الملحق الثقافي

الاتحاد

خطاب العين والعقل

يأتي كتاب “التشكيلي المغربي: البحث عن الذات” للباحث والناقد التشكيلي المغربي محمد أديب السلاوي، ليسد ثغرة في حقل مهم من حقول الإنجاز الإبداعي في المغرب، فالكتابة عن التشكيل في المغرب نادرة. والكثير من القليل الذي تم تأليفه مشحون بتضخم الذات الفنية المغمورة أو بالتأريخ الذاتي لهذا الفن من خلال كاتب وصانع لوحات عادي أو غالبا بإعلاء قائمة من الأسماء الإخوانية، كما يؤكد الدكتور مصطفى عياد الذي قدم لهذا الكتاب.
ويرى الدكتور عياد أن هذا العمل الجديد الذي ألفه السلاوي “يشطّر أسسا أدبية ومنهجية قمينة بأن تبوأه المكانة اللائقة، وتجعل منه محطة/ حلقة لا محيد عنها، و “خريطة” لمن يريد الوقوف عند تراث المغرب التشكيلي، ولاسيما المعاصر منه”.
والكتاب، كما جاء في مقدمته، “لا يدعي أنه عمل موسوعي لتاريخ الفنون التشكيلية، ولا سجلا واسعا للفنانين التشكيليين. كل ما في الأمر أنه يقترح الإحاطة بالموضوع حسب المحطات التراثية/ التاريخية الحاسمة وأمثلة (لا نماذج) معترف بها من الفنانين وفق منظومة تتداخل فيها عدة معايير موضوعية. فأتى المنتوج عبارة عن مقدمات وخواتيم انطباعية قد تطول أو تقصر، وبينها أمثلة من المواضيع والفنانين الأحياء والأموات. كما يجدر التأكيد على أن الأنطولوجيا التوثيقية التي رسمها الكاتب تخضع لسلسلة من مقاييس الانتقاء، تبرز من بينها على الخصوص: الرواد الذين لا مفر من ذكرهم، والفنانون الذين تربطه بهم صداقة وجدانية وصدق إبداعي ومصداقية مهنية. أما الذين لا يستجيبون لسلم قيم فنية وحتى أخلاقية، فقد تم إقصاؤهم ولو كانوا ذا شهرة في السوق التشكيلي” (!).

الأثر المغربي
ويكتب مؤلف الكتاب في مفتتح كتابه قائلاً: “في هذه المنطقة العربية الإفريقية من العالم، يختلف علماء التاريخ حول عمر الإنسان، أهو مليون سنة، أو أكثر، أم أقل...؟ هذا في الحقيقة لا يهم، إن لهذا الإنسان آثاره وبقاياه، تمتد على شواطئ المتوسط والأطلسي، على سلسلة جبال الأطلس الشاهقة والشامخة، وعلى الفضاء الصحراوي الشاسع والواسع، كما على الثغور والتخوم المحيطة بها. الإنسان هنا حقيقة أزلية. كان وما يزال، كائنا حضاريا. عاش وسيبقى كذلك، في كنف جغرافيته المغربية: الأمازيغية/ العربية/ الإفريقية، آثاره ستظل محفورة/ منقوشة على الصخور وعلى قمم الجبال وتضاريس الكهوف، متفاعلة مع أفكاره وتصوراته وهواجسه الإنسانية. فهو يتشكل من هذا “الميراث” الضخم، ويتفاعل معه بالحس والكلمة واللون والإشارة والانتماء. لقد جاءت لهذا الفضاء حضارات، وغابت أخرى، وظل الأثر “المغربي” على جدران البيوت، وعلى صخور الجبال، ورمال الصحراء وعلى ردهة المعابد ومحاريب المساجد وواجهات السقايات وأرضيات الغرف والحمامات وحنايا الأبواب والأبهاء وأعمدة القصور وسقوف القصبات وبوابات المدن. ظل هذا الأثر شاهداً على ذلك الترابط الوثيق بين الإنسان وإبداعه في هذه المنطقة من الأرض. السؤال: ما هو حظ هذا “الموروث” الغني الضخم الذي يتعانق مع الإنسان والبيئة بصيغ متعددة ومدهشة، من القراءة والدراسة والتحليل؟.
يجيب السلاوي: “بالرغم من الاهتمام الذي صادفه التراث الفني المغربي من قبل بعض الباحثين المغاربة، ومن بعض المستشرقين، فإن ميدان البحث والاستقراء في هذا الباب ظل فقيرا وشحيحا ومحدودا. ومع أن هذا التراث غني وضخم ويشكل ثروة حضارية وفكرية وتاريخية تمتد على مساحة واسعة من التاريخ ومن الجغرافيا فإنه حتى هذه اللحظة، لم يخضع لأي دراسة علمية تتجاوز حدود الزمان، لتضع أمامنا شمولية المعطيات والخصائص، بل إن بعض الباحثين تجاهلوا تماما هذا التراث الضخم عند تعرضهم لتاريخ المغرب وتدخلاته الحضارة والثقافية والإنسانية”.
كما يرى المؤلف أن التراث الحضاري والفني المتواجد على هذه الرقعة الطيبة من الأرض مازال يستلزم من الباحثين، زيادة على التنقيب والدراسة المنهجية الميدانية حلقات من البحث التاريخي والفني الذي يتناول الدقائق والجزئيات.
إضافة إلى هذا التراث الهائل من الأشكال الهندسية والرسوم والخطوط التي تشهد بوضوح على عصورها المترابطة والمتداخلة وعلى الحياة التي تمرس بها الإنسان في الأطلسين والريف، وفي الصحارى، وفي الشواطئ قبل الإسلام. فإن المكاسب الفنية التي حصلت عليها المنطقة في العصر الإسلامي قد بلورت هي الأخرى عطاءات البلاد وأغنتها وأعطتها الإشعاع الضروري واللازم، حيث أصبحت فنون النحت والنقش والتزويق والزخرفة المتوارثة عن الماضي صناعات معمارية ونسيجية وحديدية، قاعدتها الفن وموضوعها الجمال، وردت علينا مع الدين الجديد وهي مازالت في حاجة إلى اهتمام الدارسين والباحثين والمهتمين ومازالت في حاجة إلى قراءاتهم العلمية”.

الرعيل الأول
ومن خلال المآثر التي مازالت تطل علينا من العصرين الموحدي والمريني نستطيع أن نلمس مدى إبداع الرعيل الأول من الفنانين المغاربة، الذي أضاف إلى التراث التشكيلي البربري المتوارث عدة خصائص إبداعية. كما يرى الأستاذ محمد أديب السلاوي أن مظاهر الهندسة المعمارية والنقش والنحت والزخرفة تشكل فنونا مختلفة الجوانب، متعددة الآفاق. وقد تطور أسلوبها جميعا بتطور العصور، وبنفس هذا التطور، انتقل الأسلوب الأندلسي إلى المغرب، وحل محل ما عرفته البلاد قبل الإسلام وعند فجر انتشاره. والأسلوب الأندلسي قد اكتسب شخصيته بفضل عظمة الخلافة الإسلامية التي تركزت في إسبانيا المسلمة، فذابت في هذه الشخصية، التقاليد القوطية الموروثة عن المسيحية اليونانية، وعن تقاليد بلدان المتوسط، فضلا عن تقاليد الفن الشرقي الذي عرفته أقطار البلاد الإسلامية، وخاصة في بغداد ودمشق والقاهرة.
ويؤكد المؤلف على أنه منذ ذلك العهد، ظهر الفن الإسباني العربي بالمغرب، أسلوبا وفنا خاصا بالدولة، في قصورها ومدارسها ومساجدها وحصونها، إذ ازدهرت بها أساليب الهندسة المعمارية والنحت والحفر والنقش والزخرفة. ويمكن التأكيد على أن زخرفة الرسوم التجريدية، بمختلف أشكالها، كانت ظاهرة أصيلة في الفن الأندلسي، الذي استعمل تعارض الخطوط وتراكبها، وأدرك مبكرا مدى جمال الخط العربي “المعقوف” و “المعكوس” الذي شاع استعماله اليوم لدى العديد من الرسامين في مشرق الوطن العربي وفي مغربه. ويلفت السلاوي إلى أن “الفن الأندلسي ضرب صفحا عن تصوير كل فكرة وكل عاطفة، ولكنه احتفظ بميزة الحركة. فاستطاع بفضل تراكب الخطوط، وتعاكسها وتداخلها تصوير المرونة والانسياب، والجمال. فخاطب العين... والعقل”.
كما يرى “أن المنتجات الأمازيغية تختلف من ناحية لأخرى في المغرب، ويتجلى أسلوبها الأصيل في ألوان متعددة وأشكال مختلفة من المصنوعات المزخرفة بفنون النحت/ الحفر على الخشب/ الخزف/ نسيج الصوف/ المنسوجات عامة/ الحلي. وما زالت هذه الفنون، رغم تعاقب الدول والحضارات عليها، ورغم نتاج الصناعات الحديثة في مجمل القرى والمدن المغربية، تحتفظ بأصالتها وبميزاتها الفنية العالية والمدهشة.
وفي مجال النحت، نجد أن آثار القصور المحصنة بالجنوب المغربي مازالت تقدم لنا نماذج من النحت الرشيق والجميل، الذي يسعى في أشكاله إلى استقراء جمالية الطبيعة في تجريدها على النوافذ وفتحات الأبواب، كما على جدران القاعات المسطحة. وفي ميدان الحفر على الخشب، نجد الصناع في بعض المناطق مازالوا يعملون على استغلال الخشب الذي تزخر به الجبال، في مختلف شؤون الحياة. إذ يحفرون على الأبواب والنوافذ رسوما هندسية ذات خطوط مستقيمة وتزاويق تجريدية ملونة. كما يحفرون بفنية فائقة على الأثاث والصناديق وأعمدة السيوف وأكياس البارود وأعقاب البنادق المطعمة بالعاج وعلى صناديق المرايا وغير ذلك”.
أما الخزف، فهو عمل يدوي تقوم به النساء على الخصوص، ويمتاز بتنوعه وزخرفته وأشكاله الدقيقة والجميلة. فالقدور والأوعية والأواني تتخذ شكل التحفة الفنية التي تسعى إلى التجدر في القيم الحضارية للفنانات اللواتي يمزجن بمهارة وموهبة بين الذوق والمعرفة. وفي ما يتعلق بنسيج الزرابي والأغطية يلاحظ السلاوي تكرار خطوطها على الأرضية الهندسية البسيطة، غير معقدة. وأن ألوانها أنيقة تنعكس بنعومة عليها، فهي شبيهة بلوحات ذات تركيب هندسي تجريدي قابل لكل قراءة فنية ولكل تأمل فلسفي.
ويتساءل السلاوي قائلا: “إلى أي حد استطاعت التوجهات البصرية الجديدة، التي ظهرت مع اللوحة وفنونها ومدارسها في المغرب الحديث، أن تلتقي مع التوجهات الفكرية القائمة؟ أو بصيغة أخرى: ما هو الأثر الذي تحدثه اللوحة المغربية اليوم على امتداد فترة تواصلها الزمني، في متلقيها بعدما أصبحت جزءا لا يتجزأ من الثقافة المغربية المعاصرة؟
إننا عندما نقرأ قصيدة أو نسمع قطعة موسيقية، أو نشاهد لوحة، يحدث لنا ذلك الأثر على شكل صدمة أو شكل ذبذبات شعورية غامضة، وهي تتفاوت من حيث استجابتها الكلية أو الجزئية من القصيدة إلى القطعة الموسيقية، ومنها إلى العمل التشكيلي، لا حسب الفروق الجوهرية بين هذا الفن وذاك، التي هي فوارق شكلية فقط، ولكن حسب تركيب العمل الفني واستجابته لعقل ومشاعر المتلقي.
للتوضيح، يقول السلاوي” “يجب أن نستذكر هنا الأثر الذي أحدثته موسيقى “الروك أندرول” أو موسيقى “البيتلز” في جيل الستينات بالغرب، أو ما تحدثه موسيقى الطوائف الصوفية “عيساوة/ كناوة/ هداوة/ جيلالة” في نفوس المتلقين من أبناء الجيل الجديد بالمغرب العربي، أو ما تحدثه لوحات “رمبرانت” و “دي لاكروا” من أثر على نفوس مشاهديها في القرن الماضي بعدما نقلت المفارقات بين عالم الشرق وعالم الغرب. ونستذكر أيضا الآثار السارية المفعول للملاحم الشعرية السومرية، واليونانية، والإغريقية، والمعلقات العربية، وكذلك أشعار شكسبير وإليوت في العصور المتأخرة.
إن هذه الأعمال وغيرها كثير، مما احتفظت به جداريات الإبداع الإنساني في العصور المختلفة تخضع للفهم السليم لمكان “الإشارة” في “القطعة الشعرية” أو “القطعة الموسيقية أو التشكيلية”، تلك الإشارة تنفذ إلى العقل لتحدث به “صدمة” التلقي مما يوضح تمثلها ويبعدها عن التذوق الزمني الساذج، بمعنى آخر إن الإشارات، والأصوات، والكلمات، التي تختزنها الأعمال الفنية عامة، وتتركب منها، والتي تختلف من عمل لآخر، هي التي تتحرك على شكل ذبذبات صوتية أو موجات بصرية تجاه المشاعر ومنها إلى العقل لتحدث ذلك التلاقي الانفعالي بين المبدع والمتلقي، ولتحدث ذلك الحوار الصامت غير المعقلن أحيانا بين هذا وذلك.
جاء الكتاب في 169 صفحة من الحجم المتوسط واشتمل على لوحات لأسماء يحفل بها المشهد التشكيلي المغربي، مما يجعل منه مرجعاً من أهم المراجع التي تقترب من المشهد التشكيلي المغربي.


الكتاب: التشكيل المغربي/البحث عن الذات
المؤلف: محمد أديب السلاوي
الناشر: مرسام

اقرأ أيضا