الملحق الثقافي

الاتحاد

محين الشامسي.. الشعر شاهد على عصره

لا يكتفي الباحث والمنقب التراثي الدكتور فالح حنظل في كتابه الجديد: “ديوان الشاعر محين الشامسي: إبحار في التاريخ والاجتماع والسياسة” الذي يؤرخ فيه للشاعر محين الشامسي بجمع قصائد الشاعر وشرحها والتعليق عليها، واستنباط الأحداث التي شهدتها الفترة التاريخية التي عاش فيها، بل يترجم لحياة الشاعر وقبيلته وسيرته متتبعاً إياها في مصادر عدة، باذلاً في ذلك جهداً توثيقياً عسيراً تفرضه طبيعة الشخصية التي يكتب عنها، وطبيعة الحقل الذي يبحث فيه وما يعانيه من قلة المصادر وندرتها، وربما لولا المخطوطات التي بحوزته أو وفرها له بعض المهتمين لما تمكن من جمع شتات هذا الشاعر ورسم صورة شبه كاملة له: سيرة وشعراً.
ولعل واحدة من ميزات هذا البحث أنه ترك الباب مفتوحاً للدارسين ولم يغلقه بالشمع الأحمر معتبراً أنه وصل إلى نتائج نهائية. كل ما فعله أنه قام بدراسة قصائد الشاعر بل كلماته بدقة، وقارنها بما هو موجود لديه من مصادر مخطوطة، وقال إنه ربما “اتفقنا معها أو اختلفنا، وإذا التبس الأمر علينا في تفسير لفظ أو معنى قلنا (لعل) للاستفهام. وإذا اختلطت كتابة النص وأعيانا الشرح قلنا: هكذا وردت في الأصل”.
ويؤسس حنظل لبحثه هذا بالتنبيه إلى أن “محين الشامسي هو الشاعر الوحيد الذي تصح مقارنته بابن ظاهر”، (يعتقد حنظل أنهما ظهرا في زمن واحد أو في زمنين متقاربين) لكنه يفرق بين الاثنين فيشير إلى أن الشامسي “كان سياسياً بينما كان بن ظاهر حكيماً، مع ذلك فهما يتقاربان في كثير من الشؤون الأدبية، فكلاهما شاعر فحل، وكلاهما مترفع عن التكسب بالشعر”.
ويرى حنظل أن الشعر العامي في الإمارات “جدير بالدراسة والاهتمام به، ففي ذلك رصد دقيق وتقويم للتاريخ الاجتماعي والثقافي للأمة، وهو مسعى جيد يدل على وعي الأمة ورقيها العلمي ونضجها الفكري، كما أنه يضمن الخلود والشهرة لهذا النوع من الأدب النابض بالحياة والزاخر بالعطاء، ويفتح آفاقاً رحبة في حقل الدراسات الإنسانية”.

ضياع وتلف
ويشير في مقدمة كتابه الصادر حديثاً عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة إلى أن “مطالعة دواوين الشعراء القدامى والحاليين توضح أن الموضوعات التي طرقوها تسلسلت من الأكثر حضوراً إلى الأقل فالأقل، ولعل أوفرها حضوراً هو شعر الغزل والنسيب، يليه شعر المديح ثم الشعر الذي يطرق الأبواب الأخرى كالقيم الدينية والأخلاقية والسلوكيات والوصف والنقد والمساجلات والألغاز الى غير ذلك”.
لكنه يلفت إلى قلة الأشعار التي تؤرخ وتصف الأحداث التاريخية والتي انعكست، حسب قوله، على دواوين “معظم من قرأنا لهم من شعراء الجيل القديم من أهل الإمارات، رغم وفرة الوقائع وشدتها وتأثيراتها الكبيرة على الأوضاع السياسية والاجتماعية والاقتصادية في منطقة الإمارات، ولعل السبب في ذلك هو ضياع معظم تلك الأشعار، أو أن الأقدمين قاموا بإتلافها خوفاً من أن تؤجج نيران الأحقاد والثارات”.
ويبدي حنظل أسفه لمثل هذه الخسارة، يقول: “غير أن هذا لو حصل فهو أمر مؤسف حقاً، لأن الشعر ليس مجرد تراث يحيا في ضمائر الناس، بل هو أيضاً وثيقة معتمدة للأحداث التي يعيش الشاعر وقائعها ويشرح دوافعها ويكشف عن جوانبها، فتصبح بذلك سنداً ومرجعاً للباحثين والمؤرخين الذين يكتبون التاريخ، علماً بأن إخفاء الحقائق لا يلغيها من الوجود، كما أن التناقضات موجودة عند كل البشر في كل زمان ومكان”.
ويستثني فالح حنظل من ذلك الشاعر محين الشامسي الذي قام بتحقيق وشرح ديوانه، ويضيف: “فالغالب على شعره هو السياسة وذكر الأحداث والوقائع وأسماء القادة والرجال الذين عاصرهم، وقد ظهرت أشعاره لأول مرة في ديوان (تراثنا من الشعر الشعبي) الذي جمعه وحققه المرحوم الشاعر حمد أبو شهاب وأصدره نادي تراث الإمارات عام 1998، ولم يقم أبو شهاب بشرح القصائد بل اكتفى بأن عَلَّقَ تعليقات بسيطة جداً على مضمونها ولم يدخل في التفاصيل.. لذلك فإن هذا الديوان محاولة لشرح أشعار محين الشامسي وإلقاء الضوء على مضامينها واستخراج الأحداث التاريخية منها، خدمة للتنمية الثقافية في المجتمع من خلال دراسة الإبداعات القولية للشعراء الأقدمين”.

الشاعر وقبيلته
قبل الدخول في دراسته الأدبية لأشعار الشاعر يعرف فالح حنظل به وبنسبه: “جاء في الديوان الذي أصدره المرحوم حمد أبو شهاب أن اسمه علي بن محمد محين الشامسي أي أن (محين) اسم جده أو لقبه. وأنه ولد في بلدة الحيرة بإمارة الشارقة وتوفي حوالي عام 1247 هـ 1830م، ونحن لا نتفق مع أبو شهاب في تاريخ وفاة محين لأنه لا يتفق مع ما ورد في الديوان من ذكر لأحداث وقعت بعد هذا التاريخ. أما حماد الخاطري جامع ديوان (أعذب الألفاظ من ذاكرة الحفاظ) فقد حدد عمر الشامسي بثمانين عاماً وقال إنه ولد عام 1750م ومات عام 1830م وفي هذا اختلاف أيضاً”.
ثم يفرد حنظل مساحة لقبيلة الشاعر (الشوامس) من خلال ما جاء في كتاب عبد الله بن صالح المطوع “الجواهر واللآلئ في تاريخ عمان الشمالي” فينقل عنه: ما يلي: “النعيم إحدى القبائل العربية الكبرى المقصود بها الآن التي تقطن عجمان، ولقد كنا نقول ولا نزال نقول إنها تنحدر من إحدى قبيلتي الأنصار وهما الأوس والخزرج. وفي نجد والبحرين يطلقون اسم نعيم على قبيلتي آل أبي خريبان وآل أبي شامس ولا يفرقون بينهما كما هو الحال عندنا، وهو الحق لأنهما ابنا رجل واحد، كما أن أولاد شامس وخريبان إخوان لأم، وأبناء عم لأب جدهما واحد (...) أما سبب تسميتهم بذلك فقد قيل لأنهم أتوا الى عمان من (التنعيم) وهو موضع بأعلى مكة فقيل لهم النعيميون”.
ينتهي كلام المطوع ليعلق عليه فالح حنظل قائلاً إنه عثر في قصائد الشاعر على ما يؤكد نسبه إلى الخزرج، حيث يقول في إحدى قصائده:
ما تبلدنا إلا متظهرين
مع صفيين دفيين الجناب
غلمةٍ أنصار خير المرسلين
خزرجيين صحيحين النساب
جدهم تاجا بنفسه في حنين
حط روحه دون أبو الزهرا حجاب
ففي البيت الثالث يتحدث عن معركة حنين التي ورد ذكرها في القرآن الكريم والتي قاتل فيها الرسول صلى الله عليه وسلم هوازن، وثبت معه الأنصار بزعامة سعد بن عبادة الخزرجي إلى أن نصره الله تعالى.

أيام الشاعر وعصره
ينتقل حنظل بعد ذلك لدراسة الخلفية السياسية للعصر الذي عاشه الشاعر، والسبب كما يقول “لأنه لا يمكن فهم النصوص في بيئة ما أو عصر ما، من دون الوقوف على الإطار العام للبيئة أو العصر، فلأجل أن نعرف دوافع الشعر ومعانيه لابد أن نعرف ما يقف وراء الشاعر من مؤثرات وحوافز، تزيد من فهمنا للنص وتفيد في تذوق الشعر والاستمتاع به”. ويشير فالح إلى أن الشاعر ظهر في فترة محتدمة بالصراعات فتأثر بها، وكتب قصائد تصف ما يجري حوله من الأحداث (بلغت أوجها منذ بداية القرن التاسع عشر واستمرت الى منتصفه تقريباً). وقد استفاد فالح حنظل من مخزونه المعرفي في حقل التاريخ لا سيما تاريخ الإمارات في قراءة مدلولات القصائد والأسماء التي وردت فيها، حيث يستخدم علمه برجالات المنطقة وقياداتها وغير ذلك في إضاءة النص الذي أمامه وفهم شواهده ومضامينه.
وهو يصل في نهاية بحثه إلى أن الشاعر محين الشامسي عاش في النصف الأول من القرن التاسع عشر، ناقضاً بذلك ما ذهب إليه حماد الخاطري من أنه توفي في عام 1830م. وهو يفسر السبب الذي دفع الخاطري الى اعتبار هذا التاريخ تاريخ وفاة الشاعر أو قريباً منه بقوله: “فقد استند (يعني الخاطري) الى ما جاء في قصيدة “يا غارة الله” التي يذكر فيها مصرع القائد رحمة بن جابر الجلاهمة عام 1826م:
ضاقت علي عقب موت ابن يابر
حتى لفاني خط صقر بن سلطان
قال اخبروا لي شيبتي لا يحاتي
لو سكنه في بيت من لا يحاتي
فقد اعتمد الخاطري على لفظة (شيبتي) أي الرجل العجوز كبير السن وربطها بعمر الشامسي، واستنتج من ذلك أن الشامسي كان عجوزاً يومذاك.
أما علي بن محمد المطروشي فيقول: لقد عاش محين خلال الثلث الأخير من القرن 18م والثلث الأول من القرن 19م”.
ومثل هذه الاستنتاجات كثيرة في الدراسة التي قام فيها فالح بربط الأحداث والتواريخ بعضها ببعض ليصل الى عدد من الحقائق المتعلقة بحياة الشاعر وزمانه.

أسلوب الشاعر
إن أول ما يستلفت النظر ويثير الاهتمام في طبيعة أشعار الشامسي هو أنها تزخر بقوة شعرية فائقة، وهي ليست شعراً إخوانياً أي مدائح ومشاكاة ومساجلات مع الأصدقاء وأحاجي وألغازاً، كما أنها تفتقر الى شعر الغزل والصبابة، فهي أشعار في السياسة والاجتماع والحكمة فيها تسجيل لأحداث العصر وحوادث الأيام تنبض بالأحاسيس وتشيد بالبطولة وتعبر عن تجربة واقعية. وفي ثناياها توجد إشارات تدل على ثقافته المتنوعة، ومن ذلك ما جاء فيها من أسماء أعلام وقبائل وأحداث تاريخية قديمة. كما تجد حكماً ووصفاً للدهر ومشاكله والدنيا وغدرها، هي حصيلة تجاربه وخبراته التي اكتسبها من المناسبات المختلفة التي التصقت بحياته، كما أنه وصف الناس في تبيانهم، فبعضهم جيد وبعضهم غير ذلك، وفي هجائه لا تجد طعناً في الأعراض أو إقذاعاً في القول، هذا الى جانب الأغراض الشعرية الأخرى التي تناولها.
أما أسلوبه في النظم وخصائص النسيج اللغوي في أشعاره، فيغلب عليه صعوبة الكلمات والعبارات وخشونة الألفاظ وكثرة استعمال المحسنات البلاغية من طباق وجناس وتورية بالنطق العامي للكلمة، مما يجعل فهمها صعباً، ناهيك عن أن قِدم هذه الأشعار واعتمادها على النقل الشفاهي وإغراقها في العامية ثم طريقة كتابتها التي قد تكون مغلوطة أحياناً، كثيراً ما تذهب برونق المعاني وجمال التخيل، خاصة إذا كان المتلقي غير مدرك لخفاياها ومفاهيمها، وهذا حاصل في أشعار الشامسي. فإن الغالب على شعره رباعيات تتقيد بقافية في الشطر الأخير تكون ركيزة الإنشاد، لكنه كان يكثر من استخدام الجناس في رباعياته أي الألفاظ التي تتفق كلماتها في كل الحروف أو أكثرها لكن معانيها متباعدة، علاوة على استخدامه الطباق أيضاً أي الجمع بين المتضادات في صعيد واحد، مما يجعل عملية التفسير والشرح صعبة، ناهيك عن أن بعض الألفاظ تأتي حروفها مقلوبة عن الأصل لكي تتفق مع نوعية حروف الجناس، وهذا يجعل الشرح أكثر صعوبة.

مصادر
أخيراً.. يوضح فالح حنظل مصادره التي اعتمد عليها في جمع مادة الديوان وهي:
? ديوان تراثنا من الشعر الشعبي، جمع وتحقيق المرحوم حمد أبو شهاب، إذ أورد فيه ثماني عشرة قصيدة، غير أننا لم نأخذ بواحدة منها لأنها ليست من شعر محين الشامسي.
? ما موجود لدينا من مخطوطات قديمة بلغت اثنتي عشرة قصيدة، واحدة منها غير موجودة في ديوان تراثنا من الشعر الشعبي.
? ديوان أعذب الألفاظ من ذاكرة الحفاظ، جمع وتحقيق الأستاذ حماد الخاطري، وقد أورد قصيدتين، الأولى موجودة في المخطوطات وغير موجودة في ديوان تراثنا، والثانية غير موجودة في المخطوطات وكذلك في ديوان تراثنا. وقد أخذنا بالقصائد الموجودة في هذه المجاميع وأخضعناها للفحص والتدقيق لكي تبرز معالمها وتخفف من حدة الانغلاق والعتمة التي حالت لفترة طويلة دون التوغل في معانيها، وذلك استجلاء واستكشافاً لما هو جديد من إبداعات جيل الأجداد الذين طواهم الزمن، لكن أشعارهم ظلت تتردد على الألسنة.
ويذكر حنظل أنه بعد الانتهاء من الكتاب عرضه على الباحث والمحقق علي بن محمد المطروشي مدير متحف عجمان، والذي يملك مخطوطة خاصة به تحتوي على أشعار محين الشامسي، “فأخضع كتابنا للفحص الدقيق وأجرى تصحيحات مهمة وأضاف تعليقات جيدة، أخذنا بأكثرها فصارت مادة الكتاب الرئيسية، ثم قدمنا الكتاب إلى الدكتور راشد بن أحمد المزروعي رئيس وحدة الشعر والأدب الشعبي في نادي تراث الإمارات، فقام بمراجعة الديوان وأبدى ملاحظات مهمة وتصحيحات أخذنا بها أيضاً”.
صدر “ديوان الشاعر محين الشامسي” للدكتور فالح حنظل عن دائرة الثقافة والإعلام ـ الشارقة.

اقرأ أيضا