دينا مصطفى (أبوظبي) رغم الخلاف الظاهري بينهما في بعض الأحيان والمواقف، إلا أن المصالح المشتركة جمعت بين إيران وقطر منذ أعوام، فإيران التي تبحث لها عن دور في منطقة الخليج العربي وتسعى لتحقيق مطامعها، تشاركها قطر الاتجاه نفسه، فقطر الصغيرة هي الأخرى تسعى لزيادة نفوذها في العالم العربي على حساب جيرانها، وهكذا جمعهم الهدف نفسه، لترتبط العلاقات الإيرانية القطرية بروابط وثيقة على مدى سنوات، عكس أشقائها في الخليج الذين أدركوا منذ اللحظة الأولى مآرب إيران من فرض نفوذها ومطامعها في المنطقة. وبحسب خبراء، فقد استغلت إيران أزمة قطر مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب لشق الصف الخليجي، كما أكدت تقارير غربية أن إيران أججت الأزمة الدائرة منذ أسابيع في منطقة الخليج، وبحسب صحيفة نيويورك تايمز، فإن قادة إيران لم يرحبوا فقط بالأزمة ولكنهم أسهموا في اشتعالها، سواء كان سياسياً بتصريحات مسؤولي إيران، وجولاتهم الخارجية لدعم قطر والهجوم على الدول الداعية لمكافحة الإرهاب أو اقتصادياً من خلال فتح أجوائهم وإرسال منتجاتهم الغذائية وافتتاحها لخط غاز بوشهر لزيادة إنتاج قطر من الغاز، أو على المستوى الإعلامي، فالإعلام الإيراني لم يتوقف عن الشحن وإشعال الأزمة منذ بدايتها. وأكد حسين هاشميان المعارض الإيراني لـ «الاتحاد» أن طهران تستغل الخلافات القطرية الخليجية لتهدد الأمن القومي العربي والأمن القومي الإسلامي، وبالتالي فهي لا تريد الخير لقطر وشعبها وتستخدمها لشق الصف الخليجي، ومع الأسف، فإن قطر تسير في هذا الاتجاه. وقال هاشميان الأستاذ الأكاديمي والباحث من واشنطن، إن الحشد الإيراني لا يتوقف فقط على تصريحات وزير الخارجية الإيراني وبقية المسؤولين، ولكنّ هناك إعلاماً كاملاً موجهاً لتأجيج أزمة قطر في وسائل الإعلام الإيرانية كافة، بسياسة وضعها الولي الفقيه من أجل إضعاف مجلس التعاون الخليجي، وتعميق الخلافات في الصف الخليجي. وقال: من اللافت أن إيران في الوقت الراهن تعاني أزمة شح المياه، فهي لا تستطيع أن تقدم خدمات مياه صالحة للشرب لشعبها، وفي الوقت ذاته تتقدم لقطر وتعرض مساعدتها في تقديم المياه والمنتجات الغذائية، فإيران أصبحت تستخدم الخلافات الخليجية الخليجية لمصلحتها، وتريد فرض هيمنتها على قطر والقيادة القطرية، وإفساد استقرار المملكة العربية السعودية والإمارات اللتين تتمتعان بالقيادة الهادئة المستقرة، وتودان المحافظة على سيادتهما، وتأمين الأمن العربي والإسلامي، فإيران تستخدم قطر لمواجهة السعودية وزعزعة استقرار الخليج العربي. واستبعد هاشميان أن تستطيع إيران على المدى البعيد الصمود في دعم قطر، فهي تعاني اقتصاداً مريضاً، وحصاراً اقتصادياً، كما أن إيران ليس لديها اقتصاد قوي أو علاقات سياسية قوية حتى تدعم قطر، وهي تدعم قطر فقط من خلال البروباجندا الإعلامية، وأيضاً قطر تستخدم إيران كوسيلة دعائية ضد المملكة العربية السعودية. وأعرب عن استغرابه من تصريحات قطر، فهي تقول إنها تريد المحافظة على سيادتها، فمن عارض سيادتها؟ وهل معنى السيادة هو التدخل في شؤون مصر ودعم الجماعات الإرهابية في سوريا وليبيا واليمن وتونس، وزعزعة أمن واستقرار العالم العربي؟ وشدد هاشميان على عدم القبول بهذه الأفكار الكاذبة التي لا علاقة لها بالسيادة من قريب أو من بعيد، ويجب أن تعي قطر جيداً أنها لا يمكنها أن تنفصل عن منظومة الدول الخليجية، كما أنه لا يمكنها الاحتماء بإيران التي تستخدم كل أوراقها لتصعيد الأزمة لإضعاف مجلس التعاون الخليجي الذي كان من بدايته سداً منيعاً أمام إيران ومطامعها التوسعية، وكان شوكة لسياسات إيران، ولذلك فهي تستخدم كل أوراقها لإضعاف البيت الخليجي. من جانبه، أكد باتريك كلاوسون، رئيس معهد بحوث دراسات الشرق الأوسط، أن العلاقات الإيرانية القطرية شهدت تغيراً هائلاً خلال الشهر الماضي، فقد تطورت العلاقة من مجرد علاقات وثيقة إلى حلفاء، فإيران الآن تتحدث بالنيابة عن قطر فيما يتعلق بالأزمة، وتخرج كل يوم تصريحات لمسؤولين إيرانيين تنتقد الإجراءات التي اتخذتها الدول الداعية لمكافحة الإرهاب، والمتابع جيداً لما فعلته إيران منذ بدء الأزمة يرى سعي طهران الحثيث إلى التدخل فيها والبحث عن دور لها، وتعليقات المسؤولين الإيرانيين أكبر دليل على ذلك. وأوضح كلاوسون، الأكاديمي البارز، في اتصال هاتفي معه من واشنطن، أن الحكومة القطرية تبذل محاولات مستميتة لإقناع الجانب الأميركي بصحة موقفها وتبرز أهميتها بالنسبة للإدارة الأميركية، وبالتالي إلزامها الوقوف بجانبها، بينما تبرع إيران في استغلال العلاقات السيئة في ذلك التوقيت، والذي يربط بين قطر وإيران العديد من الأشياء، أهمها حقل بو شهر، فالمتابع جيداً سيجد إيران أعلنت الخط الجديد للغاز الذي يربط بينها وقطر، ما سيزيد من إنتاج الغاز القطري، وبالتالي، فإيران تسعى بكل جهدها وسط هذه الأزمة السياسية التي تأمل في استمرارها إلى توثيق العلاقات مع قطر. ورأى كلاوسون أن المتابع جيداً سيجد أن النصيب الأكبر لحقل غاز بوشهر من نصيب قطر، ما قد يؤثر سلباً على نصيب حصة إيران وسينافسها في البيع. وتساءل كلاوسون هل تقدم طهران ذلك الحقل كهدية لقطر من أجل مصالحها الاقتصادية، أم لمنفعة طهران السياسية. ورجح أنه بالطبع للأهداف السياسية التي تعد الآن أهم من المكاسب الاقتصادية لإيران.  على الجانب الآخر، ذكر كلاوسون أن الحكومة القطرية تحاول تعزيز العلاقات مع الولايات المتحدة، فهي حريصة على إظهار علاقاتها القوية مع واشنطن، وفي الوقت نفسه تؤكد أن علاقتها الاقتصادية مع إيران لن تؤثر على علاقتها مع حليفتها الأميركية سياسياً واقتصادياً. وتحاول قطر إقناع الولايات المتحدة بأنها حليفتها في الحرب على الإرهاب على الرغم من دعمها للجماعات المتطرفة في سوريا وليبيا واليمن. ورأى أن قطر فشلت في إقناع الولايات المتحدة في ذلك، فإيران لم تفعل الكثير حتى الآن من أجل حل مشكلة قطر سوى بيع منتجات غذائية مقابل المال، وتفتح أجواءها أيضاً مقابل المال، وبالتالي فهي تستغل الأزمة لمصلحتها اقتصادياً وسياسياً. وبالتالي فهي مصلحة إيران التي تنتظرها منذ أعوام، وهي تظهر كداعمة لقطر ولكنها استفادت من الموقف سياسياً. وأوضح كلاوسون أن الولايات المتحدة الأميركية لم تنجح خلال الثلاثين عاماً الماضية في إقناع قطر بالإقدام على أي خطوة لا تريدها، فالحكومة القطرية تشتهر بتعنتها وعدم انصياعها لما تراه الإدارة الأميركية في العديد من الملفات، وترفض أي نصائح حتى من حلفائها الأميركيين، ما يزيد المواقف تأزماً وتعقيداً، في المقابل تشتهر الإمارات والسعودية بقدرتهما على التفاوض ومعالجة الأمور بحكمة وهذا ما يزيد الأمور تعقيداً بينهما وقطر. في السياق نفسه، أكد رئيس تحرير مجلة مختارات إيرانية محمد عباس، أن إيران دقت أبواب الدوحة تحت ذريعة المساعدات الإنسانية، وتدخلت بشكل مباشر في الأزمة مع الدول الداعية لمكافحة الإرهاب. ولفت إلى أن إيران ترى في تأزم العلاقة بين السعودية والإمارات والبحرين وقطر فرصة لتعزيز وجودها في قطر، حتى وإنْ حاول المسؤولون الإيرانيون تغطية هذا الاختراق بالقول إنه تعزيز للعلاقات التجارية والاقتصادية بين البلدين. وأشار الباحث والمحلل السياسي من القاهرة إلى أن إيران وجدت أن الصدع بين السعودية والإمارات ومصر والبحرين فرصة استراتيجية لتعزيز دعمها في المنطقة، فإن دعم طهران للدوحة خلال الحصار سياسي أكثر مما هو اقتصادي. وقال إن إيران دقت أبواب الدوحة لهدفين، الأول اقتصادي وهو البحث عن مستورد جديد للمنتجات الغذائية الإيرانية، كما فتحت أجواءها لقطر، وأسرع المسؤولون في إيران إلى تأكيد أنهم على استعداد لتبادل تجاري يعادل 5 مليارات دولار مع قطر، وهو قيمة ما كانت تدفعه قطر في معاملاتها التجارية مع جيرانها في الخليج. والهدف الثاني سياسي بحسب عباس، فإيران لا تريد حل المشكلة بل تريد تأجيج الأزمة وتفاقمها لأنها ستحقق المزيد من المكاسب وأهمها ألا تكون هناك رؤية خليجية موحدة لمواجهة خطر إيران، وبالتالي عدم وجود رؤية للتعامل مع أطماعها وتوغلها في المنطقة، فضلاً عن رغبتها في جذب قطر تدريجياً نحو المحور الذي تقوده إيران.  ورأى عباس أن استجابة قطر للضغوط الإقليمية في وجود العامل الإيراني ستكون صعبة للغاية لأنها ستؤثر على أهداف إيران وتدخلها في المنطقة، خاصة أن هناك ملفات أمنية قطرية إيرانية مشتركة مثل الملف السوري أو العراقي. وذكر عباس أن جميع الكتابات الإيرانية أكدت أن الأزمة فرصة، وأن تفاقمها في مصلحتها، فهي آخر من يريد حلولاً. ورجح عباس أن الأزمة لن تنتهي سريعاً، فالطرف القطري يعول على أن الوقت كفيل بحل المشكلة، أما الدول الداعية لمكافحة الإرهاب فعليها تصعيد الإجراءات، مشيراً إلى أن قطر ستستجيب في النهاية، ولكنها ستحاول المحافظة على ماء وجهها.  وقال إن العقلية البراجماتية لإيران قد تحدث تغيراً في أي لحظة لو وجدت مصلحتها في جانب آخر أو وصلت إلى تفاهم مع الإدارة الأميركية، فإيران ليس لديها ما تخسره، وقد يكون أحد أسباب دعم إيران اللامحدود لقطر هو أنها تخشى أن تكون الهدف القادم، وهي لا تريد حل الأزمة لأن حلها لن يكون في مصلحتها، وإلا لما كنا سمعنا التصريح الإيراني برد قطر الجميل لها، فهي تخشى حل المشكلة، لأن حل المشكلة يعني أن تعود قطر للبيت الخليجي وهو ما سيكون له تأثيره السلبي على إيران.