة كل نص شعري وحمولته الشعرية وطرائق تشكله وآليات بنائه”، ولا يستغرق في التنظير. من الملامح البارزة لهذا الخطاب، علاقة الشاعر بالزمن والمكان، فهو بين الحاضر والماضي والمستقبل يعيش حالات من التناقض والتضاد: بين الصحراء والخرائب والمقابر من جهة، والمدن الضائعة العتيقة المقفرة المتداعية المليئة بالخفافيش من جهة أخرى، وثمة زمن الحلم ومكانه المأمول أيضا، حيث يريد شخوص الشاعر الاحتماء من الخراب، ما يتسبب بحالة من الضياع والاغتراب. لكن غالبية الشعر هنا تلح على الأمل وإمكانية تغيير العالم.
ولأن الشاعر يتجه في قصيدته زمنيا بين الماضي والحاضر في حركة دائبة، بل متوترة غالبا، فإن ذلك سيرتبط بالمكان ومعالمه، المكان القديم والحديث، لرصد مدى التحول الذي حدث في هذه البلاد، وأصاب الكثيرين بالصدمة التي قيل إنها حضارية، لكنها نتيجة نقلة واسعة على مستويات عدة، لذا يبرز جدل الوحشة والإلفة، بوصفه أحد ملامح الشعر في قصائد بعض الشعراء، وتتمثل هذه السمة في علاقات غير منطقية تتحكم بصورة المكان، حيث رؤية المكان تنطلق من النفس وليس من معطيات ذهنية باردة. يرتبط هذا طبعا بالمكان وطبيعته، فالمدينة تخلق الشعور بالوحشة والوحدة، فتستحق الهجاء، بينما الريف والبحر يخلقان الإحساس بالدفء والحميمية، ويستحقان المديح، وذلك لدى معظم الشعراء.
كما أن للبيت حضورا لدى معظم الشعراء تقريبا، لكن صورة هذا البيت ودلالاته تختلف بالطبع من شاعر إلى آخر، فالبيت لدى البعض مكان يستقر في الطبقات الشعورية لشخوص القصيدة، لأنه يبدو لخطوات الشخوص مبتداها ومنتهاها في الوقت نفسه. ويحضر البيت ليعكس بعدا سيكولوجيا في تجربة الشاعر.

السفر ومفرداته
ملمح آخر نعثر عليه في تجارب عدد من الشعراء، ويتعلق بمفردات السفر وما يرتبط به، المراكب والسفن والقطارات والحقائب، هذا السفر وهذه المفردات تحمل دلالات عدة، بل دلالات متباعدة، ما بين الرغبة في الهروب من الواقع والحاجة إلى تغيير المكان، وبين حلم التحليق في عوالم جديدة قد تمنح الروح المتعبة شيئا من الاسترخاء وتنفس هواء جديد، أو حتى التعرف على المدهش والمختلف في المدن من بشر وشجر وحجر، وغير ذلك من الدلالات طبعا.
وإذا كان العبث حاضرا في هذا الخطاب، بما يمثله فعل الانتظار بلا جدوى (انتظار غودو)، فهو أيضا يحضر في صورة رفض الاغتراب في الواقع، فيفقد الشاعر الأمل في الخروج من مأزق الواقع ومأزق الوجود كله، ويغدو من العبث بحيث لا ينتظر شيئا، وقد يكون الهروب إلى الفانتازيا نوعا من الرد، أو تكون العزلة هي الرد، أو يكون الرد في الاستسلام المأسوي.
تحضر صورة المرأة في هذا الخطاب بصور عدة، والمرأة هنا ليست واحدة، بل هي نساء في امرأة، لكن ثمة حضورا للبعد الطقسي، والطبيعة الحية، وطيف المرأة الحلمية، في الوقت الذي تحضر بقوة المرأة الأرضية بجسدها وتبرجها. وهذا يعكس تعدد العلاقات بتعدد البيئات التي يتعامل معها الشاعر. فمرة يتحدث عن الحب والحنين ولغة الروح، ثم نجده تواقا للغة الجسد وبوحه واشتعالاته. والأمر لا يقتصر على الشعراء الذكور، بل نجده في قصائد الشاعرات أيضا، نجد اشتغال الشاعرة على فكرة الوصل والقطيعة واللقاء والانفصال، وثنائية الروح والجسد، بوحا مرة وتلميحا مرات، نجد الخيبة والتصدع، نقرأ عزلة الجسد ومتاعبه، كما نقرأ التشظي والنكوص إلى الداخل. ونجد أخيرا المعجم الرومانتيكي لبعض الشاعرات: عتمة وعشق ووجع وليل.
ونمضي في قراءة المشهد فتواجهنا في الكثير من التجارب ثنائية الحضور/ الغياب، الموت/ الحياة، والغياب هنا غيابات: غياب الفرد والجماعة والمكان والبيت، ما يفجر مشاعر الحزن والحنين والذكريات، وليس الغياب هو الغياب المادي فقط، فثمة غياب روحي ومعنوي، وإذ يكتب الشعراء فهم يستحضرون صور الغياب وأشكاله الكثيرة التي تواجه الإنسان وتفجر أزماته الحياتية اليومية منها والوجودية في آن. وهذا الغياب حاضر في قصائد الكثير من الشعراء، إن لم يكن من الممكن القول كلهم. يلفت النظر في هذه التجارب استحضار للموروث الشعبي وتوظيفه، حيث تحضر الأغاني والمواويل والأهازيج وقصص البحر وخيراته وغضبه والصحراء ومتاعب الناس معها، ونجد الأسلاف في صور مختلفة، إلا أن أكثر ما يحضر هو البحر وعالمه وعذابات البحار والغواص.

مغامرة التجريب
ولأننا ركزنا كثيرا على مضمون الخطاب في هذا الشعر، فيمكن التعريج بعجالة على الشكل، دون أن نعني الفصل بين الشكل والمضمون، وهنا نلتقي بظاهر التجريب والاشتغال على اللغة والعناصر الأخرى، فنتحدث عن طفرة في الانتقال من الأشكال التقليدية للقصيدة إلى ثورة قصيدة النثر التي يخوضها خصوصا شعراء التسعينيات. هناك مغامرة في التجريب على غير مستوى، بدءا من اللغة وبناء القصيدة، وصولا إلى استخدام السرد والتصوير المشهدي السينمائي، ومرورا بالاختلاف في طول القصيدة أو الميل إلى القصائد المكثفة جدا التي تنشغل باليومي والهامشي.
لكن بعض مغامرات التجريب قادت أصحابها إلى تجارب غير مفهومة، وغير واضحة، وبعيدة عن التجديد المطلوب، وذهب بعضها في دروب الهلوسة والهذيان باعتقاد أنهما الغموض الجميل والعميق، فكانت هناك نصوص تتخبط في ضياع غير مبررن ولذلك أسبابه طبعا، وهي تجارب قليلة وليس لها ذلك الحضور المخيف أو المقلق، لكنها بعيدة عن الجدية التي تعمل بها مجموعة من الشعراء والشاعرات.

اقرأ أيضا