الاتحاد

الملحق الثقافي

عندما يصبح البؤس نصا

دوستوفسكي

دوستوفسكي

الفقر والبؤس يعدان الملهم الرئيسي لكثير من أدباء الغرب في أعمالهم سواء كانت القصصية أو الشعرية أو حتى الفنية.. ولا يمكن لأديب ما أن ينتج عملاً أدبياً رفيع المستوى دون أن يكون فيه قدر من المعاناة الشخصية أو إحساس بمعاناة الآخرين في فقرهم وبؤسهم وتحولاتهم الاجتماعية والنفسية ومراحلهم التاريخية الفاصلة كما هو الحال لدى الروس والفرنسيين قبل وأثناء وعقب ثوراتهم الشهيرة..

من أشهر الأدباء الذين تناولوا حياة شعوبهم الاجتماعية بما فيها من فقر وبؤس رائد الرواية الروسية الكلاسيكية فيدور ميخائيلوفتش دوستوفسكي (1821 ـ 1881م) الذي لم يتناول تلك الحياة الاجتماعية بما فيها من فقر مدقع بطريقة مباشرة، وإنما كان يريد أن يقدم ماسي الفقر والحياة الاجتماعية المتردية وأثرها على أفراد المجتمع..
وكان دستويفسكي من أكثر الأدباء إعجابا ببوشكين وغوغل وبلزاك وجورج صاند وفيكتور هوجو وتشارلز ديكنز..
وكتب دسويفسكي في هذا الإطار روايته “المساكين” عام 1845م ثم “المذلون والمهانون” عام 1861م وفاجأ العالم في عام 1866م بروايته العبقرية “الجريمة والعقاب” التي جسد فيها منهجه التحليلي الجديد.. ثم كتب “الأبله” 1869م وتبعها بـ”الشياطين” عام 1872م ثم “المراهق” عام 1875م ومن أعماله الشهيرة التي استقت منها السينما العربية عملها الشهيرة “الأخوة الأعداء” في سبعينيات القرن المنصرم رواية “الأخوة كرامازوف”.
وكان دستويفسكي من أكثر الأدباء الروس اعتمادا للأسلوب النفسي في تناول أحداثه وشخصياته التي تكاد أن تكون شخصيات فاجعة ومفجعة في آن واحد، وقد حاز لقب أبو الرواية المفجعة أو الرواية المأساوية في الأدب الروسي. وذكر سومرست موم في كتابه “على هامش الحياة” عن دستويفسكي قائلا: “كلما قرأت دوستويفسكي تمثلت الحياة جدولا فقد كل صفاته لأن هناك من بصق فيه أو عبث بمائه”، وقال عنه فردريك نيتشة: “انه أول من علمني شيئا عن النفس البشرية” واعتبره البير كامو المعلم عبر الأجيال في وقت قال عنه فوندان: “انه أول من عبر عن شقاء الضمير في الحياة الإنسانية الحديثة”.
واعتبره كتاب الواقعية الانجليزية وعلى رأسهم توماس هاردي وسومرست موم انه “كاتب قلق يتجاوز حدود الحياة إلى كل ما يثير الاشمئزاز واليأس”. ويرى جان بول سارتر الفيلسوف الفرنسي الوجودي في كتابه “ما الأدب؟” بأن الغموض الذي يسيطر على الكثير من شخصيات أعمال دوستويفسكي هو موضع القوة الحقيقي في جميع أعماله الأدبية..
ولعل أقصوصته “المساكين” كانت بداية معرفة المجتمع الأدبي به وكانت تتناول مشاهدا وصورا قلقة ومتشائمة للغاية لشخصيات من المجتمع.. ولعل أبرز تجليات دوستويفسكي في تجسيده للبؤس والفقر لشريحة واسعة من أبناء الشعب الروسي جاءت في رواياته “المساكين” و”المذلون والمهانون” و”الجريمة والعقاب”.
وفي جميع أعماله الأدبية نجده رافضاً للشر الاجتماعي القابع في نفوس شرائح معينة من البشر وهو في ذلك قد خلق سمة جديدة للرواية المعاصرة تتمثل في أسلوبها النفسي التحليلي وتفضيل صيغة البطل المفكر والمتأمل وليس البطل السلبي وان كان هذا هو المنحى الأخير لهذا البطل الذي أخذ على عاتقه أن يفكر ويستنتج ويتأمل أملاً في الخلاص من آفات المجتمع وبؤسه وفقره وقد ظهر ذلك بوضوح في “الأخوة كرامازوف” و”الجريمة والعقاب” وباقي أعماله..

علاقة عصية
أما الفيلسوف الألماني آرثر شوبنهور فقد كان بؤسه مخالفاً ومغايراً عن بؤس جميع المبدعين الآخرين بالرغم من أنه سليل أسرة عريقة وابن لأم كانت شهيرة عصرها وتمتلك قصراً كبيراً تدعو إليه أبناء الطبقة الأرستقراطية في صالونها الأثر.. وقد كان هذا الصالون الأدبي وتلك الشهرة الطاغية هي بداية إحساس شوبنهور بالبؤس، خاصة أن بداية الجفاء والقهر المفرط جاء من جانب أمه في وقت كان والده قد غيبه الموت وهو في العشرين من عمره..
وتأثر شوبنهور بكل التفاصيل والنزعات العدوانية التي صدرت من أمه والتي خالفت كل ما هو فطري وطبيعي فيما يخص علاقتها مع طفلها الصغير شوبنهور التي كانت تتعمد إهانته أمام ضيوفها وتعذره عن كل تصرف مهما كان صغيراً أو كبيراً..
وقال في مذكراته عن تلك الفترة: “كنت أشعر أنني كائن تافه لا أهمية له في المنزل.. وما أعرف من هذا المنزل هو شقاء أبي وعار أمي”.
وكتبت له أمه ذات يوم فقالت له: “انك لا تحتمل ومن الخير لك أن لا تأتي إلي بعد اليوم.. إنني مستعدة أن أضحي بكل شيء كي لا أرى وجهك البغيض.. انك صورة مصغرة من شقاء البشرية” إنها علاقة مبتورة بين أم جاهلة تعالت لديها مشاعر عدوانية مصدرها الحقد على ابنها الذي لمست فيه بدايات العبقرية الفذة..
ومن الطريف أن شوبنهور الذي ظهرت عبقريته مبكرا داخل أحد المطاعم ذات يوم وسمع فيه ضوضاء مصدرها شبان تصادف وجودهم فأشار إليهم أحد الرجال قائلا:
“اتركوا هذا الشاب وحيدا ولا تزعجوه يا أولادي فسوف يأتي وقت يتجاوزنا جميعا بعظمته” ومن الطريف أيضا أن هذا الرجل هو جوته شاعر ألمانيا العظيم وشمسها المشرقة..
وكتب شوبنهور الكثير من الكتب الفلسفية ففي عام 1813م كتب رسالة فلسفية بعنوان “الأصول الأربعة للسبب الكافي” ونال عنها درجة الدكتوراه إلا أنه فشل في امتهان التدريس بالرغم من براعته في عرض الفكرة وتوضيحها..
وفي عام 1819م كتب كتابه الضخم “العالم إرادة وتصور”، وفي عام 1836م كتب “الإرادة في الطبيعة”، وعام 1860 كتب “المشكلتان الأساسيتان في الفن والأخلاق”.
ومن أقوال شوبنهور الفلسفية: “إذا كان الشقاء والبؤس قد قدر على الإنسان فذلك لا يعني أنه عاجز عن المقاومة.. لقد كان من الأفضل أن لا يوجد لكن الإرادة القاهرة قد أوجدته مرغما لكي يقوم بمهمته في سبيلها.. فماذا يفعل؟”.

صوت العمال
ويعد مكسيم غوركي من أهم الأدباء الروس الذين كتبوا عن البؤس والفقر وعايشوه بمشاعرهم وأحاسيسهم فكان وقود الإلهام لأعمالهم الأدبية وكتب غوركي ثلاثية مطولة تعد من أهم ما كتب وكانت تتناول فترة طفولته وان كان غوركي في تلك الثلاثية القيمة لم يقصد سردا شخصيا للأحداث عن بتجسيد شخصيات حيه بقدر ما كان يسرد الحالة المتردية والمتعفنة للمجتمع الروسي في فترة من الفترات التي كاد المجتمع أن يكون فيها اقرب إلى البداوة والهمجية منه إلى التحضر والأخذ بروح العلم والتمدين الحديث الذي قد بدا في أوروبا المعاصرة..
لم يكن غوركي بعيدا عن طبقة العمال الفقيرة بل كان واحدا منهم منذ أن كان صبيا صغيرا عانى ما عانته تلك الطبقة من قهر الأسياد لهم والتحكم في أرزاقهم.. كما عانى من التشرد الدائم وإحساسه بعدم الاستقرار..
ومن هذا الواقع المرير والبؤس والفقر وحالة التردي التي عاشها المجتمع يوما بعد آخر أخذ غوركي عبارة واحدة ليبني عليها روايته الجديدة التي تعد من أهم ما كتب غوركي من أدب أما العبارة فهي.. “يا عمال العالم اتحدوا” وأما الرواية فهي “الأم” التي تناقش حياة طبقة مهمشة في مجتمع يسيطر عليه السادة، ويبدع غوركي في وصف حالة العمال أثناء عملهم وعقب خروجه من مصانعهم وعلاقة الأب بزوجته التي يتعمد ضربها وأهانتها كلما عاد إلى المنزل مخمورا بينما نجد ابنها قد سلك دربا جديدا مخالفا لما كان يسير عليه أبيه حيث بدأ يقرأ ويعي ما حوله من ضرورة التغيير لصالح المجتمع..

اقرأ أيضا