الاتحاد

دنيا

الطفل والكتاب··· التليفزيون خير جليس


دبي ـ خوله علي:
تصوير ـ منور جعفري
يبدو أن المقولة المأثورة 'خير جليس في الزمان كتاب' ذهبت أدراج الرياح، بعد ان صار الكتاب غريباً وأصبح جليس الانترنت والفضائيات يتلقى ثقافات مختلفة تبثها رسائل مختلفة المشارب والاتجاهات· وفي مناخ كهذا، تكتسب معارض الكتاب أهمية مضاعفة لأنها تعلي من شأن الكتاب، وتعيد له سيادته وبريقه الضائع، ومن أهم هذه المعارض معرض الشارقة للكتاب الذي يجدد الأمل في كل عام بأن يعود الكتاب إلى سابق مجده وعزه، فالمعرض يعد واحداً من أهم المعارض التي يشهدها الوطن العربي، ويقدم أطيافاً شتى من المعلومات التي تغذي العقول، خاصة عقول الأطفال الذين يعتبرون كنز المستقبل وصناعه، والذين رأيناهم على أيام المعرض يتنقلون بين الأجنحة التي تعرض كتبهم، هائمين على وجوههم متخبطين في انتقاء الكتب، منجذبين إلى الكتب الزاهية البراقة من غير ان يدركوا ما يحمله هذا الكتاب في باطنه، لكن هذا الوهج والشغف الذي يولد في نفس الطفل سرعان ما ينطفئ بريقه لحظة مغادرته رحاب المعرض وتختفي عندها هذه النشوة الوقتية بينه وبين الكتاب، لتجذبه مجدداً الوسائل التكنولوجية المثيرة، فماذا أعد الناشرون لوقف هجوم الوسائل التكنولوجية التي سحبت البساط من تحت كتاب الطفل وأهميته؟ وكيف يفسر الآباء ضعف علاقة أبنائهم بالكتاب؟
'دنيا الاتحاد' حملت هذه الأسئلة الى الناشرين وأولياء الأمور وخرجت بالحصاد التالي:
يقول عبدالكريم عاصي (دار الفكر اللبناني): 'العلم في الصغر كالنقش على الحجر، فالطفل عجينه لينه يمكن تقويمها وإرشادها وتصويبها وإذكاء النشاطات الداخلية عنده بواسطة التوجيه، وهذا التوجيه هو مسؤولية الأسرة والمدرسة على حد سواء، الأسرة لجهة التربية، والمدرسة لجهة التربية والإرشاد من خلال تقديم القصص المناسبة له·
أين قصة الطفل؟
وهناك مشكلة كبيرة تحتاج إلى جهد متواصل، فكما هو معروف ان القراءة عادة ترافق الانسان إذا بدأها منذ الصغر، من هنا ينبغي على وزارات التعليم ان تفرض ضمن المنهاج المدرسي قصة واحدة تقدم للطالب في كل فصل دراسي، بحيث يأخذها معه إلى البيت ويساعده الأهل في قراءتها، فمن شأن هذه الطريقة أن تخلق في الطفل عادة المطالعة، وكلما ابتعد الفرد عن القراءة تراجعت هذه العادة وخفت وهجها، ولهذا، علينا ان نتابع الطفل ونغرس في نفسه حب القراءة بطريقة تربوية سليمة، وعبر موضوعات قصصية مثيرة لا تسبب له الملل·
وما نراه اليوم هو غياب الطفل تماماً وانصرافه عن القراءة، والجلوس مدة طويلة أمام شاشات التلفاز والكمبيوتر ووسائل التكنولوجيا الاخرى والتعرض لبعض المناظر المؤذية أخلاقياً ونفسياً، فيجب ان تنتبه الاسرة جيداً إلى هذه الحالة فهي أشبه بقنبلة موقوتة قد تنفجر في أي لحظة ويذهب ضحيتها الاطفال، فالآباء أيضاً بحاجة ماسة إلى الكتب التي تعينهم على فهم نفسية اطفالهم، وما يتعرضون له من مشاكل وكيفية معالجة الاطفال من خلال أطوار حياتهم المختلفة'·
خطر العولمة
ويقول الاستاذ مصطفى جاويش (دار الحافظ): 'ان الطفل معرض اليوم اكثر من ذي قبل لما نسميه العولمة، فهناك الكثير من الثقافات التي تبث من خلال الفضائيات ووسائل التكنولوجيا المختلفة التي تشد الطفل إليها بشكل قوي، وهنا يبرز دور النشر في تقديم كل ما هو مفيد للاطفال وتقديمه بقالب شيق وجذاب ومادة قيمة تتلائم مع مستوى الطفل العربي، ونحاول وبقدر الإمكان تقديم عمل منافس لما تقدمه الوسائل الاخرى من خلال انتاج أفضل الوسائل التعليمية التربوية، وذلك باجتذاب اكبر قدر ممكن من الكتاب الموثوقين لتقديم مادة ذات طابع عربي إسلامي، والعمل على اخراج الكتاب بطريقة فنية متميزة ومبتكرة من خلال نوعية الرسوم والمؤثرات الصوتية والحركية لإثارة الطفل ولفت انتباهه لها، لان الطفل لا يجذبه الشيء العادي ولا بد أن يكون في الكتاب نوع من الإبداع والفن والابتكار، ونحن حريصون على تواجد مثل هذه المقومات في الأعمال التي نقدمها للطفل وألا تقتصر عملية الجذب على الشكل بل تلامس المحتوى أيضا، بحيث تعمق ثقافته وتثري خياله وتوجهه نحو الطريق الصحيح، رغبة منا في إعادة الطفل إلى احضان المكتبات والنهل من الكتب مجدداً كل ذلك من أجل دمج الطفل وطبعه بالهوية العربية الإسلامية'·
أما بالنسبة إلينا في الدار فلدينا ما يزيد على 300 مجموعة، كل مجموعة تحتوي على سلسلة متنوعة من حيث الموضوعات مصحوبة بأقراص مدمجة، بالإضافة إلى إنتاج أفلام الكرتون التي تقدم المبادئ والقيم الإسلامية·
وأخيراً، نحن كدور نشر نهيب بكل الكتاب والمؤلفين بأن يتعاونوا في تقديم عمل مميز للطفل والعمل على تكثيف الإعلام العربي للحد من جذب الطفل العربي إلى الأعمال الغربية·
حل جزئي
يبدو أن الترجمة تشكل جزءاً من الحل في مثل هذه الحالة، هذا ما أشار إليه سيف الدولة سعيد (دار المكتبة الشرقية)، الذي أكد وجود ندرة في عملية إصدار وإنتاج كتب مستحدثة وعلمية للاطفال، في مقابل ذلك هناك كم هائل من الكتب الأجنبية التي تصدر موسوعات علمية للاطفال، فنحن كدار نشر نقوم بعملية ترجمة هذه الموسوعات من الفرنسية والألمانية والإيطالية إلى العربية لتكون في متناول يد الاطفال·
ويوضح الاستاذ عماد الدين الرفاعي (دار القلم العربي بسوريا) قائلاً: 'نحن نسعى كدار نشر إلى تقديم الكتب التربوية الهادفة التي تؤدي إلى تنمية ذكاء الطفل وتطوير فكره وذاكرته من خلال القصص التي تحاكي جوانب عدة من شخصيته، وتتنوع بين القصص التعليمية التي تسانده في منهاجه المدرسي، وعرض الأعمال القصصية بشكل جذاب وملفت من حيث الفكرة والهيئة والرسومات، وهذه تعد احدى المقومات الأساسية التي تعيد الطفل إلى ساحة القراءة وتجعله حريصا كل الحرص على اقتناء الكتاب لمعرفة فحواه، أو استثارة فضول الطفل لتقليب صفحاته والنظر إلى ما تضمه من صور تعبيرية تحرك في الطفل جانب التفكير والتخيل'·
التعود
ويضيف: 'إن تعويد الطفل في الصغر على اقتناء الكتاب يساعده في اكتساب عادة القراءة، ويجعله دائم الحرص على اقتناء كتاب جديد في كل يوم، فالقراءة تقدم للطفل مكاسب عدة سواء في حياته اليومية أو المدرسية، وكتب الاطفال وعاء هام من أوعية الثقافة، ومن خلال هذا الكتاب يبحر الطفل عبر الأزمان البعيدة والعصور المنصرمة ويتعرف على أوجه الحياة المختلفة، ولكن نظراً لعدم وجود عادة القراءة بين الشعوب العربية، فإن ما تقدمه دور النشر من إصدارات لا يلاقي القبول'·
تلك كانت اراء الناشرين حيال كتب الاطفال ولكن ماذا يقول الآباء حول غياب عادة القراءة بين أطفالهم؟
غياب الإبداع
يقول جمال عمر: 'لا يمكننا إهمال أهمية الكتاب لكونه يشكل جانباً مهماً في التكوين النفسي والثقافي والوجداني للطفل، فمن خلاله يتلقى الطفل قيمه ومبادئه، وغياب الطفل وانصرافه عن الكتاب يعود إلى التحديات الكبيرة التي تفرضها وسائل الاتصال المتعددة التي تجذب الاطفال إليها بشكل قوي في حين نرى ان بريق كتب الاطفال بدأ يخف مقارنة بالكم الهائل والغزير من البرامج التي تقدمها وسائل الإعلام المختلفة· وفي تقديري أن المسؤولية في غياب كتاب الطفل تقع على عاتق المؤلفين والكتاب الذي لا يهتمون بالكتابة للطفل، ولا يسعون إلى إنتاج أو إبداع روايات وقصص تحاكي واقع الاطفال وتتلمس احتياجاتهم، وهذا فعلاً ما لمسته من خلال تجوالي في عدد من المكتبات باحثاً عن كتاب الطفل الذي يقدم علماً نافعاً في زي شيق وممتع'·
ترفيه وتعليم
أما حامد احمد، فيقول: 'ان عملية القراءة تحتل مكانة متميزة من اهتمامات المرء باعتبارها الوسيلة الرئيسية التي يتعرف الطفل عبرها على ما يحيط به، ومن خلالها ينمي قدراته الإبداعية، والقراءة هي عملية تعود، فيجب ان نغرس في نفس الطفل منذ نعومة اظافره حب القراءة وتدعيمها بالكتب المفيدة التي تنمي لديه جوانب عدة من شخصيته، فعملية القراءة ليست عملية إجبارية بقدر ما هي عملية سلوكية يجب ان يمارسها الطفل لحظة تعرفه على الكتاب، فمسؤولية التعويد تقع على كل من المدرسة والبيت اللذين يلعبان دوراً بارزاً في عملية التربية والتوجيه والإرشاد، وما نراه اليوم في معارض الكتاب ان كتاب الطفل لم يخرج من حلته الترفيهية والطابع التعليمي، فلا وجود البتة للكتب المتخصصة والمتعمقة في الأمور العلمية التي يحتاج إليها الطفل'·

اقرأ أيضا