الاتحاد

الملحق الثقافي

المسيحية.. مشرقية تقدمت في بلاد الغرب

يعرض المؤلف، سركيس أبو زيد في كتابه هذا، كيف أن المسيحية انطلقت من فلسطين وبشر بها الرسل باتجاه الشرق والغرب من إيران في الإمبراطورية الفارسية، وانتشرت بعدها باتجاه الهند وآسيا عامة، الأمر الذي يدفعنا إلى التساؤل: لماذا انتشرت وعرفت أكثر في الغرب وأصبحت الدين الرسمي فيه، ولم تنتشر بالقدر نفسه في الشرق الذي ولدت فيه على الرغم من تباشير الرسل في أصقاعه كافة؟.
للإجابة عن سؤال كهذا يقول المؤلف “المسيحية تراجعت في الشرق لعدّة أسباب ذاتية، ولتنامي وصعود التيارات الدينية الأخرى في هذه المنطقة، ولكن الإشكالية الأكثر إلحاحاً هي أن المصادر حول انتشارها في الشرق نادرة ومتناقضة في أحيان كثيرة.

ندرة معلوماتية
وفي ما يخص موضوع المسيحية في إيران يذكر أن أكثر الكتابات باللغة الفارسية، أما الكتابات باللغة العربية فهي شبه نادرة، هذا بالإضافة الى وجود بعض الكتابات باللغتين الفرنسية والإنجليزية حول هذا الموضوع، ولكنها كتبت من وجهة نظر معادية للشرق. وأغلبها بأقلام مستشرقين أجانب تناولوا المسألة من زاوية سلبية، فكانوا يتعاطون مع المسيحيين في الشرق على أنهم أقليات، ويحرضونهم على إقامة دولتهم الخاصة والتمايز عن إخوانهم في الوطن. ونتيجة لهذا النقص في المصادر والمراجع، يجد الكاتب أنه من الضروري إعادة كتابة التاريخ بطريقة تكاملية ومشتركة، تتناول الموضوع بنظرة غير عدائية بين العرب والإيرانيين، ذلك أنه من الملحّ أن يقوموا بحلّ المشاكل في المنطقة على قاعدة الحوار والإنصاف وليس على قاعدة العداء والغزوات، خاصة وأن المناطق الحدودية التي تفصل بلاد العرب عن بلاد فارس غير محددة بشكل واضح وقاطع، وكثيراً ما كانت متداخلة وتخضع لسيطرة إمبراطوريات مرّت عبر التاريخ، لا سيما الفارسية والرومانية والعربية والعثمانية، وتحديداً منطقة الأهواز وبلاد ما بين النهرين التي كانت متشابكة بشكل كبير. ويشير المؤلف إلى أن هناك معلومات متضاربة حول عدد المسيحيين وحالتهم ووضعهم الاجتماعي، فبعض الكتابات تبالغ في السلبيات، ككتابات قوى معادية للجمهورية الإسلامية الإيرانية والتي تستغل بعض الحالات الفردية لتضخيمها وتصوير المسيحيين في إيران على أنهم أقلية مضطهدة، وكتابات أخرى بالغت في سرد إيجابيات الوضع المسيحي في إيران وتضخيم مثالية الواقع الذي يعيشون فيه.
لقد حاول أبو زيد تبيان واقع المسيحيين على تنوع جماعاتهم المذهبية، فهم لا يجسدون كتلة تاريخية متماسكة على مرّ الزمن، بل هناك اختلافات لاهوتية وإثنية وطبقية وسياسية فيما بينهم، وعلى سبيل المثال هناك فئات مسيحية كانت مؤيدة لحكم الشاه محمد رضا بهلوي وأخرى معارضة له، كذلك نرى فئات مسيحية تشارك وتؤيد نظام الجمهورية الإسلامية اليوم، بينما هناك فئات أخرى تعارضه وتعاديه. وهذه الحالة من الاختلاف والانقسام كوّنها المسيحيون عبر التاريخ في إيران والشرق عامة.

عرض تاريخي
تتبع المؤلف أيضاً في كتابه هذا وضع المسيحيين في إيران من ظهور الإسلام حتى ثورة الخميني، مبيناً أنهم تمتّعوا كالزرداشتيين واليهود في ظل الشريعة الإسلامية بكيان معترف به؛ حيث منح أهل الكتاب حماية الدولة الإسلامية مقابل دفع ضريبة خاصة تسمى الجزية. لكن المسيحيين مثل أيّة أقليّة كانوا في الوقت نفسه خاضعين لبعض القيود لأشكال من التمييز، فلم يكن مسموحاً لهم ببناء أيّ كنائس جديدة، كما لم يكن مسموحاً لهم بتشييد أي بناء من الأبنية التي يبنيها المسلمون، وكان محظّرواً عليهم قرع أجراس الكنيسة. وعلى هذا الأساس، عاش المسيحيون واليهود وسط بيئة تذكّرهم بأنهم ما زالوا مواطنين من الدرجة الثانية، على الرغم من أن الحكم العربي الإسلامي في كثير من الحالات كان يمثّل تقدماً ملحوظاً بالنسبة إلى الحكم الساساني. وقد اعتبر الكثير من المسيحيين أن الفتح الإسلامي نوع من العقاب الإلهي للزرادشتيين الفاسدين، في حين نظر إليه آخرون على أنه عقاب لهم على ضعف تمسكهم بعقيدتهم، مثل اعتناق مبدأ الطبيعة الواحدة للسيد المسيح، أو التحوّل إلى الإسلام. وبعد الفتح الإسلامي لإيران وانتشار الإسلام فيها، ساعد المسيحيون العرب في إدارة شؤون البلاد، ولم يمنع الإسلام قيام علاقات اجتماعية واقتصادية بين المسلمين وأهل الكتاب سواء كانوا مسيحيين أم يهوداً. ويعتبر تغيّر الأوضاع السياسية في النصف الأول من القرن التاسع عشر في روسيا وتركيا، من أبرز العوامل التي أدّت إلى زيادة عدد المسيحيين في إيران بسبب سوء المعاملة التي كانوا يتلقّونها هناك خصوصاً تجاه الأرمن.
أما إيران اليوم فقد ضمنت الحرّية الدينية للمسيحيين واليهود والزرادشتيين، بدستورها الجديد الذي أعطى الأقليات الدينية حرّية اتباع شرائعهم الخاصة في ما يتعلّق بأمور الأحوال الشخصية، مع الحفاظ على الشريعة الإسلامية نظاماً قانونياً للبلاد. ولم يمنع المسيحيون عن الوظائف العامة، لكن اعتماد امتحان الشريعة أساساً للتوظيف أبقاهم خارج الملاك العام. ومن بين الجماعات غير المسلمة، يمكن القول إن المسيحيين الأرمن هم الأوفر حظاً بين الأقليات الإيرانية نظراً لامتلاكهم تاريخاً عمره 400 سنة من التعايش السلس مع المسلمين.

تحديات
هناك عدة تحديات تواجه المسيحيين في إيران من جهة، والحكومة الإيرانية من جهة أخرى. صحيح أن السلطة الحاكمة لا تضطهد المسيحيين، وليست هناك عمليات إلغاء بحقهم، وهم يتمتعون ببعض الحقوق المدنية والاجتماعية، ولكن: ترى هل هذا الأمر كاف لإشعار المسيحيين بأنهم مواطنون متساوون مع الآخرين بالدولة؟.
لقد تطور النظام الإيراني من أيام الثورة الإسلامية حتى الآن في أسلوب تعاطيه مع المسيحيين، فوسّع هامش الحرّيات للأقليات بشكل عام، الأمر الذي يعطي صورة مغايرة عن إيران، وهي أنها قادرة على إشراك جماعات أخرى في العملية الديمقراطية. وهذه العملية هي جزء من تحدّي حوار الحضارات الذي أطلقه الرئيس السابق محمد خاتمي، وعمل على توسيع مفهومه بين مختلف الطوائف والجماعات على المستوى العالمي، ومن البديهي تجسيده على الصعيد الإيراني ليكوّن صورة ومثالاً.
ومع الأخذ بعين الاعتبار التركيب الإثني والمذهبي للجمهورية الإسلامية، وهو في أغلبيته الساحقة من المذهب الشيعي، نرى أن التحدي الأكبر للنظام الإسلامي هو كيفية تعاطيه مع مختلف المذاهب والإثنيات، وكيفية المحافظة على التماسك الوطني بعيداً عن التعصّب والتفكك، لذلك يعمل النظام على تطوير طريقة ومنهجية القوانين الخاصة بالأقليات وإعطائهم مزيداً من الحقوق السياسية. كما أنه من مصلحته العمل على استيعاب كل أبنائه لمنع أي تدخل خارجي في شؤونه الداخلية. أما التحدي الأبرز كما يقول المؤلف فيقع على عاتق المسيحيين أنفسهم. فهل هم قادرون على القيام بجهد من أجل بلورة المواطنية الإيرانية التي هي صورة عن الشراكة بين كل الطوائف والإثنيات التي تعبر عن الدولة الدينية؟.
وفي هذا الإطار نرى أن المسيحيين - كما يقول المؤلف - يواجهون تحدّي ابتداع صيغة لمسيحية إيرانية تأخذ من التعاليم والإيمان المسيحي، وتجسده في الخصوصية الإيرانية، وتأخذ في الوقت نفسه الثقافات المشتركة والمختلفة بعين الاعتبار.

اقرأ أيضا